هي حرب الألفاظ إذن تلك التي أصبحت تستحوذ على حياتنا، ذلك الجدال الكبير الذي أصبحنا نعيشه ويتشارك كل الأطراف فيه، نتجادل على كل صغيرة و كبيرة، وعند استنزاف الحجج، فلا أسهل من إطلاق الأحكام والأوصاف التي نظن أننا بها قد أنهينا ذلك النقاش لصالحنا.

جدال ننتزع اسمه الحقيقي ونضع تلك الكلمة البراقة: نقاش، وشتان بين الاثنتين. تستطيع الحكم بنفسك، متى وجدت نفسك تخرج من هذا النقاش مستهلكًا نفسيًا، لم يزدك أية معلومة أو فائدة وقد اهتزت علاقتك بمن أمامك، فتأكد يا عزيزي أن هذا جدال لم ينفع قدر ما أضر.

مثل هذه الجدالات تصنع حالة من العناد داخل الأطراف المتجادلة، فلا ينصاع أي منهما للحق؛ لأن الهدف أصلًا ليس ذلك الحق، بل إثبات وجهة نظرك، وفرضها على الآخرين طالما اقتنعت أنت بها.

ما أسهل أن يتصدر الإنسان المجلس ويكون هو المتحدث، يملأ فيه بتلك الكلمات التي يلقيها في محاولة منه لإظهار نفسه في مظهر المثقف، والملم بكل جوانب الموضوع، يرفع شعار «طالما تحدثت فأنا الممسك بزمام الأمور هنا».

سيدي هل توقفت قليلًا وفكرت؟ ما الهدف فعلًا من دخولي في هذا الجدال؟ هل يستحق الأمر خسارة العلاقة؟ خسارة العلاقة؟ ربما تظن أني أبالغ بهذه الكلمة، وأن الأمر لا يمكن أن يصل لمثل هذه المرحلة، في حين لو تأملت قليلًا، فإن تلك الترسبات النفسية بعد كل جدال كفيلة بأن تفقدكما روح هذه العلاقة، حتى وإن استمرت بشكل ظاهري.

 حتى وإن كنت تجادل من لا تربطك به علاقة قوية، فما الذي يجعلك تكسب الأعداء لمجرد أنك تجهل أو تتجاهل الطريقة الصحيحة التي يجب أن يدور بها النقاش؟

كونك صاحب صوت عالٍ وحجةٍ تحسبها قوية وكلمات معقدة لا يجعل منك ـ كما تظن أنت ـ شخصًا مثقفًا، أو حتى ملمًا بكل جوانب الموضوع الذي يتم نقاشه. لذا سيدي أرجوك اصمت قليلًا وحاول فتح عقلك وسماع وجهة نظر الشخص المقابل؛ فربما تقتنع بها أكثر من وجهة نظرك التي تقاتل مستميتًا ومدافعً عنها بكل ما أوتيت من قوة.

اسمع ولا تقاطع، انتظر حتى ينهي من يتحدث إليك كل ما يود قوله، له الحق في ذلك تمامًا، ولا داعي لإطلاق عبارات الاستنكار حتى قبل أن يُتِم ما يريد قوله.

هل انتهى؟ انتظر قبل التسرع في الرد ونقض كل النقاط التي طرحها، حاول قبلها إيجاد ما تتفقان فيه، ثم انطلق بعدها في طرح وجهة نظرك بكل هدوء، التي حتى وإن كانت مخالفة فتلك الطريقة في العرض تسحب بها من يجادلك إلى نقاش هادئ وواع يجعلكما تخرجان منه بوجهة نظر أكثر وعيًا وشمولًا لما كنتما تتحدثان عنه.

الصحفية والمؤلفة سيلست هيدلي وضعت لك عشر نقاط لمساعدتك على امتلاك المهارات اللازمة للنقاش البناء:

1) كن حاضرًا بكامل ذهنك: إذا كنت تريد الخروج من المحادثة فاخرج منها، ولكن لا تستمع بنصف عقلك.

2) لا تتشبث برأيك: ادخل كل محادثة وفي ذهنك أنك ستتعلم شيئًا منها، كل شخص خبير بشيء ما.

3) استخدم الأسئلة المفتوحة: كيف، لماذا، أين، متى: لا تستخدم سؤالًا مثل “هل كنت خائفًا؟ ولكن اسأل: كيف شعرت؟

4) امش مع التيار: ستملأ رأسك الأفكار التي تشغلك عن الاستماع الجيد لمن يناقشك، دعها تذهب و ا تشغل نفسك بالتفكير فيها، فتمنعك عن الفهم الجيد لما يقوله.

5) إذا كنت لا تعرف فاعترف بذلك.

6) لا تقارن خبراتك بخبراتهم: إذا كانوا يتحدثون عن فقد أحد أفراد عائلتهم، لا تبدأ في التحدث عن الوقت الذي فقدت فيه أحد أفراد عائلتك، كل التجارب تختلف عن بعضها البعض، وتأثيرها علينا يختلف باختلاف شخصياتنا، المحادثات ليست فرصتك للترويج عن نفسك.

7) لا تكرر نفسك بتكرار نفس الجمل والقصص والمواقف مرارًا وتكرارًا، خصوصًا أمام من سمعوها قبل ذلك كثيرًا.

8) ابتعد عن الأعشاب الضارة: الناس لا تهتم بتفاصيل تفاصيل حكايتك التي تكافح لتذكرها.

9) وهي النقطة الأهم، استمع”: يقول بوذا: إذا كان فمك مفتوحًا فأنت لا تتعلم، ويقول ستيفن كوفي: معظمنا لا يستمع بنية الفهم، بل يستمع بنية الرد.

10) كن مختصرًا.

بعد التزامك بكل تلك القواعد، و التي ليس من السهل طبعًا التزامها وتطبيقها من أول مرة، إذا وجدت نفسك تُسحَب رغمًا عنك إلى جدال مع ذلك الشخص الصارخ الذي أصر على الجدال دون أي قواعد، بالرغم من هدوئك، وإعطائه فرصته لطرح وجهة نظره، فاسحب نفسك من ذلك الجدال أسلم لك، وحافظ على طاقتك لشخص تستفيد منه في نقاش بناء وصحي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد