ماذا سنجني من وراء إعلان مثل هذا؟  15 دقيقة هي مدة فاصل إعلاني واحد! ما المنتج الذي يسعى لتسويقه هذا الإعلان؟

لعل هذا ما يتبادر إلي ذهنك, عند مشاهدتك لشاشة التلفزيون خلال شهر رمضان الكريم, وكيف لا؟! ورمضان هو أكبر ماراثون تسويقي يحظى بنصيب الأسد من المواد الإعلانية الجديدة، فما هي إلا دقائق معدودات من متابعتك للدراما المفضلة لديك، حتى يخرج عليك هذا السيل الجارف من الإعلانات في الفواصل، حتى إنه لتكاد تنسي, ما الذي تشاهده في الأساس.

ربما يعلم الكثير مننا بوجه عام – ودارسي الإعلام على الخصوص -بأن أبسط قواعد التسويق والإعلان هي ترسيخ الفكرة أو المنتج أو اسم المؤسسة صاحبة الإعلان في ذهن المستهلك, الأمر الذي يؤدي إلي إقبال هذا المستهلك على اتخاذ قرار الشراء بشكل أو بآخر.

ولكن حاليا فإنه بالكاد يعلق بذهني اسم المنتج, فالحبكة الإعلانية التي يصوغها أصحاب الإعلان بما تشتمل عليه من عناصر جاذبة, تجذبك للأغنية أو الأداء التمثيلي أو “الإفيه” وتخرج بعدها خاوي اليدين, وبعد انتهاء الإعلان, تتساءل عن ماهية المنتج أو الخدمة التي يروج لها! فما الذي يعود علي بالنفع كمشاهد من رؤية مشاهير الفن وكرة القدم يقدمون إعلانات تكبدت الشركات في صناعتها ملايين الجنيهات؟!

اتخذ الإعلان في رمضان 2015 شكلا تنافسيا, واصطبغ بالصبغة الدفاعية الهجومية في آن واحد، بشكل فاق ما كان يحدث في السنوات القليلة الماضية, فنجد شركات الاتصالات المختلفة, تحاول من خلال إعلانها التأثير على حملة شركة اتصالات أخرى معادية لها, وكذلك الشركات المروجة للمنتجات الغذائية, فتستخدم جمل وكلمات بها تهكم صريح وواضح على المنتج المنافس لها, وهكذا دواليك, فتجد نفسك في دائرة مفرغة, لا تعلم الصدق من الكذب.

بات الأمر يحتمل التأويل, فمن بين هذا الكم من الإعلانات قلما تجد إعلانا يحمل فكرة مختلفة ويترك أثرا, وربما يرجع هذا الأمر إلى نضوب الأفكار لدى منفذي الإعلانات, أو تردي مستوى الإخراج الإعلاني عند البعض الآخر، فالسوق الإعلاني يشهد فقرا في الابتكار وضحالة في الأسلوب.

على صعيد آخر, نجد إعلانات تشتمل على انتهاكات صريحة للحق الآدمي, وتشويه للعلاقات الأسرية، وتبني سلوك موالٍ للعنف الأسري، فيخرج علينا الأب في إحدى الإعلانات يصفع ابنه صفعة على الوجه تسفر عن تحطم نظارته الطبية إلى جزئين ليثبت له أنه لا يستطيع رؤية المستقبل على حد قول الابن, بالتالي لم يتوقع تلك الصفعة, وإعلان آخر يظهر الأب منهكا في العمل حتى إنه نسي عمر ابنه الذي شارف على مرحلة الشباب, فما القيم التي تظن مثل تلك الأنماط من الإعلانات أنها ترسخها!

وأضحى انتظارنا للحملات الإعلانية التي تصدرها شركات المياه الغازية, والهاتف المحمول بمثابة طقس رمضاني من الطقوس التي لا نتخلى عنها, بل باتت مواقع التواصل الاجتماعي منصة للتعبير عن الآراء في تلك الحملات وتوجيه الانتقادات لها, وشن حرب على المنافسين, وفي وسط هذا يقبع المستهلكون كالفريسة, فتجدهم قد ضلوا في غياهب هذا العالم الذي سيطر على حياتنا بشكل شبه كلي.

لا شك إن التعميم ينطوي على المخاطرة, لذلك وجب القول بأن الفكرة الإعلانية المميزة هي التي تحترم عقلية المشاهد وتصنع المادة الإعلانية بمنطقية شديدة دون استخفاف بعقول الطبقات الجماهيرية التي تتوجه إليها من خلال الإعلان وإن لم تستطع الالتزام بالمبادئ الأخلاقية وصقلها, فأيسر الأمر ألا تغرس ما يـُحتمل أن يخل بأخلاقياتنا ويهبط بها إلى القاع .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد