يختلف مفهوم الإرهاب وفهمه، حسب كل دولة وكل جماعة، اختلافا يكاد يكون مصلحيا، أي: حسب مصلحة كل دولة وأي جماعة أو جهة، وكثيرا ما نجد دولتين متحالفتين، أو صديقتين، ذواتي أيديولوجية واحدة, تختلفان أشد الاختلاف في أمر جماعة ما، إحداها تصفها بجماعة إرهابية، والأخرى تراها جماعة معتدلة، وقد نجد دولة ما تعتبر تلك الجماعة إرهابية داخل دولة أخرى، ولا تعتبرها إرهابية داخل دولتها, بل تتعامل معها كشريك، أو مكون سياسي، وكمثال: جماعة الإخوان المسلمين، في السعودية أو مصر لا ينظر إليها كما تنظر إليها المملكة المتحدة.

وقد يختلف مفهوم الإرهاب باختلاف المشاريع الدولية، فإذا كانت جماعة معينة تعيق أو تختلف أو تتعارض مع الجماعة التي تحقق لتلك الدولة مشاريعها  السياسية أو الاقتصادية، فإن تلك الدولة ستعتبر تلك الجماعة الأولى جماعة إرهابية؛ بقصد إزاحتها وإبعادها عن المشهد, وإن لم تتصف تلك الجماعة بأية صفة تصبغها بالإرهاب. كما يحدث للسنة في العراق وما حدث لجماعة الإخوان المسلمين في مصر.

يستشهد يحيى عبد المبدي على تاريخ مصطلح الإرهاب في دراسة له في موقع إلاسلام ويب بتاريخ 21/04/2002 فيقول : يرجع استخدام مصطلح Terrorism في الثقافة الغربية تاريخيًا للدلالة على نوع الحكم الذي لجأت إليه الثورة الفرنسية إبان الجمهورية الجاكوبية في عامي [1793 – 1794] ضد تحالف الملكيين والبرجوازيين المناهضين للثورة. وقد نتج عن إرهاب هذه المرحلة التي يطلق عليها Reign of Terror اعتقال ما يزيد على 300 ألف مشتبه، وإعدام حوالي 17 ألف فرنسي، بالإضافة إلى موت الآلاف في السجون بلا محاكمة. 

وقد تبنت بعض الدول الإرهاب كجزء من الخطة السياسية للدولة، مثل دولة هتلر النازية في ألمانيا، وحكم ستالين فى الاتحاد السوفيتي آنذاك، حيث تمت ممارسة إرهاب الدولة تحت غطاء أيديولوجي لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية وثقافية.

وهذا ما نراه اليوم من سياسات الولايات المتحدة الأمريكية, والدول الأوروبية, خاصة في الشرق الأوسط.

ويؤكد جوناثان وايت (1991) فى مدخله عن الإرهاب على أن تعربف الإرهاب لابد أن يكون من خلال أنماط مختلفة للتعريف. ذكر منها خمسة أنماط، كنمط رعاية الدولة للإرهاب، ويعني الإرهاب عن طريق جماعات تستخدمها دول للهجوم على دول أخرى, وهذا ما نراه في العراق ممثلًا في جماعة الشيعة , ونراه في اليمن ممثلًا في جماعة الحوثي, ونراه في سوريا ممثلًا في المرتزقة الإيرانيين والأفغانيين وغيرهم.

ما ساقني إلى الحديث عن الإرهاب هو رد فعل الدول الإسلامية والعربية من تفجيرات بروكسل العاصمة البلجيكية يوم الثلاثاء 22مارس 2016 والذي خلّف 34 قتيلًا و 136 جريحًا, وما أعقبه من تنديد كل دول أوروبا, واجتماع للبرلمان الأوروبي, وورود رسائل وبرقيات من مختلف رؤساء العالم للملك البلجيكي, وشعرت حينها، وكأن هذا هو أول عمل تفجيري, وبلجيكا أول دولة ذاقت هذه المرارة. وهي صاحبة الست طائرات أف 16 التي كانت تقصف في المدنيين العراقيين بحجة الحرب على الإرهاب.

حين أرى التفجيرات الشبه يومية في العراق, من طرف الحشد الشعبي, ومن الألوية الإيرانية أمثال : لواء الفاطميين, ولواء الرضا, ولواء أسد الله الغالب، على مساجد السنة وأحيائهم, والتعذيب الوحشي غير الإنساني, في السجون الشيعية , وأساليب القتل الانتقامية.

ونفس الصورة أجدها في سوريا مع زيادة الاحتلال الروسي بالتعاون مع الطاغية بشار الأسد الذي يزعم أنه مقاوم لإسرائيل وممانع.

كل هذا ولا تجد رئيسًا أوروبيا أو أمريكيا، ولا حتى عربيًا يندد بالإرهاب الإيراني والشيعي المسلط على إخواننا في الشرق الأوسط , إلاّ ما ندر, ويكون بدافع المصلحة, وهذا ما أراه في حرب السعودية على الحوثيين الممولين من إيران, بدافع قوي، وهو حفظ حدودها الجنوبية.

في حين تجد الرؤساء العرب يهرعون مسرعين للتنديد إذا وقع الإرهاب في دولة أوروبية، مثل ما حدث في حادثة شارلي إيبدو في باريس بتاريخ  07/01/2015 .

باختصار:  إذا كان العنف من الجنوب إلى الشمال يسمى إرهابًا, وإذا كان العنف من الشمال إلى الجنوب يسمى تحريرًا من الإرهاب.

وأختم بقصيدة لأحمد مطر بعنوان تصدير واستيراد:

حَلَـبَ البقّـالُ ضـرعَ البقَـرةْ
ملأ السَطْـلَ .. وأعطاهـا الثّمـنْ
قبّلـتْ ما في يديهـا شاكِـرهْ .
لم تكُـنْ قـدْ أكلَتْ منـذُ زَمـنْ
قصَـدَتْ دُكّانَـهُ
مـدّتْ يديهـا بالذي كانَ لديهـا
واشترَتْ كوبَ لَبـنْ

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإرهاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد