مرض أم نقص إيمان؟

محمد كان غارقًا في اكتئاب حادٍّ، وبعد أشهر قرَّر أن يضع حدًّا لمعاناته بالانتحار أو القتل الرحيم حسب تعبير البعض. امتنع أهل البلدة عن الصلاة على جثمانه، وتعالت أصوات هنا وهناك تقول: «مات كافرًا، لماذا لم يقرأ القرآن والأذكار كل يوم ليتغلب على الاكتئاب، مصيره جهنم وبئس المصير»، هل كان أهل البلدة ليقولوا الشيء نفسه لمصاب بسكتة دماغية أو أزمة قلبية أو ربما ورم دماغي؟ يبدو إذن سؤالًا مشروعًا جدًّا أن نقول: هل الاكتئاب مرض أم نقص إيمان؟

يعرف موقع المعاهد الوطنية للصحة التابع لوزارة الصحة الأمريكية الاكتئاب «depression» بأنه اختلال شائع – لكنه خطير – في الصحة العامة، أكثر جدية من مجرد شعور بالحزن والكآبة يدوم لبضعة أيام.

إذ يؤثر في شعورك وتفكيرك وسلوكك، وقد يقودك إلى عدة مشكلات عاطفية وجسمية، فتواجه صعوبات في أداء واجباتك اليومية، كما قد تشعر أن الحياة لا تستحق أن تعاش.

الاكتئاب ليس ضعفًا، ولا يمكنك أن تغض عنه الطرف بسهولة، قد يتطلب منك فترة علاج طويلة لكن لا داعي للإحباط، فتقريبا 80% من المصابين بالاكتئاب تحسنوا واسترجعوا شغفهم بالحياة بعد العلاج الطبي أو النفسي أو كليهما.

الأعراض:

على الرغم من أن الاكتئاب يحدث عادة مرة في العمر، إلا أن الناس نموذجيًّا يتعرضون لنوبات عدة في حياتهم، خلال هذه النوبات تحدث الأعراض خلال أغلب اليوم، تقريبًا كل يوم، وتتميَّز بما يلي:

شعور بالحزن، الخوف، الخواء وفقدان الأمل.

نوبات غضب، هيجان وإحباط حتى حول تفاصيل صغيرة.

فقدان الشغف أو المتعة في أغلب أو كل النشاطات العادية، كالجنس والمواهب والرياضة.

اضطرابات النوم سواء بالأرق أو النوم الزائد.

تعب وفقدان الطاقة، إذ إن النشاطات الصغيرة تتطلب مجهودات إضافية.

فقدان الشهية ونحافة، أو زيادة الشهية ووزن زائد.

قلق، اضطراب وتململ.

تباطؤ في التفكير والتحدث وحركة الجسد.

شعور بعدم أهمية الوجود والذنب، مع التركيز على فشل في الماضي ولوم النفس المستمر.

مشكلات في التركيز، واتخاذ القرارات، وتذكر الأشياء.

تفكير متكرر في الموت، مع أفكار انتحارية ومحاولات فعلية.

مشكلات جسمية لا تفسير لها، كآلام الظهر والصداع.

الاكتئاب دخيل على الحياة الطبيعية للإنسان، ولا يجب الاستخفاف بشأنه أبدًا، للأسف لا يجري تشخصيه ولا علاجه في أغلب الحالات، خصوصًا لدى الأشخاص البالغين الذين يترددون أو يمتعضون لطلب المساعدة، وربما لا يدركون حتى أنهم مصابون بمرض، وأن هذا المرض قابل للعلاج؛ مما يؤدي إلى عواقب وخيمة وأضرار نفسية قد لا يتخلصون منها للأبد.

الأسباب:

الفيسيولوجيا المرضية لم تحسم شأنها نهائيًّا بخصوص الأسباب الأساسية للاكتئاب، لكن الحقائق المعتمدة حاليًا تشير إلى ارتباط مؤكد بين كيمياء المخ وتوفر المبلغات العصبية، ومدى حساسية مستقبلات هذه المبلغات، وبين الحالة السريرية للاكتئاب.

التجارب الإكلينيكية وقبل الإكلينيكية تشير إلى اضطراب في نشاط السيروتونين في الجهاز العصبي المركزي كعامل أساسي، كما تتدخل مبلغات أخرى كالنوربيريفرين، الدوبامين، الغلوتامات وعوامل التغذية العصبية المستمدة من الدماغ. لكن في المقابل فإن الأدوية التي ترفع ببساطة من تركيز هذه المبلغات في الدماغ لا تظهر الفعالية نفسها التي تظهرها مضادات الاكتئاب في العلاج.

عوامل الخطر:

يحدث الاكتئاب عادة في سنوات المراهقة، أو من سن العشرين إلى الثلاثين، لكنه ممكن الحدوث في أي مرحلة عمرية. وجرى تشخيصه لدى النساء أكثر من الرجال.

العوامل التي تزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب هي:

بعض الصفات الداخلة في تكوين شخصية الفرد، كانعدام الثقة في النفس، أو الاعتماد التام على الآخرين، الانتقاد الذاتي والتشاؤم، الأحداث الصادمة والمتعبة كالتحرش الجنسي، الموت أو فقدان شخص عزيز، علاقة سامّة، ثنائي القطب، إدمان الكحول، المثلية الجنسية أو التحول الجنسي، حالات الغموض الجنسي البيولوجي، الأمراض المزمنة، أمراض القلب، وأخذ بعض الأدوية.

وجود أشخاص يعانون من الاكتئاب في العائلة يزيد من احتمالية الإصابة به، والأبحاث حاليًا جارية للتأكد من إمكانية وجود جين أو مورثة مسؤولة عن مرض الاكتئاب.

العلاج:

الاكتئاب، وحتى الحالات المستعصية منه، يمكن علاجها. وكلما كان الدواء مبكرًا كان أكثر فعالية. إذا لم تجد الأدوية والعلاج النفسي نفعًا يمكن اللجوء إلى العلاج بالصدمات الكهربائية elctroconvulsive therapy ECT أو عمليات تنشيط الدماغ كحلول محتملة.

لا يوجد شخصان مصابان بحالة متطابقة من الاكتئاب؛ لذا فالعلاج يختلف من شخص لآخر، وقد تجري عدة تجارب وأخطاء قبل الوصول للدواء الملائم تمامًا للحالة المشخصة.

هنالك تحذير يجب أخذه في الاعتبار، وهو احتمالية زيادة الأفكار الانتحارية خلال الأسابيع الأولى للعلاج؛ لذا يجب إبقاء المريض المعالج تحت الرقابة الكاملة حتى يتعود على الدواء.

نصائح عامة:

حاول أن تكون حركيًّا، وتتدرب على أي شيء.

حدد أهدافًا واقعية وقريبة وسهلة التحقيق؛ لكي تستعيد ثقتك بقدراتك بعد تحقيقها.

حاول قضاء وقت أكثر مع الآخرين، وتكلم مع شخص تثق فيه.

لا تعزل نفسك، ودع الآخرين يساعدوك.

أجِّل القرارات المصيرية في حياتك كالزواج والطلاق ومشكلات العمل، حتى تشعر بتحسن، ثم ناقش القرار مع شخص يعرفك جيدًا ويملك نظرة موضوعية على وضعك.

واصل تثقيف نفسك حول الاكتئاب.

أعراض مشابهة:

الاضطرابات الاكتئابية المستمرة «dysthymia»: وهي حالة من الكآبة تدوم على الأقل لمدة سنتين، مع وجود نوبات اكتئاب حادة تتخلّل فترات هدوء نسبي بأعراض أخفّ، يجب أن تدوم هذه الحالة لمدة سنتين على الأقل لكي يتم تشخصيها على أنها اضطرابات اكتئابية مستمرة.

اكتئاب ما بعد الولادة «postpartum depression»: وهو أكثر خطرًا من الـ«baby blues» أي أعراض الكآبة والقلق الخفيفة نسبيًّا التي تختفي آليًّا في أسبوعين بعد الوضع، وتمرُّ بها أغلبية النساء بعد تجربة الحمل، الشعور المتطرف بالحزن والقلق والإرهاق الذي يصاحب اكتئاب ما بعد الولادة قد يعيق الأمهات الجديدات حتى عن أداء نشاطات العناية اليومية بأنفسهن وبأطفالهن.

الاكتئاب الذهاني «psychotic depression»: يكون عند الشخص الذي يعاني من الاكتئاب مع ضرب من ضروب الاختلال العقلي، كالاعتقاد بأفكار ثابتة خاطئة ومزعجة (أوهام)، أو سماع ورؤية أشياء محبطة لا يراها الآخرون (هلوسات) غالبًا ما تكون هذه الحالة مرافقة لشعور بالذنب أو الفقر أو المرض.

الاضطرابات العاطفية الموسمية «seasonal affective disorders»: تتسم بموجة اكتئاب مرافق لأشهر الشتاء، حيث تقلُّ أشعة الشمس، مع ميل للانطواء الاجتماعي، وكثرة النوم وكسب الوزن الزائد، وتنجلي هذه الحالة عادة مع الربيع والصيف ثم تعود كل سنة.

اضطراب ثنائي القطب «bipolar disorder»: يختلف كثيرًا عن الاكتئاب لكنه أُدرج في هذه القائمة لأن الشخص المصاب به يعاني من نوبات انخفاض معنويات حادّ يتفق مع طابع الاكتئاب، ويسمى «اكتئاب ثنائي القطب»، لكن المصاب باضطراب ثنائي القطب يتعرض في المقابل لنوبات غبطة وبهجة عالية تدعى «mania».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاكتئاب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد