قف على أكتاف العمالقة (Stand on the Shoulders of Giants). لقد اختارت شركة جوجل هذا الشعار ليكون شعار صفحتها المسماة: علماء جوجل (Google Scholar) المخصصة لمتابعة المنشورات العلمية للباحثين والعلماء حول العالم وتتبع عدد مرات الاقتباسات العلمية من نتائج أبحاثهم. ولعل كثيرًا من الأساتذة والعلماء والباحثين ممن لهم حساب على هذا الموقع الهام في مجال البحث العلمى قد لاحظوا هذا الشعار وتساءلوا مرة من المرات: ما قصة هذا الشعار؟ وماذا يعني؟

في حقيقة الأمر إنه شعار منقول بتصرف لمقولة شهيرة منسوبة إلى برنارد دي شارتر، أحد أشهر الفلاسفة الأفلاطونيين في القرن الثاني عشر، والتي تقول باللاتينية: (nanos gigantium humeris insidentes) والتي تعنى بالعربية (أقزام جلست على أكتاف العمالقة) وهي تستخدم لإظهار أهمية أي رجل لديه طموح فكري وعلمى يعتمد على عمل المفكرين العظام في الماضي المشار إليهم بـ (العمالقة). وعندما سُئل إسحاق نيوتن من أين أتى بهذه القدرة على الوصول إلى ما لم يستطع غيره من العلماء الوصول إليه من قوانين تفسر أحداث الطبيعة والتي مكنته من رؤية ما لا يراه الآخرون، أجاب: «إن توصلتُ لشيء، فذلك لأني أقف على أكتاف العمالقة»!

وهذا يدل على تواضع إسحاق نيوتن الذي يؤكد أن الوقوف على أكتاف العمالقة الكبار من العلماء السابقين يمكن الباحث من رؤية الأفق والنظر إلى المستقبل واستكشاف ما يمكننا من الوصول إليه. وهذه المقولة تحدد بدقة الوسيلة الأولى والأهم لإحداث أي تقدم، وهو «التراكم العلمى والبناء على ما أسسه وتوصل إليه العلماء السابقون. فالجهود التي قام بها العلماء القدامى مهما كانت بسيطة ومتفرقة، أو حتى متعارضة، فإن الباحث الجاد ذا الاجتهاد والبصيرة يستطيع أن يجمعها ويصنع منها صرحًا شامخًا من المعارف التي تجعله يرى ويستكشف أفق هذا الكون بصورة أوسع. ولعل القارىء أدرك معى الآن لماذا اختارت شركة جوجل هذا الشعار لصفحة علماء جوجل.

هذا الأساس – التراكم والبناء على ما سبق – هو القاعدة الرئيسة التى يؤمن بها وينتهجها علماء عالمنا المعاصر على كافة توجهاتهم ومشاربهم في كافة التخصصات العلمية الحياتية. لكن للأسف الشديد نجد هذه الأيام في مصر والعالم العربي والإسلامي من الأقزام المتطفلين على مجال البحث العلمى والمنتحلين لصفات لا تطلق إلا على عمالقة مثل باحث وعالم ومفكر ومجدد من يخالف هذه القاعدة بجرأة لا يقوى عليها إلا جاهل جهول، ويدعو لمخالفتها فقط، وعن عمد، إذا كان الأمر متعلقًا بالعلوم الدينية عامة والإسلامية منها خاصة.

فيأتي متنطعهم ويقول: إن ما قاله علماء الدين المجتهدين القدامى كالأئمة الأربعة مثلًا قد عفا عنه الدهر ولا يصلح لعالمنا اليوم وإن كانوا هم رجال، فنحن رجال، وإن كان لهم فهمهم، فلنا فهم يختلف عنهم؛ فأدواتنا اليوم غير أدواتهم البحثية المتاحة في عصورهم، بل أفضل منها… إلخ.

وقائل هذه العبارات التي فيها بعض الحق يبغي لا شك بها باطلًا محضًا؛ فما يقوله ليس بجديد، وهؤلاء العمالقة من علمائنا الأجلاء، هم من أسسوا لهذا المبدأ قبل أن توضع نطف هؤلاء الأقزام من المتنطعين الجدد في أرحام أمهاتهم بعشرات القرون. وقالوا: إن الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف. وهذا لا شك أجازوه في الأمور غير المقطوع بها في النصوص الدينية والمعلومة بالضرورة منه، لكن هؤلاء حينما يطلقون هذه الكلمات على أسماع العامة غير المتخصصين عادة ما يستخدمونها لتهيئة محبي الاستماع لهم لهوى أو لمرض في نفوس أو جهل لقبول طعنهم فيما هو ثابت من الدين بنصوص قطعية الثبوت واضحة الدلالة و لهدم ما هو معلوم من الدين بالضرورة.

لذا أدعو في هذا المقال هؤلاء الشعوبيين الجدد ممن يعادون أوطانهم وتراثهم ويتنصلون من جذورهم وأصولهم أن يكونوا عدولًا. فكما يتفاخرون بمنجزات العلوم الحياتية الحديثة. فعليهم أن يدركوا أنها ما كان لها أن تنجز إلا بتطبيق مبدأ التراكم والنظر في الأسس التي وضعها السابقون. وبالتالى عليهم أن يكفوا عن الدعوات لهجران ما أنجزه العمالقة من علماء الدين الأوائل. وأدعو في نفس الوقت المخلصين من علماء المسلمين المعاصرين أن يجتهدوا في البناء على ما أسسه العمالقة الأوائل من قواعد وأسس ومنهجيات بحثية لبناء صروح من المعرفة الإسلامية المعاصرة التي تتواكب وتتواءم مع عصرنا الحالي دون إفراط أو تفريط. فتقصيرهم في مجال الاجتهاد الفقهى هو خطيئة كبرى لا تقل جرمًا في حق ديننا وتراثنا وحضارتنا والأجيال الناشئة من أبنائنا عن جرائم هؤلاء الأقزام المتنطعين المتطفلين على مجال العلم والعلماء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد