لطالما أدهشنا الرئيس أبو مازن بتصريحاته وقراراته المفاجئة، ولن يكون آخرها ما صدر عنه بالأمس بعيد اجتماع المجلس المركزي وقراره حل المجلس التشريعي، تقنيًّا ما جرى كان بمثابة الرجوع للحقب الأولى قبل نشوء السلطة الفلسطينية، واعتماد منظمة التحرير المصب الأخير لكل الصلاحيات التي يملكها المجلس التشريعي، ذلك يعني بالمحصلة أن حركة فتح ورئيسها محمود عباس عادت لتمسك بنصاب الأمر والنهي تمامًا مع سحب أحد أوراق القوة من يد حركة حماس، حيثيات الموضوع لا تقف عند البعد الدستوري والقانوني، بل تتجاوز ذلك لتتداخل مع الواقع السياسي كذلك من ثلاثة محددات.

أولًا: مصدر القرار

على مستوى القيادة السياسية أثبت التاريخ أن هناك أيدي تلعب بالقرار الفلسطيني بمهارة، المصالحة الفلسطينية خير نموذج لذلك، وقرار حل المجلس التشريعي هو نموذج آخر، لا يمكن لهذا القرار أن يكون نتاج فكر فتحاوي خالص، لو كان كذلك لطبق منذ 2007- 2008، القرار مدروس بعناية، وفي وقته المناسب لكبح جماح عمليات المقاومة، وإحكام الخناق على الضفة وإطلاق يد السلطة أكثر وأكثر على حريات الفلسطينيين وآرائهم، ولفت أنظارهم منذ الآن وحتى الأشهر الست القادمة للانتخابات، بعيدًا عما يجري على الأرض، طبعًا علينا أن نتذكر أن تفاقم الوضع على الأرض سيمثل مخرجًا مناسبًا جدًّا لتأجيل الانتخابات ريثما تستقر الأمور، وفي كلا الحالتين ستكون فتح هي من ينتصر.

ثانيًا: هدف القرار

كما أسلفنا القرار محاولة لإعادة السلطة كاملة لحضن منظمة التحرير، أي فتح بالتحديد، ولإنهاء أي مجال لمنازعة الأحزاب والفصائل الأخرى على الصلاحيات وحتى المطالبة بالحريات، هو أيضًا يستهدف إضعاف الزخم الاجتماعي والرأي العام المتفاعل مع تطورات الأحداث المقاومة في الآونة الأخيرة، وتحويله نحو قصة الانتخابات وسيناريوهاتها، كذلك يساهم القرار في بعثرة أوراق حركة حماس وجهودها لإحياء المقاومة في الضفة، واستنزافها في مهاترات السياسة بديلًا عن تنفيسها في العمل المقاوم، بالمحصلة الإجراء بأكمله ضد حماس، على مستوى العمل المقاوم والسياسة والحريات، ويهدف أولًا وأخيرًا لسحب كل أوراقها من الضفة الغربية، وليس مستبعدًا البتة عدم إجراء انتخابات في غزة والاكتفاء بالضفة فقط، كما جرى في الانتخابات الأخيرة.

ثالثًا: المتوقع

الفصائل الفلسطينية ستتلكأ، ومن ثم ترفض، أما حماس فسترفض القرار، لكن لا قيمة للرفض أو القبول لأنها فعليًّا لم تعد تملك المقومات التي أهلتها للفوز بانتخابات 2006، ثم إن الوضع الفلسطيني لم يعد يعتمد على منطق «القانوني والتشريعي» وإنما مبدأ الأمر الواقع والسلطوية المطلق، والمجلس التشريعي الذي منح حماس حكومةً وسلطة في الضفة معطل منذ سنوات، ونوابها في المجلس معتقلون ومحاصرون، ومجالها الوحيد لمحاولة كسب المشهد السياسي والرأي العام ومحاولة كشف أهداف وأبعاد القرار هو عبر وسائل إعلامها وقادة الرأي لديها، الإعلام الفردي المتمثل بأفرادها (الذين تتنازعهم سجون السلطة والاحتلال) أما الإعلام التلفزيوني الذي يصارع الإغلاق والتضييق، وفي ظل حالة الاستقطاب الإعلامي وانعدام حرية الوصول للحقيقة، فإن المجتمع سيدخل في دوامة الرأي والرأي الآخر. لذا فإن أي خطوة قد تقوم بها حماس من بيانات وتصريحات حملات إعلامية لن تكون لها أي قيمة حقيقة على الأرض، إنما هي استنزاف للجهود، وقد يكون من الأفضل تجاهل القرار وعدم إفراد مساحات كبيرة له إعلاميًّا؛ لأن الحديث المتكرر عن عدم قانونيته وشرعيته لا يسمن ولا يغني من جوع.

رابعًا: المأمول

الحل الوحيد حاليًا هو التركيز على المقاومة، هي الشرارة الوحيدة القادرة على تغيير التركيب السياسي فلسطينيًّا، تمامًا كما فعلت الانتفاضة الأولى «التي أتت بالسلطة الفلسطينية»، والانتفاضة الثانية «التي أتت بالانتخابات التشريعية»، رغم ذلك ربما حان الوقت لتدرك حركة حماس أن كرسي السلطة هو سجن بالنسبة للمقاوم، وأن التزامات السياسي تتنافى مع تطلعات المقاوم، وأن الحكم ليس طريقًا نحو التحرر، وتجربتها الأخيرة في الحكم خير برهان على ذلك، أما الرهان على تغير موقف السلطة والفصائل لصالح حركة حماس فهو رهان خاسر، وحتى السعي لحشد الشارع الفلسطيني في الضفة ضد القرار هو سعي جائر، الأولى حشد الشارع لقضايا الأسرى والأسيرات والشهداء واعتداءات المستوطنين، ومحاولة تخفيف قبضة الأجهزة الأمنية على حرية الأفراد وآرائهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد