كتبت مرتين عن الدروشة، ومنعت نفسي عن الكتابة عشرات المرات، فقط مخافة السآمة والملل، لكن الدروشة نفسها تلاحقني حيثما نظرت عيني أو استمعت أذني، حتى مللت أنا منها.

أدهش أحيانًا لرؤية هذا الكم اللامعقول من الدروشة في حياتنا، وربما تعظم دهشتي حين أجد على قمة هرم الدروشة هؤلاء الذين ننتظر منهم تنويرًا وإرشادًا وتثقيفًا ونحو ذلك، وهؤلاء المثقفين الذين ننتظر منهم تفكيرًا علميًا منطقيًا، خاصة في الأمور الهامة في حياتنا، وفي الملمات والمشكلات التي نواجهها يومًا بعد يوم.

ربما أعذر فيمن أعذر ممن يقع في شباك الدروشة هؤلاء الذين ليس لهم نصيب من العلم أو الثقافة، ربما هؤلاء الذين لم يحظوا بكامل نصيبهم من التعليم النظامي، فانشغلوا بأعمالهم وأرزاقهم عن تحصيل العلم والثقافة.

لكن كيف أقبل عذر هذا الشيخ وهذا الخطيب، أو هذا المهندس وهذا الطبيب، أو هذا المحاسب وهذا المعلم، وغيرهم الكثير؟ هؤلاء لا أقبل منهم عذرًا أن يكونوا دراويش أو مغيبين.

يحب الكثيرون هذه الأيام أن يتحدثوا عن فيروس كورونا، وهم في نيتهم معذورون فقد فرض نفسه فعلا، لكنهم يتفاوتون في درجات الدروشة حين الحديث عنه.

لست ضد من يتحدث عن فيروس كورونا وتأثيره على حياتنا، أو عن أعداد المتضررين منه هنا وهناك، أو عن تألمه من مغبة الحظر والحجر، أو عن تأثيره في حياته الشخصية من تطور العلاقات الأسرية وعكس هذا في العلاقات الاجتماعية وخطورته على الحياة الاقتصادية، أو عن شكوى المغتربين عن بلادهم، أو أو أو

لكنني أذهل حين تغرقنا موجات الدروشة في التعليق على الفيروس أنه سلاح الحق ضد الباطل وانتقام الله من الصليبيين واليهود والملحدين، وعن الفرح اللا إنساني بازدياد عدد الوفيات بين غير المسلمين واعتباره انتقاما من الله لدماء المظلومين من المسلمين، نسيانا أو جهلا أو ربما تجاهلا للآلاف من حالاة الوفيات من المسلمين أنفسهم في نفس الوباء، وتزداد الدروشة جنونا عند البعض أن يعتبروا تلك الآلاف من شهداء حرب الله على الكفر والكافرين.

ويدهشنا نوع آخر من الدروشة حين يفتي مشايخ ويخطب خطباء عن كيفية علاج فيروس كورونا أو الوقاية منه. فهذا شيخ يبشرنا بأن الوضوء خمس مرات في اليوم والليلة والسواك بعد كل صلاة كفيلان بالوقاية من الفيروس، وشيخ آخر يصدمك بفتوى عدم جواز غلق الباب أمام المعتمرين مدعيا أن فتح باب العمرة والدعاء في الحرم كفيل أن يرفع الله به البلوى عن ديار المسلمين، ومجيبا للتساؤل عما إذا مات المعتمرون بعد إصابتهم بالفيروس في الحرم بأنهم شهداء الحرمين وأن موتهم في الحرم خير من موتهم في بيوتهم في الحجر الصحي، ويزيد الطين بلة حين يرد على من يطالبه بالأخذ بالأسباب واستشارة الأطباء واتباع تعليماتهم وإرشاداتهم باستشهاده بقول الشاعر:

إن الطبيب بطبه ودوائه

لا يستطيع دفاع نحب قد أتى

ما للطبيب يموت بالداء الذي

قد كان أبرأ مثله فيما مضى

مات المداوي والمداوى والذي

جلب الدوا أو باعه ومن اشترى

محتجا – بكل جهل لمعنى التوكل على الله- أن الشفاء بيد الله وحده، والذي في هذا الموضع قد قال حقا أراد به باطلا.

وذاك آخر يعلن أن الشفاء من الفيروس أو الوقاية منه تكون بتناول طعام كذا أو شراب كذا ويغلظ الأيمان على ذلك، وثالث يعلن وبكل وقاحة وجهل أن الحجر الصحي في البيوت مقصود لتدمير الاقتصاد ومؤامرة على بلادنا، وأن تلك الحالات كلها إنما هي موجات مرض بنوع من الإنفلونزا لا يستحق منا كل هذا الاهتمام.

وتأتي مجموعات الواتس بكل ما فيها من دروشة لا متناهية، لا يغرنك فيها ناشر الخبر إن كان الدكتور فلان أو المهندس علان أو الأستاذ هذا أو المكرم ذاك، لكنك حين تقرأ الخبر تجد نفسك وقد وجدت اللقب المناسب وهو «الدرويش»، تعجب حين تراه ينشر الخبر والذي هو في الأصل مرسل إليه، وغالبا ما يكون على هيئة Screenshot لخبر على لسان مسؤول أو هيئة مختصة، ثم تكتشف وبكل سهولة ويسر أنه خبر مفبرك، وإلا فإن رابط الخبر أيسر وأوثق في نفس الوقت من مجرد الصورة، وأغلب تلك الأخبار إن لم تكن كلها أخبار مزيفة كصورتها.

الدروشة في الخبر هي فحواه، كأن يعلن الخبر أن طبيبا في دولة كذا قد اكتشف مصلا نهائيا للفيروس، وربما المساومة على سعره قائمة الآن على أشدها، وقمة الدروشة في الخبر أصلا هي كون هذه الدولة متخلفة في كل نواحي الحياة تقريبا، وربما اشتهر عن وزير الصحة فيها شخصيا بالكذب والاحتيال فيما يخص حال البلد، ناهيك عن باقي وزراء المنظومة. ثم ترى مثالا حيا للحكمة (شر البلية ما يضحك) حين تجد نفس الخبر بنفس تفاصيله قد أرسله درويش آخر من جنسية أخرى، لكن الفرق بين الخبرين في كلمة واحدة، هي جنسية الطبيب الذي اكتشف المصل.

هذا مثال واحد لمجال يكشف لنا كم الدروشة التي نغرق في وحلها يوميا، إن مشكلة فيروس كورونا مجرد حدث بين آلاف الأحداث التي تكشف لنا كم نعيش في عالم من الدراويش، بغض النظر عن ألقابهم بيننا في الحياة العامة، لكنهم في حقيقتهم «دراويش».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدروشة, منهج
عرض التعليقات
تحميل المزيد