إذا سألت بعض الأشخاص عن ماهية الاكتئاب، فسوف تُفاجَأ بأن نسبة ليست بضئيلة من الإجابات تحمل مفاهيم خاطئة تمامًا عن هذا المرض. مجتمعنا الذي يظن أن الاكتئاب ما هو إلا حالة حزن عابرة أو ضيق صدر، متصورًا أن الشخص المكتئب لا بد وأن يظهر بذلك المظهر المتعارف عليه في وسائل الإعلام كشخص وحيد يرتدي دائمًا الأسود، على الرغم من أن الشخص الذي يعاني منه قد يكون شخصًا يضحك ويرتدي القناع السعيد دون أن يدري من حوله بمرضه.

صُدِمَ العالم منذ خمس سنوات بانتحار الممثل الكوميدي الشهير روبين ويليامز، والذي كان يشتهر بأفلامه الكوميدية وبمرحه الدائم، دون أن يدري جميع من في هذا العالم أن الاكتئاب كان ينهش عظامه ويميته حيًّا دون أن يعرف مخلوق بذلك، حتى الذين رأوا أن به شيئًا ما، ظنوا أنها مجرد حالة من الحزن بسبب هبوط نجمه، ولم يروا نداء الاستغاثة الذي كان يرسله في طيات حروفه. منذ ذلك الحين، دق ناقوس الخطر في عقول الجميع، ساعين لمعرفة ما هذا المرض وما أسبابه.

سمعت منذ عدة أعوام أحد الأطباء النفسيين الشهيرين يقول إن المرض النفسي أشد خطورة من المرض الجسدي، لم أقتنع بهذا حتى قرأت عن تجارب بعض الأشخاص الذين سبق وأن مر الاكتئاب في حياتهم، لكنه لم يمر مرور الكرام، وترك فيها بصمة لا تُنسى. لذلك سعيت في مقالي هذا لتوضيح، أو بالأحرى تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة عن هذا الكابوس.

ما الاكتئاب؟ وما أسبابه؟ ما أعراضه وكيف يمكن علاجه؟ حسنًا، دعني آخذك في رحلة سريعة بكلماتي للشرح والإجابة عن هذه الأسئلة:

ما الاكتئاب؟

الاكتئاب هو إحدى الحالات النفسية الشائعة في العالم، فحسب التقديرات الأخيرة لمنظمة الصحة العالمية، يعاني 300 مليون شخص على مستوى العالم من هذا المرض.

ما أسبابه؟

لا يوجد سبب محدد يمكن أن يفسر حدوث الاكتئاب، لكن هناك العديد من الأسباب التي قد تؤدي إليه، منها:

· اختلال كيمياء مخ المريض، وذلك لأن المخ يفرز طبيعيًّا ناقلات عصبية بمقدار محدد، فإذا اختل ذاك المقدار فهذا قد يسبب حدوث مرض الاكتئاب.

· الاختلافات البيولوجية بين الأشخاص، والتي قد تنتج من تغيرات فيزيائية في أدمغة المريض. لم تتأكد حتى الآن أهمية دور هذه التغيرات، لكن من المرجح أنها ستقود إلى نتائج مهمة للغاية.

· يمر مريض الاكتئاب ببعض المواقف الحياتية أيضًا التي قد تؤجج فيه شعور الوحدة والانفصال عن الناس عقليًّا، مثل البطالة والوحدة، مما يغذي المرض بداخله.

· هنالك علاقة متبادلة بين الاكتئاب والصحة البدنية. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تؤدي الأمراض القلبية الوعائية إلى الاكتئاب، والعكس صحيح.

ما أعراضه؟

يعاني المكتئب من أعراض متعددة، بعضها نفسي مثل: الحزن المستمر، اليأس من الحياة والتفكير في الموت والانتحار، الشعور بالقلق والتوتر، انعدام الرغبة في الأشياء التي كان يحبها وصعوبة التركيز.

بعض الأعراض أيضًا قد تكون جسدية منها: الصداع، فقدان الشهية مما يترتب عليه فقدان الوزن واضطرابات النوم.

ما أنواعه؟

بناءً على عدد الأعراض وشدتها، تصنف حالات الاكتئاب بوصفها طفيفة، أو متوسطة، أو حادة. و ينقسم الاكتئاب إلى نوعين رئيسيين وهما:

· اضطراب الاكتئاب المتكرر، وهو هذا النوع الذي يستمر لمدة أسبوعين على الأقل، ويتكرر حدوثه للشخص على فترات متباعدة. يشعر المريض بجميع أعراض الاكتئاب في هذه الحالة مع اختلاف شدتها، فمنها ما قد يُمكِّنَهُ من مواصلة أنشطته بشكل طبيعي، مع الإحساس ببعض الصعوبة في أدائها، ومنها ما قد يمنعه من التعايش مع حياته في هذه الفترة السيئة. في حال تكرر الاكتئاب عدة مرات فيصنف الشخص بأنه مصاب بحالة من الاكتئاب المزمن.

· الاضطراب الوجداني الثنائي القُطب: عبارة عن كابوس للشخص المصاب به، ففيه يأتي على المريض فترات يصبح في قمة نشاطه ويستطيع أن يشعل الأرض من فرط حركته وتحمسه. ثم يستيقظ في يوم ما شاعرًا بالخمول الشديد، الحزن وفقدان الرغبة في فعل أي شئ. إذا أردت أن تفهم ما أقصده فأنصحك بأن تشاهد حلقات مسلسل Modern Love، خاصة تلك التي أدت فيها الممثلة Anne Hathaway دور المريضة بالاضطراب ثنائي القطب، وتأثير هذا في حياتها الاجتماعية والمهنية.

هل من علاج للاكتئاب؟ وكيف يمكننا دعم المرضى؟

يحتاج هذا المرض إلى علاج نفسي، جسدي، ومعنوي. فحسب تقييم الطبيب النفسي لشدة المرض، يعطى المريض بعض الأدوية مضادة الاكتئاب، بجانب علاج الأعراض الجسدية.

يسعى مريض الاكتئاب إلى الاهتمام الشديد والرعاية، وعند هذه النقطة ينتهي دور الطب، وتبدأ رحلة العلاج المعنوية بواسطة المقربين منه. فبعد تعافيها من مرض الاكتئاب، قالت الطبيبة النفسية «ديبورا سيراني»: «عندما كنت مصابة بالاكتئاب فإن أكثر اللحظات شفاءً بالنسبة لي، عندما أجلس بصحبة أحد الاشخاص الذين أحبهم، عندما أكون أبكي أو في حالة نفسية سيئة، ليخبرني بأن كل شيء سيكون على ما يرام، أو يخبرني بأنني شخص مهم بالنسبة له، أو يقترح مساعدتي».

قدم الدعم للشخص المريض، اظهر له أنك بجانبه وأنك تفهمه، قم بإهدائه الهدايا وتحدث دائمًا عن أهميته في حياتك، وتجنب التقليل من آلامه.

واحدة من أهم وسائل الدعم هي عدم تقديم النصيحة مباشرة للمكتئب، فهذا سوف يشعره بالضعف، فتستطيع أن تُغلِّف كلماتك وتقدم له النصيحة بطريقة غير مباشرة، مثل سؤاله عما إذا كان يحتاج مساعدة وهكذا.

وفي النهاية، إذا شعرت بأي من أعراض الاكتئاب، أو تشك أن شخصًا قريبًا منك يعاني منه، فلا تتردد أبدًا في البحث عن الدعم والعلاج، فهذا المرض ليس مصدرًا للخجل، بل هو كالمرض الجسدي، قد يصيب أي فرد، والأهم دائمًا هي سلامتك النفسية والجسدية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الاكتئاب

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد