وكان أكثر ما تَراءى لي وما أثار تعجُّبي أولاُ ثم أثار اشمئزازي ثانيًا ما أُطْلِقَ عليه “العُمق” المُنتشر في مواقع التواصل الإلكتروني.

 

ودون أي سابقِ ودون أي إختباراتٍ أو إحصائيات مثلًا تم ظهور فئة ما تُسمى بذوي الرؤية العميقة.

من وجهةِ نظر البعض هم “المختارون المميزون” فقط لأنهم يفضلون كُتبًا مُعيَّنة، كتَّابًا معينين، موسيقى معينة، بل وأحيانًا مشروبات معينة أيضًا.

 

هذا هُراء!

البعض يعتقد أن تلك الفئة أغلبها هم المُثقفون وهذا أيضًا هُراء.

 

هذا الأمر له عدة زوايا من وجهه نظري.

 

الزاوية الأولى:
ما علاقة بعض الأشياء التي يفضلها البعض بِكَوْنِهم ذَوي فِكْرعميق مثلًا؟

 

أو أنَّهم مُمَيَّزون عَنِ الآخرين بشكلٍ ما؟

 

أعتقد أن الأمر فقط يُمكن أن نطلق على هؤلاء أن لديهم ذوق موسيقي مثلًا مُشابه ليس أكثر.؟

 

الزاوية الثانية:
بعض تلك الفئة يرون أن كل المختلفين عنهم هم “أشخاص سطحيون” أو لم يصلوا بعد لدرجة عمقهم، وللحقيقة فمن يرى ذلك فهو الذي يملك تلك النظرة السطحية للآخرين.

 

الزاوية الثالثة:
فِكرة تفضيل كاتبٍ عن كاتبٍ آخر لا توجد له أي علاقة بالعمق، هي أقرب للذوق، أقرب لأن تستسيغ كتاباتٍ ما عن كتاباتٍ ما أخرى.

فكرة أن تجد شخصًا يحب كتابًا تحبه هو توافق ذوقي أو فكري أحيانًا.

 

فكرة ألا يتشابه هو اختلاف لا يُنقص منك ولا منه ولا من الكتاب أو كاتبه.

 

الزاوية الرابعة:
فيروز، درويش، القهوة.

لم تنحصر أغلب الدائرة حول هؤلاء تحديدًا؟

 

كنت أعتقد أنه وإن كان هناك شخص عميق التفكير فهذا يرجع لخبرته الحياتية، وقراءاته المُكثفة، ولا أعتقد أن القراءة المكثفة قد تشمل كتابات درويش فقط وهذا ليس إنقاصًا منه بل أن تكتسب خبرة من كتابات كاتب واحدٍ فقط! هذا هُراء.

 

ولا اعتقد أن شُرب القهوة وسَماع فيروز قد يكون له علاقة أيضًا.

 

الزاوية الخامسة:
على أي أساس يتم التصنيف؟ هل يوجد اختبار مثلًا؟ ومن الذي يقوم بالتصنيف؟

 

هل هو طبيب نفسي؟ أو محلل نفسي؟ أو شيخ كبير رأي من الحياةِ ما رأى؟ كيف يسمح شخص لنفسه أن يصدر حكمًا على تفكير شخصٍ آخر من مجرد تفضيله لأشياء عن أشياء أخرى؟ وكل هذه الأشياء بالأساس بسيطة جدًا؟ وكيف يسمح لنفسه أن يفكر أن يحكم من الأساس؟ ما يضيره بالآخرين سواء كانوا مثله أم لا؟

 

لايوجد شخص عميق وشخص غير عميق، يوجد شخص ذو رؤية مختلفة “نظرًا لطبيعة حياته أو خبرته” ويوجد شخص ذو نظرة سطحية وهو أيضًا نظرًا لطبيعة حياته وخبرته” وإن كُنتَ ترى اختلافًا بِك عن الآخرين فهذا يرجع لعدة أشياء وذاك الذي تسخر منه كان يمكن أن تكون مكانه.

و رغم أنني لا أميل للتصنيف من الأساس، الفكرة تكمن فقط في اختلاف الأولويات، ما تراه أنت مهمًا قد يراه الآخر تافهًا، والعكس، والأمر هنا يكون اختلاف وجهات نظر وأولويات، ولا ينقص منك أو يزيد الآخر شيئًا.

 

أما عن العمق، فلا يوجد شيء كهذا، يوجد فقط أشخاص تختلف ميولهم عن بعضهم البعض وهذا شيء طبيعي.

 

المؤسف أن مواقع التواصل الإجتماعي تعمل على نشر بعض التصرفات أو الأحكام كـ “موضة” ربما تكون جيدة في بعض الأحوال، لكن في بعض الأحوال الأخرى يحدث نوع من “الهرج” غير المبرر إلا أنه تقليد أعمى.

البعض الآن صار يخشى أن يقول أنه يستمع لمطربين عادين “خارج الدائرة المحددة لمطربي الفئة العميقة” حتى لا يتَّهم بأنه سطحي أو غير عميق.

 

مع الأخذ في الاعتبار أن أغلبنا في فترة “التسعينات” لم يكن يستمع إلى سواهم.

أعتقد أنه يجب أن نقوم بتوسيع الدائرة التي نُبصر منها لأنها أحيانًا ما تضيق.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد