علينا أن نعترف بأنّ الشباب العربي اليوم يعيش حالةً مُستعصية من اليأس والتيه بعد أن عاش أيامًا ثوريةً حالمة إبّان ربيعٍ نسفَ بمجموعة من الأنظمة التي عاثت في الأرض فسادًا. ربيع وصل بأحلام الشباب درجة إنشاء أحزاب سياسية شبابية عديدة، وتمثيلهم في بعض البرلمانات العربية، وتزعّم لغة المظاهرات في الساحات وتميزها بطبيعة متمرّدة لا تقبل أنصاف الحلول .. كان حراكًا حطّم كل الصور النمطية السابقة، حتّى دنت تلك الساعة القاسية التي حطّمت أفئدة الشباب من خلال مشاهد تراجيدية متسارعة وانقلابات دموية انقضّت على كل تلك الاستحقاقات التي دفع الشباب من أجلها الدم والمستقبل.

منذ تلك اللحظة امتدّت في المنطقة روحٌ جديدة مُثقلةٌ بخيبات الأمل واليأس، تفشّى بين كثير من أبناء الثورة ومخلصيها الشعور بالهزيمة واللجوء للعزلة والابتعاد عن الواجهة، يحصل كلّ ذلك بينما تزداد نسب البطالة، تستمرّ الاعتقالات التعسفية، تتراجع مستويات المعيشة، يضيق الأفق شيئًا فشيئًا ويُهاجر الشباب تاركًا ورائه أمًّا باكية أو أبًا ضعيفًا لم يتمكّن من زجر فلذة كبده عن الرحيل، أو أطفالًا تبرق عيونهم أملًا وتطلعًا، أو حُبًّا عاش عمرًا يعدها بعالم أفضل ثم غدا هذا العالم بدونه أو بدونها. أصبح العالم موحشًا، رماديًّا وبلا ألوان في نظر كثير من شباب الأمة.

وهنا – في هذه اللقطة بالذات – أوّد أن أعود بكم للوراء قليلًا لأستقرئ معكم تاريخًا مختلفًا لمنطقتنا المثخنة بالجراح اليوم، وإنّي أدرك أنّ كثيرًا من الناس ما عادت تستهويه تلك القراءة إذ لا يشعر أنّها تُمثّل فارقًا في رؤيته للمستقبل، والبعض يرى فيه قراءة تسطيحية للواقع المعقّد الذي نعيشه، والحقيقة التي يتجاهلها بعض مُثقّفي الأمة أنّ هذا التعقيد المركّب الذي نعيشه لا يُمكن أن تتم قراءته بلا تبسيط وتسطيح وتمييز للسطور المتراكمة وإعادة قراءة الأزمة بشكل جديد. الأمة اليوم بحاجة ماسّة لاستجلاب التاريخ بصورة مُبسّطة لإنقاذ ما تبقّى من أمل في نفوس الشباب النقي الذي سيكون – بلا شك – باعثًا رئيسيًّا لمستقبل مُشرق وإن طالت بنا المأساة. نحن لسنا بحاجة لمزيد تعقيد، ولا كثير تحليل، الشباب اليوم لا يرغبون باستعراض العضلات الأكاديمية وقدرات البحث العلمي مع اعترافنا لحاجة الأمة لذلك، لكنّهم يتشوقون ويتطلعون إلى خطاب يحمل لهم الأمل.

إنّه ذات الأمل الذي يُخبرهم بأنّ الغيث لا يُطلب إلا إذا الأفق غام، ويدعونا للنظر في الخطوب التي مرّت على الأمة سابقًا وكيف أنّها زادتها ثباتًا واستمرارًا، وأنّها إذا ضعفت في جانب أو انهزمت في ناحية فلا بد أنّها ستقوى في جانب آخر وستنتصر في ناحية أخرى، وتلك شواهد التاريخ تروي ذلك:

تعجرف الأوروبيون من خلال إطلاق حملاتهم الصليبية أواخر القرن الحادي عشر تحت راية البابوية فظهر من بين ركام اليأس رجلٌ أعاد للأمة مجدها وتصدّى لمشروع الاستعمار آنذاك، فكان نور الدين زنكي. وقبل ذلك عندما آلت الدولة العباسية لعصر الفتن والحروب الداخلية وضعفت الأمة ضعفًا شديدًا وسيطرت عليها الفرق والأقليات وظنّ الناس أنّ الأمة قد هلكت ظهر السلاجقة الذين حققوا استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا منقطع النظير. وكذلك ظهرت دولة غزنويان في بلاد ما وراء النهر وشمال الهند وخراسان فنشروا العلم والجهاد، ولمّا استعصت القسطنطينية على بني أمية بعد محاولات عديدة خضعت أخيرًا للدولة العثمانية وبذلك تحققت البشارة النبوية. وبعد أن سقطت الأندلس وأخرج منها المسلمون وخفت صوت الحضارة فيها وجدناه يتردّد في وسط إفريقيا وعلى سواحل سومطرة وشبه جزيرة الملايو. لا يأس وتلك العزيمة المُشرقة لا تغيب أبدًا في ذهن الأمة ووعيها وهي التي لا تجتمع على ضلالة أبدًا. لذلك علينا ألا نيأس أبدًا.

ولعلّ وقوف الشباب اليوم شوكة في حلق مشاريع الفساد وإعادة أنظمة البغي في فلسطين و سوريا واليمن ومصر وليبيا أكبر مثال على أنّ هذه الأمة تحمل ميراث الحرية الذي هو ميراث النبوة وعلى أنّ هذا الغرس قد انعتق من الظلم حتمًا، وهم اليوم يحملون لافتات البشارة في كل مظاهرة طيّارة في حارات مصر وأزقتها، تحملها أيضًا ابتسامات الفتيات المُتّشحات بالبياض وراء الأقفاص، الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم فصاروا رجالًا في مخيمات اللجوء والشباب المُخلص المُضحّي على جبهات المقاومة في سورية، ثبات الأمّهات اللاتي جعلن من البيوت مشافي ميدانية وصروحًا للرباط في اليمن وليبيا، الشباب الذين يسهرون في عتمة الليل لإطلاق مشروع شبابي ينهض بهم وبأصدقائهم في المهجر، الفتيات اللاتي يتحدين الواقع الحنظل نصرة للمبدأ ويتحمّلن في سبيل ذلك التنكيل والقتل في القدس. لذلك علينا ألا نيأس أبدًا.

من أجل ذلك كان لزامًا علينا ألا نيأس، ونستبشر بجيل يحمل على عاتقه إعادة تشكيل التاريخ وإن بدت هذه المحاولات ضئيلة للوهلة الأولى وبسيطة لا يُميّزها أي تعقيد، لكنّها في خضم هذا الواقع المتشابك والغامض هي مفتاح الحلول وأمّ المشاريع، والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, يأس
عرض التعليقات
تحميل المزيد