كلنا نعرف أن طريق النجاح الحقيقي مليء بالإحباطات وتجارب الفشل والألم في أغلب الأحيان، وحين يتعلق الأمر بقيامنا باختيارات تُعاكس ما تميل إليه أرواحنا، ولا تصبّ في مجرى هدفنا الأسمى في الحياة، يدبّ الفتور في عروقنا وعلاقاتنا؛ فيغدو العيش مجرد مُحاولة نلعب فيها أدوارًا هامشية ومُملّة لدرجة مؤلمة.

هذا الابتعاد أو النزوح عما تتوق أن تستكشفه الروح عادة ما يأتي بسبب تدخلات خارجية، يلعب فيها الوعي المجتمعي وما تحتويه بَوتَقة القيم، التقاليد والأعراف التي يؤمن بها ويقدّسها، كمثال على هذا؛ الإيمان بنموذج واحد وأوحد للنجاح الذي سيطر بشكل رهيب في العقود الأخيرة على تفكير جماهير عامة الناس، ويتمثّل في التحقيق الأكاديمي، التخرج، الوظيفة، الزواج، المنزل، السيارة، الأولاد… وأي شذوذ عن نظام التسلسل الخطي هذا، سيشكل صدمة عاطفية وسوسيو ثقافية في محيط العائلة والأصدقاء. حكاية ليلي سينغ ليست أقصوصة نجاح نأخذ منها النصائح والعِبر لتسلق سلّم الإنجازات فحسب، بل هي دعوة مفتوحة لكل واحد فينا للبحث عن درب العـودة إلى الذات الحقيقية.

نفض الغبار عن قضايا الصحة النفسية

الحديث بصراحة عن موضوع الاكتئاب يعد عيبًا أو شبه مَوصُوم في غالب المجتمعات، وأخص بالذكر هنا المجتمع الشرقي العربي، لأسباب كثيرة ومُتداخلة، وهذه الظاهرة لا تعني بتاتًا أنه ليس حقيقة وواقعًا، لم يعد بإمكاننا تجاهله وتحاشي مناقشته. شهدت السنوات الأخيرة خروجًا إعلاميًّا للعديد من النجوم والمشاهير يعترفون بمعاركهم الشخصية مع مشاكل الصحة النفسية، من بينهم أذكر الممثل جيم كاري، أنجلينا جولي، هيو لوري ممثل السلسلة الشهيرة «دكتور هاوس»، الأمير هاري، مُبدعة هاري بوتر الروائية جي كي رولينغ، إضافة إلى العديد من الشخصيات المعروفة في مجال الرياضة أيضًا، خلق حوارات عالمية عن مواضيع حساسة وواقعية كهذه يساهم مساهمة كبيرة جدًّا في أن يُزيل الوصمة عنها، ويكشف لعامة الناس أنها حقيقة قد تطال أي شخص، وفي زمننا هذا بالأخص، لا يهم مهما كان سنه، أو مكانته الاجتماعية، أو دوره.

أن تعيش سيناريو حياة ليس لك

ما يُمّيز الحديث عن ليلي سينغ المعروفة بـ«السوبرومان» واكتئابها، هو أنه لم يعصف بها وهي في قمة نجاحها، بل العكس تمامًا، ولمن ما زال يعتقد أن الجمال والذكاء في امرأة لا يجتمعان، هذه الكندية من أصول هندية غيرت قواعد هذه اللعبة، وركبت أمواج الاكتئاب المتكسّرة التي قادتها إلى برّ الأمان، واكتشاف ملكاتها الإبداعية التي لا حدود لها. سارت الشقيقة على خطى أختها الكُبرى على نحو أعمى، وكما ابتغى والداها، بأن تدرس علم النفس، وهو فعلاً ما قامت به، إذ حصلت على الشهادة الجامعية سنة 2010 من جامعة يورك في تورونتو كندا، غير أن رحلة الدراسة هاته لم تكن سهلة، وهذا ما تصفه في معظم حواراتها الإعلامية، لسبب بسيط ومعقد في آن واحد؛ أنها كانت تعيش سيناريو حياة ليس لها، فكانت النتيجة الصراع النفسي الداخلي، الغرق في التسويف، وعدم القدرة على إنجاز أبسط المهام بيسر وسهولة.

تخبرنا ليلي أنه يجب الإنصات وقراءة العلامات التي يُعطيها عقلك وجسمك، حين تأخذك الحياة في طريق لا تُحبّه ولست شغوفًا به، أشياء كأن تتعب وتتكاسل بسهولة، تتهّرب من مواجهة مسؤوليات يومك بشكل أو بآخر، ودائمًا ما تجد أعذارًا مُمنطقة لإقناع نفسك بأنك قمت بالخيار الأفضل، وسيبقى حالك هكذا في تراكم إلى أن يحدث ما يجبرك على الاستيقاظ، ويكون القطرة التي أفاضت الكأس، وبالنسبة للسوبرومان، كان هذا حين طلب والدها أن تُتمّ دراساتها العليا في علم النفس للحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه، إذ لم تتقبّل فكرة أن عليها أن تستمر في عذابها الداخلي وتعاستها لمدة زمنية أطول.

من الحضيض إلى سوبرنوفا من الإبداع

في عصر الإعلام الرقمي، كَثرت أقاصيص النجاح المُبهرة هنا وهناك، ومللنا الاقتباسات المتناثرة للمشاهير والناجحين بشتى أصنافهم على السوشيال ميديا، التي تبث فينا جرعات مؤقتة من الأدرينالين، تختفي أسرع من البرق فور عودتنا من الواقع الافتراضي لنصطدم بالواقع الحقيقي، الذي يتطلّب عرقًا ودمًا لتحقيق الأحلام والأمنيات، التي قد تأتي أو لا تأتي ببساطة، بالرغم من أننا بذلنا الغالي والرخيص لبلوغها.

في أوج اكتئابها قررت ليلي سينغ بأن تفعل شيئًا واحدًا لتجعل نفسها سعيدة، ولم يكن التربح أو الشهرة هدفًا أوليًّا وراء إنشاء قناتها على يوتيوب تحت اسم سوبرومان iisuperwomanii، وتصوير فيديو تلو الآخر تتناول فيه قضايا اجتماعية وثقافية في غاية الأهمية، في طرح وقالب هزلي وكوميدي مُبدع، جذب الكثير والكثير من المُشتركين، الذين وصل عددهم إلى أكثر من 13 مليون السنة الماضية، وهم في تزايد دائم، هذا النجاح منقطع النظير الذي لم يكن في الحسبان، حين فكرت هذه الشابة في رفع بعض الفيديوهات على يوتيوب من أجل التعبير عن رأيها بصراحة ومصداقية في قضايا معينة بأسلوب عفوي، لعوب وشقيّ تتقنه منذ صغرها، قد يُدرّ عليها أرباحًا طائلة بملايين الدولارات، جعلت منها من الأوائل في لائحة نجوم يوتيوب الأعلى أجرًا، حسب مجلة فوربس سنة 2015، وواحدة من بين 100 شخصية الأكثر إبداعًا في البيزنس، حسب مجلة Fast Company.

وإن لم يكن هذا كافيًا، فالجدير بالذكر أن كل هذا النجاح فتح لها أبواب الشهرة والثراء على مصراعيهما، إذ عقدت شراكات تعاون مع مشاهير من الشرق والغرب مثل؛ المغني الشاب إد شيران، الممثل دواين جونسون الملقب بـ«الروك»، سيلينا كوميز، بريانكا شوبرا، أليشا كيز، ميشيل أوباما، وبيل كيتس. وأطلقت شركة إنتاج خاصة بها، وشاركت في أكثر من عمل فني في هوليود، كما احتل مؤلفها «How To Be a Bawse» صدارة مبيعات نيويورك في مايو (أيار) 2017.

التفرّد الذي خلقته ليلي بجانب فريق عملها، من خلال أخلاقيات عمل ذات معايير عالية جدًّا وتفانٍ في صناعة محتوى احترافي مُميّز ومُلهم، ينشر رسائل إيجابية عن الإنسانية والسعي وراء السعادة الحقيقية، هو تفرّد وليد المُثابرة والجهد المتواصل، والقدرة على النهوض أقوى في كل سقوط، وهو الشيء الذي لا تتوانى في تذكير مُعجبيها الكُثر به أثناء رحلاتها حول بقاع العالم، احتفظت هذه المرأة المتعددة المواهب، بغض النظر عن ثرائها وشهرتها، بتواضعها، ولم تبع روحها للشيطان كما يُقال، كتكريم على أنشطتها الإنسانية لدعم تعليم الفتيات في كينيا لقبت بسفيرة النوايا الحسنة من طرف منظمة اليونيسف. ومن بين أكثر الرسائل الهادفة قوة التي عملت على ترويجها؛ دعم المرأة لبنات جنسها من خلال إطلاق تحدي #GirlLove لإيقاف الكراهية وقمع الفتيات بعضهن لبعض، وتشجيع نشر مفاهيم التعاطف والدعم والتحسين من ثقة المرأة في نفسها وقريناتها.

بصرف النظر عن سوداوية الاكتئاب وآثاره الهدّامة على الصحة النفسية للأفراد، قد يلعب أحيانًا دور عامل مُفجّر لطاقات إبداعية خاملة، تكون السبب الرئيسي في تغيير جذري في مجرى الحياة، هذا المفهوم عبّر عنه إرنست هيمنجواي حين قال «ذاك المزاج الرهيب للاكتئاب، سواء كان ذلك جيدًا أم لا، هو ما يعرف بمكافأة الفنان»، ليلي سينغ امرأة رفضت الانقياد وراء نموذج تقليدي للعيش، عاشت اكتئابها ولكن لم تستسلم له، لاحقت شغفها بلا هوادة فمنحتها الحياة من خيرة عطاياها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد