تعترف بوجود عثرات في حياتها، وتصف مشوار العمر بأنه محطات نجاج وفشل أيضاً، أما محطات الفشل فهي كثيرة على الصعيد الشخصي، لكن طريقة تعاملي مع الخطأ هي طريقة تحترم آدميتي تلك المجبولة على الخطأ، والحكمة تقتضي أن لا نعاكس تيار آدميتنا.

فلا يكمن التحدي في عدم الفشل أو الخطأ إنما يكمن التحدي في كيفية التعامل مع هذا الخطأ.

لي في ذلك قاعدتين أساسيتين.

الأولى: هي خروجي من أية أزمة بدون أن اقترف ظلما.

الثانية: هي عدم الاستسلام للمحبطات التي يسببها الفشل والعمل على النهوض بسرعة، وإكمال المسير.

تعتز بأسرتها وتربيتها وتعد أن بناء الأسرة يقوم على الاحترام والثقة أيضًا، تقول:

لقد نجحت في أن أحترم حرية الاختيار مع أفراد أسرتي فبعد أن صارت هذه قناعة لدي بدأت تطبيقها على نفسي.

تعرفت على الأستاذة ابتهال منذ أكثر من عقد من الزمن وقد وجدت في الإنسانة المتزنة المحبة للخير الملتزمة من غير تعقيد، يغلب عليها البحث المنضبط تكتب بروح سننية تفرق بين الإنشاء والوعظ وبين الفكر والتحليل.

إنها امرأة سوريّة لكنها مزيج من عرب وكرد وترك.

تعكس هذه المواطنة الحرة في تركيبتها جمالية التنوع الذي تفخر به سوريا، والثقافات التي شكلتها عديدة بسبب رحيلها عن سوريا في سن مبكرة ثم تنقلاتها الكثيرة في البلدان العربية والغربية.

الأستاذة ابتهال قدور نشأت في أسرة محافظة، بفكر وسطي، وكان لوالدها بانفتاحه وعقلانيته وثقافته الواسعة وشاعريته وحنانه الأثر الأكبر في تنشئته.

كان أول معرفتي بها عندما دفعت إلي كتابها (المرأة بين المواجهة والاستسلام) فإذا بي أجده أفكارًا جريئة ضد الوعي المعلب والأفكار الجاهزة ويكسر التقليد يبدو أن دخولها المبكر عالم القراءة والفكرة والكلمة مذ كنت طفلة، حيث تقول: «وكانت مكتبة المنزل المتنوعة ملاذي الجميل، وما كانت الجلسات النسائية بمواضيعها السطحية تشدني وكنت أختار الجلوس مع أبي لأستمتع بحوارات فكرية لم أكن أفهم أكثرها لكنني كنت أجد نفسي في أجوائها».

دخلت هذه السيدة المباركة المفكرة المجالات العلمية المحظورة نظرًا لبغضها الزيف وعشقها الحرف

(وكبرت وكبر معي هذا الحب فدخلت مجال الكتابة والصحافة والإعلام رغبة مني في أن أكون على مقربة من عالم الكلمة والفكرة وأن يكون لصوتي صدى ولكلمتي أثر).

إن الحاضنة المعرفية التي نشأت فيها الأستاذة ابتهال هيأت لها النظر السديد في عمق الانحراف المعاصر ففي عالم الفكر أدركت ببصيرتها الحواجز والموانع من التحرر الفكري  ومن يدخل هذا العالم لاتروق له الحواجز المعرفية والفكرية ويكتشف مأساوية وضع قيود على حرية الفكرة، تقول الأستاذة ابتهال: (فكان أكثر مايزعجني هو التضييق على الفكر والتوجه العام إلى محاربة كل فكرة جديدة أو كل مفكر يتقدم خطوة بالفكرة إلى الأمام، ورأيي أن هذا قد أفرز بقاءنا في دوامة القديم نعيده ونفصل فيه ونتفرع، فكنا كأننا نعود إلى الخلف عوضا عن أن نتقدم إلى الأمام، ولا أدري كيف سيتجدد هذا الدين على رأس كل قرن ونحن نحارب كل فكرة جديدة!!).

وضعت هذه السيدة الباحثة يدها على جذر المشكلة في شقيها الثقافي والسياسي.

 الحصار المعرفي: يمكن عزو الغش الثقافي الى وصاية نبيلة لكنها خاطئة في تصوراتها حيث تكمن المشكلة في اعتقادنا كما ترى الأستاذة ابتهال أن وهم مانحمله هو الحق المطلق ما اقترب منه أو دندن حوله قبلناه وما ابتعد عنه اعتبرناه غزوا يقتحم منظومة درجنا عليها وألفناها فصارت عندنا معيار كل قول! من هنا يبدأ قمعنا لكل فكرة جديدة قبل حتى أن نتدارسها وسرعان ما يتشكل لوبي يقوم بمهاجمتها وتسفيهها وتسفيه صاحبها وتبدأ من ثم حملات التكفير والتفسيق وما شابه ذلك.. وهذا الواقع المؤلم جعل محمد إقبال يقول بأن معظم أفكار هذا الدين ظلت أجنّة لم تنضج! وذهب مالك بن نبي إلى هذا أيضا.

ولذلك فقد جعلت  المفكرة الأديبة ابتهال من قلمها دعوة إلى التعامل مع التنوع على اعتباره عنصر قوة للمجتمعات، و مع الاختلاف على أنه سنة كونية وقانون إلهي لايكمن الخطأ فيه إنما الخطأ فينا إذ لم نتعلم آليات التعامل معه، وتركز على احترام حرية الاختيار فهو حق ممنوح لكل البشر ولا يحق لأحد أن يعترض على هذا، وعلى خلاف السائد في التربية العربية فإن هذه المبدعة الإنسانة لا تخيفها أجواء الحرية الفكرية، بل على العكس من ذلك يقلقها جعل وصاية على العقول وهذه جريمة تمارسها الفرق والجماعات إذ تقوم بتحديد مايسمح بقراءته لأعضائها وما لا يسمح، فيتقولب العقل ويضمر ويعجز عن التفكير خارج الصندوق.

تفسر الأستاذة ابتهال موجة الإلحاد الكبيرة وعزوف الشباب عن الدين بسبب تقديم هذا الدين في أوعية قديمة غير مدروسة لا تحقق طموح شباب نشأ في عالم مفتوح وفي وسط من التطور الهائل علميا ومعرفيا.

لكن الأستاذة ابتهال لا تتوقف عند التصحيح الثقافي والفكري فحسب بل تتعدى ذلك إلى الشيء الأصيل والذي تفرعت بسببه العلل وتعددت الصور وهو الشأن السياسي .

تصر الأستاذة ابتهال على قراءة السياسة من خلال السير البشري عبر التاريخ وتخلص السيدة قدور إلى أن التجربة البشرية وصلت إلى أن الديمقراطية هي خير أسلوب لضمان خيارات الشعب، وأن النظام العلماني في جانبه «السياسي» الذي يجعل الدولة على مسافة واحدة من كل الأديان والأطياف والأعراق هو الأقرب إلى تحقيق حرية الآخر، وأن الحقوق هي حقوق مواطنة فكل من كان على أرض الوطن له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات، في ظل دولة هذه مواصفاتها سيتحرك الجميع بمشاريعهم في إطار القانون وسيبرز أصحاب المشاريع الأنجح وسنكون فتحنا الساحة للقانون الإلهي العظيم: «فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض»، وفي ختام مقالي هذا لابد. أن أذكر ما لاحظته أنا في هذه الكاتبة المتألقة خلال تعاملي معها لقد وجدتها في تغير مستمر وتطور ملحوظ بسبب نزعتها التداولية والتساؤلية للأفكار حيث كما تقول : نجحت في أن أطور من عقلي فحين أعود لبعض مقالاتي القديمة وأقارنها بمقالات حديثة أطمئن إلى أنني على المسار السليم إذ لم يبق تفكيري يراوح في نفس المستوى، بل تقدم وتطور، يقرأ البعض في هذا تحولا غير مطمئن إلا إنه عندي أمر صحي. الأمر الأخير حكمة هذه السيدة في التعامل مع الأخطاء لقد استشرتها في أخطاء مرت بي فإذا بها تعالج الأمور بطريقة متسامحة وعقلية منفتحة وروح صافية وهو ما افتقدته أنا شخصيا في علاقاتي مع الكثيرين الذين وجدتهم عندما يبدر خطأ منك يمسحون وجودك الماضي ويقتلون أي قادم لك، في هذه السيدة ابتهال للحق وقدرة على المنافسة الشريفة ليس بجمال مصنوع بل بفكر يقارع ولا يستسلم فكر يجمع بين الأصالة والمواجهة والتحدي ولو سألتني ما تعريف الأنوثة الحكيمة لقلت هي: السيدة ابتهال قدور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد