انتشرت الفترة الأخيرة موضة نشر التفاؤل والتنمية البشرية ومن أهم أمثلتها صور الفقراء المبتسمين وأطفال الشوارع الفرحين، ويعلق هؤلاء المتفائلون على تلك الصور بأن الحياة رائعة والسعادة موجودة والمال ليس شرطـًا لكي تفرح، هذه الصور صارت تحصل على مئات المشاركات بمواقع التواصل الاجتماعي بل أصبح المعجبون بها يتهمون أصدقاءهم المكتئبين – بسبب هذا الواقع المرير – بالضعف والاستسلام بل أحيانا بالتدليل، كيف تكتئب أيها الأحمق وأطفال الشوارع البؤساء هؤلاء يضحكون؟

الحقيقة أنه لا يوجد شيء يثير جنوني أكثر من هذه الصور التافهة التي تتظاهر بعمق المعنى، من أخبرك أن هذا الرجل الفقير ذا الملابس المهترئة أو أطفال الشوارع الحفاة سعداء جدًا وراضون عن حياتهم لمجرد كونهم ابتسموا في صورة؟ هل الثواني التي استغرقتها هذه الصورة في الالتقاط هي المعيار الحقيقي لما يحدث في حياتهم؟ هل هذه الصورة أخبرتك بظروفهم الحقيقية؟ كيف يعيشون؟ كم لقمة يتناولونها يوميًا؟ ماذا يلبسون؟ أين ينامون؟

 

 

 
في مصر عمومًا يواجه المصورون مشكلة عظيمة في القيام بعملهم فما أن يبدؤوا بالتصوير حتى يتجمع كل الناس حولهم ويضيع كادر الصورة، فما بالك بهؤلاء الأطفال إذا وجدوا من يصورهم هم بالذات؟ الطبيعي أنهم سيضحكون ويلوحون للكاميرا في سعادة حتي ينصرف المصور فتعود حياتهم كما كانت، لم أر أن الصورة أعطتهم وجبة يتناولونها أو مكانـًا آدميًا ينامون فيه أو حتى ملابس جديدة بدلًا من تلك الملابس المتسخة، هي فقط أعطت المصور الشهرة التي يريدها وأعطت لهؤلاء المتفائلين هذا الاستنتاج الأبله أن الحياة جميلة والفقراء في أفضل حال، فلنرقص إذن في انتشاء .

لم تتوقف هذه الموضة السخيفة على الصور فقط بل إن المذيعة التلفزيونية الشهيرة بحلقات الجن والشذوذ ونضالها ضد الإرهاب بالتسكع في أتوبيسات مكشوفة في شوارع العاصمة ملوحة بالأعلام، قامت بعمل حلقة كاملة عن طفل يدعى “حمدي” يبلغ من العمر عشر سنوات ويعمل صبي ميكانيكي حيث اشتهرت له صورة من النوعية السالف ذكرها وهو مبتسم تحت السيارة التي يقوم بتصليحها، وبالطبع حازت الصورة على آلاف المعجبين وانطلقوا يغردون حول روعة الحياة التي تجعل طفلاً مثل هذا يضحك، بل إن هذه الإعلامية أسمت الحلقة “تحيا مصر ويحيا حمدي”.

 

 
منذ متى وأصبحت مصر تفتخر بعمالة الأطفال والتسرب من التعليم؟ طفل يبلغ من العمر 10 سنوات ترك المدرسة لأن أهله يضربونه واتجه للقيام بمثل هذه المهنة الصعبة بدلاً من أن يعيش طفولة طبيعية مثل من هم في عمره تضيع طفولته مقابل 40 جنيه في الأسبوع كله على حد قوله، بدلاً من أن نبحث عن طريقة لإعالته وإعادته إلى مدرسته نصوره وهو يرتدي ثياب العمل المليئة بالشحم باعتباره المثال الذي يحتذى به، بل إن هذه الإعلامية – التي بالمناسبة تتقاضى آلاف الجنيهات عن الحلقة الواحدة – ظهرت في الحلقة مرتدية ثيابًا متسخة مثله أملاً في أن يمصمص الجمهور شفتيه إعجابًا بتواضعها الشديد وأخلاقها العالية غير مبالية بما سيلاقيه الطفل في المستقبل إذا ما استمر في هذه المهنة الصعبة، والجميع يعلم ما يلاقيه كل الأطفال مثله من ضرب وإهانة تصل إلى حد التعذيب من أصحاب العمل.

 

 
في عام 1972 التقط مصور صحفي أمريكي يدعى “نيك أوت” صورة لطفلة فيتنامية عارية تمامًا وهي تجرى منطلقة باتجاه الكاميرا و تصرخ من آلام احتراق جسدها من الخلف بفعل قنابل النابالم المحرمة دوليًا، الطفلة كانت تصرخ قائلة “ساخن جدًا ساخن جدًا” فهرع إليها المصور واصطحبها إلى المستشفى، وتوقع الأطباء أنها لن تعيش طويلاً بسبب الحروق العنيفة، ولكن بعد 14 شهرًا و17 عملية جراحية عادت الطفلة إلى المنزل واعتاد المصور زيارتها طوال ثلاثة أعوام حتى تم ترحيله، يذكر أن المصور فاز بعدة جوائز عن هذه الصورة البشعة حتى إن معظم المؤرخين يرجحون أن الصورة كانت سببًا في إنهاء الحرب الأمريكية ضد فيتنام.

 

 

 
لا أعلم لماذا تذكرت هذه القصة عند مشاهدتي للحلقة، فبرغم أن المقارنة بين صورة الطفلة “كيم فوك” والطفل “حمدي” غير عادلة إلا أني لم أمنع نفسي من تخيل إذا ما كانت هذه الإعلامية مكان “نيك أوت” في وقت التقاط الصورة، أظن أنها كانت ستذهب للفتاة ببرودها المعتاد قائلة لها بنفس اللهجة الترامادولية التي تجعلها تنطق الجملة في ربع قرن: “مش ندمانة إنك خارجة في الشارع عريانة كده؟” لم لا وهي من صورت إخواننا السوريين على أنهم همج يختطفون المواد الغذائية في المخيمات بينما هي “الأم تيريزا” الحزينة لأن المساعدات التي معها لم تكفِ كل هؤلاء المشردين، ثم بدأت في فقرة النصح والمواعظ التي تشتهر بها ناصحة الشعوب بألا تخرج على حكامها مرة أخرى كي لا يصلوا لمثل هذه الحالة متناسية أن أصغر طفل سوري ضحى بمنزله وعائلته وارتضى أن يكون لاجئًا في بلد آخر برقبة واحدة مثلها تدعو الشعوب أن يظلوا عبيدًا وألا يناضلوا ضد الظلم.

 

 

في النهاية، لا يسعني إلا أن أتذكر شباب “مؤسسة بلادي” الذين أدركوا حجم المشكلة الحقيقي بعيدًا عن المتاجرة بابتسامة الأطفال في الصور وبدأوا في جمع الأطفال من الشوارع وتعليمهم القراءة والكتابة والاهتمام بهم صحيًا ونفسيًا فكانت مكافأتهم هي غلق جمعيتهم والزج بهم في السجون.

 

 
لا أعلم لماذا لم يوفروا على أنفسهم كل هذا العناء، لو ذهبوا إلى أية “خرابة” وطلبوا من الأطفال الساكنين فيها أن يضحكوا للكاميرا مقابل زوج من الجنيهات لكانوا من مشاهير السوشيال ميديا الآن، فالوطن الذي ينتظر الفقير حتى يضحك بالصدفة أمام العدسات كي يتغنى بهذا الإنجاز الرهيب بمنطق “اضحك من قلبك أيها المتشائم فكل شيء على ما يرام” لا يحتاج لهؤلاء الشباب، ولكننا نعد هؤلاء المتفائلين أننا سنضحك ونرقص ونغني أيضًا إذا جاء اليوم الذي نجد فيه “حمدي” وأمثاله يضحكون وهم في مدارسهم وبيوتهم لا وهم تحت الكباري ومخازن القمامة وتحت عجلات السيارات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد