فى روايته باب الشمس يحكى إلياس خوري عن تهجير الفلسطينيين عن أراضيهم فى الجليل والضفة فى أربعينيات القرن الماضي، يحكيها عبر رواية أدبية بأسلوب جميل، رواية بطلها يونس الذى تدور حوله الأحداث راويا أو مرويا عنه ، ابن وزوج وأب ومقاوم.

 

بعد تهجيرهم قسريا عن الجليل يتسلل يونس من الجنوب اللبنانى إلى بلدته دير الأسد لرؤية زوجته (رمز الأرض والوطن فى الرواية) التى تخيط له ملابسه بيدها وتطعمه زيت الزيتون.

 

تدور فصول الرواية ما بين الجليل والجنوب اللبناني وفى كل مكان يذهب إليه يونس أملا فى العودة إلى الجليل، رواية موضوعها المحوري تهجير الإنسان وإبعاده عن أرضه ووطنه وأهله وحياته، ليعيش بعدها حياة التيه مهاجرا مغتربا.

باب الشمس صدرت فى طبعتها الأولى عام 1998م، وتحولت فيما بعد إلى فيلم من جزئين حملا اسمي الرحيل والعودة. عند قراءتنا للروايات (وكعادتنا) نسرح بالخيال للعيش فى أجواء الرواية فهى متعة عقلية، أما مع باب الشمس فالأمر يختلف، فرغم كونها رواية فهى لا تحتاج منا فى زماننا هذا إلى الخيال مطلقا، أو نستطيع أن نقول إنها رواية حكت الماضى فأعاد الزمن إنتاج الماضي (حسب حكايات الرواية) إلى واقع ملموس يصور ويجسد الرواية كأحسن ما يكون.

 

 
ولما نحتاج إلى الخيال مع باب الشمس فما نقرؤه فيها يمكن أن نتابعه واقعا ينقله لنا الإعلام بمختلف أنواعه، فقط يكفينا متابعة الواقع عندها نطالع كلمات الرواية تتجسد حية، هنا يتعطل الخيال وتبدأ الكلمات تتحول صورا.

 

 

(2)

 
يتنقل إلياس بين الحكايات والأماكن ببساطة ويسر ليصور حياة الناس، كلٌ وحكاياته وذكرياته. تقول الرواية “فى هذا الزمان كانت الدنيا تخبئ الحرب، وحين تكون الحرب تأخذ الأشياء شكلا آخر، الهواء يتغير وروائح الأشياء تتغير والناس يتغيرون، كأن الحرب تصبح شبحا يلبس ثياب الناس ويتداخل بهم”.

 

صدق وصف الرواية أنه زمن الحرب والقتل والدماء التي باتت في كل مكان وتطغي على كل شيء، مدن تنام على وسادة الحرب، وجوه عابسة كأنها تحبس الموت داخلها، الناس تشعر بطعم الموت حتى قبل قدومه، حرب يروح ضحيتها ناس كل ما رغبوا فيه هو العيش بكرامة وعزة، بسطاء لا يعرفون سوى العيش على هامش الحياة فى بلدانهم التى عاشوا معها ومن أجلها.

(3)

تحكي الرواية: ” لا أدري يا بني قريتكم مهجورة وطرقاتها اختفت والبيوت ليست مهدمة، ولكنها متكئة على ما يشبه الخراب، لا أعرف لماذا تصبح البيوت هكذا حين يهجرها أهلها، البيت المهجور يتقوقع على نفسه كأنه يتساقط”.

 

 

 
وهكذا هى قرى السوريين فى ريف حماة وحمص ودير الزور ودرعا والغوطة وغيرهم، تركها أهلها خوفا على حياتهم، ومن بقي منهم يصارع من أجل البقاء على قيد الحياة. تقول الرواية: “جاء الطيران: ثلاث طائرات حلقت فوق القرية ورمت براميل النار والبارود وبدأت البيوت تتداعى”.

وكأن الرواية تصف مشهد مكرر فى وسائل الإعلام تصفه بدقة الحاضر لا الماضى، طائرات ترمي براميل متفجرة فوق رؤوس الناس فى بيوتهم أو أسواقهم أو أينما كانوا.

 

 
تكمل الرواية: ” قال إنه رأى كيف يتشلع البيت من داخله وتتطاير الأبواب والنوافذ ثم يرتفع اللهب، قال إن زوجته ماتت في البيت مع أولاده الثلاثة”.

 

 
وكم رجل ماتت زوجته وأبناؤه فى بيته الذى تطاير بفعل القصف، ولا يستطيع الرجل إخراج أهله من تحت الأنقاض أو حتى دفنهم، والقصص الإنسانية المروية بذلك كثيرة كتبت بالدم والخوف وأصحابها يعانون الحسرة والألم. أو بتعبير الرواية: “وحين وصلت إلى البيت كانت النار فى كل مكان، والله لم يتسن لي دفن زوجتي وأولادي الثلاثة وانهزمت مع المنهزمين”. لذلك القصص الحقيقية لا تروى؛ لأن الناس يعرفونها.

 

 

 

(4)

 

 
تحكي الرواية: “جثث مذبحة شاتيلا تذكرني بالخوف، رغم أنها كانت تنحني فوق بعضها بعضا، كأنهم أحياء تجمدوا في أماكنهم”.
لا نحتاج لكلمات كثيرة تصف هذا المشهد فقط نشاهد الموتى بالغازات الكيماوية أو تحت الأنقاض فى سوق أو بيت أو مسجد بفعل البراميل المتفجرة أو القذائف فهم كأحياء تجمدوا بالموت.

“زوجة على حافة الجنون ولا شيء يعزيها فماذا تفعل؟” كم مرة شاهدنا امراة ثكلى تندب زوجها أو أبناءها. “ففى تلك الأيام كان الجليل يرتجف خوفا، بيوت مهدمة وبشر تائهون وقرى مهجورة وكل شيء اختلط بكل شيء”.

 
والآن سوريا ترتجف خوفا وقصفا، قرى أزيلت من الوجود ومدن لا يمكن وصفها إلا بمساكن أشباح، وبشر فارون من جحيم الإبادة لا يعرفون أين يذهبون. “أرواح الموتى تسكن الأشجار ويجب أن نعود ونهز الأشجار؛ كي تتساقط الأرواح وترتاح فى قبورها”.

 

 

(5)

 

 
تقول الرواية ” تخيلت الأوديسة يومها أم أقل ذلك الآن؛ لأن الشاعر محمود درويش كتب قصيدة طويلة عن هذه الأوديسة رغم أنه هو أيضا لم يركب السفن اليونانيية التى حملت الفلسطينيين إلى تيههم الجديد”.

 

 

هل كان مشهد خروج الفلسطينيين من بيروت عام 1982م فى سفن ملهم لآلاف السوريين المهاجرين عبر البحر، أم أنهم فعلوا نفس الشيء دون ترتيب أو تخطيط، وبحثا عن الحياة فى أي مكان وتحت أي ظروف، أم هي عجائب الزمن الذي يكرر الحدث مرة ومرات بدون مبالاة.

الآلاف عبروا فى سفن تلقي بهم فى عباب البحر، تركوا ماضيهم وأحلامهم وفروا إلى المجهول، رحلوا مهجّرين يحملون التمزق الإنسانى والاجتماعى معهم، رحلوا وتركوا سنوات قضوها فى بلدانهم.

تكمل الرواية “الأرض ستبقى والمسألة ليست لمن السيطرة، فالسيطرة على الأرض وهم، لا أحد يسيطر على الأرض ما دام سينتهي مدفونا فيها، فالأرض تسيطر على الجميع وتأخذهم إليها “.

 

 

لكن الواقع يصور مأساة الارض التى تنتزع ويقتل أهلها، ورغم أنه واقع إلا أننا نيام عن مأسينا والنائم مثل الميت. الوطن امرأة جميلة (كنهيلة زوجة يونس) متجددة كالمواسم وفى كل موسم برائحة جديدة، الوطن لا يموت طالما رائحته في صدورنا، نمحو الزمن ونقول من الأول كما كان يقول يونس بن إبراهيم الأسدي.

” بدل أن تعلق بلادك على الحائط اكسر الحائط واذهب “.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد