جدلية العلاقة بين السلاح والسياسة في الولايات المتحدة

أجد نفسي واقعًا في حرج بالغ أمام قارئ كريم تحمل تلك السلسة بصبر وتلقاها بلهفة مشتاق باحث عن الحقيقة. فعلى مدار الحلقات الثلاثة الماضية تحدثت في الجزء الأول عن تقدير الموقف الذى بنى عليه العراق غزوه للكويت، وفي الجزء الثاني بينت طبيعة التفكير الأمريكي رؤاه وإستراتيجيته قبل غزو العراق للكويت. وفى الجزء الثالث تحدثت عن كيفية تفكير وتصرف القيادة الأمريكية في اللحظات والأيام الأولى مع الغزو العراقي للكويت.

واليوم أتناول في ذلك الجزء موضوع غاية في الأهمية هو «جدلية العلاقة بين السلاح والسياسة» في الولايات المتحدة الأمريكية.

فالتباينات ولا أقول الخلافات بين الجنرالات العسكريين والسياسيين المدنيين تطفوا على السطح وتظهر في أوضح صورة في الأزمات الكبرى وجوهرها الحروب التي تخوضها الأمة الأمريكية.

وذلك أمر أظن أن العالم الثالث عامةً، والعرب خاصةً يجب أن يعوه ويفهموه إن أرادو ذات يوم في زمان قادم أن يتعاملوا مع الإمبراطورية الأمريكية «بندية» مستخدمين جسارة «العقل» بعيدًا عن غريزة «الخوف» مما تتسبب فيه وتصنعه «أزير طائرات الإف16، أو صواريخ كروز، أو الحشود الأمريكية وعلى رأسها مشاة البحرية المارينز المعززين بدبابات أبرامز السريعة أو حاملات الطائرات الأمريكية المنتشرة في كل مكان من بحار ومحيطات العالم»، ورمز تلك القوة المهولة الجنرالات ذوي الخمس نجوم، من الجنرال «جورج مارشال ودوجلاس ماك أرثر، مرورًا بالجنرالات داويت آيزنهاور، وكولن باول، واليوم الجنرال مارك الكسندر ميلي».

ولعل سر تأخُر وتخلف إدارة الصراع في عالمنا العربي من المحيط «الذى كان يقال عنه يومًا أنه هادرًا» للخليج «الذى كان يُقال عنه يومًا ثائرًا»! أن السلطة فيه هي سلطة «مُطلقة» لملك أو أمير أو رئيس أو جنرال، ومن صفات تلك السُلطة المطلقة أنها تستغنى «بالقوة» المطلقة للدولة جمهورية أو ملكية وبوسائل تلك الدولة من «كلبش وزارة الداخلية إلى جنازير دبابات وزارة الدفاع» وبينهم «أقلام في الصحف وكاميرات الشاشات في الاعلام تزين وتُسوق» عن «المعرفة»، والمعرفة تستلزم تعدد الآراء والمناقشة الحُرة، وتلك «محظورات» في العالم العربي اليوم.

وأخيرًا أُعيد وأُؤكد أن هدفي من تلك السلسلة المُمتدة في ذلك الموضوع ليس سرد الأحداث من جديد، ولكن الخروج بدروس مستفادة من علم وفن إدارة الصراع.

قبل افتتاحية الحرب.. حروب داخل الإدارة وخارجها!

في الدول التي تمكنت منها الديمقراطية يكون «القرار» فيها قرار جماعي، وليس فرديًا، فالقرار عندهم يصدُر نتيجة مناقشة كبرى بين مؤسسات تلك الدولة، وذلك ما نراه جليًا في تلك الأحداث.

فالرئيس بوش الأب وهو يتحرك ويقرر الحل العسكري للأزمة ظهرت له معارضة مُزدوجة من الداخل الأمريكي.

  • فالجنرالات العسكريون وعلى رأسهم رئيس الأركان الجنرال كولين باول كانوا يفضلون الحل بعملية الخنق الاقتصادي الذى قادته الولايات المتحدة واستصدرته من الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
  • كما أن السياسيين الحزبيين في الكونجرس ومجلس الشيوخ الأمريكي رفضوا أن يُقتل جنود أمريكيون من أجل الكويت أو السعودية.

الكونجرس خائف من فيتنام جديدة

لعل ذلك الخلاف يظهر في مشاورات أجراها الرئيس بوش الأب مع زعامات الكونجرس من الحزبين، ولننظر ولعلنا نتعلم في عالمنا العربي البائس الغارق في الديكتاتورية ملكية أو جمهورية.

قال توم فولى رئيس مجلس النواب «أن على الادارة أن تستشير الكونجرس في كل خطواتها»، وهز بوش رأسه رافضًا، فقال فولى: «إذا قررتم بعد 15 يناير أن تخوضوا الحرب فيجب عليكم أن تأتوا إلى الكونجرس».

وكان السناتور جورج ميتشل قاطعًا فقال: «إن قرار الكونجرس ضروري ولازم دستوريًا».

ثم تدخل السيناتور وليام كوهين وزير الدفاع فيما بعد في عهد كلينتون في النقاش واستشهد بعبارة مارك توين: «إن الانسان سيقاتل دفاعًا عن بيته، لكنه قد يفكر مرتين قبل الدفاع عن فندق»، وأضاف: «أنه حتى الآن فإن الشعب الأمريكي ليس مقتنعًا بأن الكويت، أو العربية السعودية بيتنا، وإنما هما بالأحرى أشبه بفندق، فلماذا نحن على استعداد لأن نموت من أجل الكويتيين الآن»؟
ثم أضاف كوهين من جديد: «فكرة أننا سنستخدم قواتنا البرية على نحو ما لكي تدخل وتنتزع العراقيين بعيدًا عن الكويت لا تولد إلا صورة شُبان وشابات يتكدسون كأكوام من الخشب».

وأراد الرئيس بوش الأب طمأنتهم من مخاطر المواجهة فقال:

«إننا بالطبع لا نريد فيتنام أخرى، أطمئنكم أن عراق صدام لن يكون فيتنام جديدة، أنا أعرف أننا سنضع ظهور العراقيين إلى الحائط بعد تقييد أيديهم، وكما يقول مبارك الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك لقد دربنا العراقيين، وهم عفنون» وهنا ضجت قاعة الاجتماع بالضحك.

تعليق

من سخريات القدر، أن نفس المشهد حدث بعدها بسنوات عندما تولى الرئاسة جورج بوش الابن وطلب من الكونجرس استصدار قرار لضرب العراق. لم يقُل رئيس الكونجرس كلامًا نسمعه اليوم في جمهوريات الموز العربية مثل: «إن الرئيس هو الذى جاء بي وأنا بتاعه، وأن الرئيس يفهم أكثر من الجميع، وأنه لا مكان في الدولة لمشكك في الرئيس وسياساته»!

ولكن السُلطة التشريعية في الدول المتحضرة لها مكانة مرموقة وكلمة مسموعة ورأى حاضر مؤثر ومُهاب. وليس أدل على ذلك من ذلك المشهد.

فقد فوجئ بعض زعماء الكونجرس بلهجة الرئيس بوش الابن، في موضوع طلبه بخصوص غزوه للعراق، وارتفع صوت زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ السيناتور توماس راسل موجهًا كلامه للرئيس قائلًا:

«أرجوك أن تكون أكثر تحفظًا فيما تقول، وإذا كنت تُريد تأييدنا فإننا نطلب منك الاعتدال ومراعاة وقع كلماتك على أصدقاء الولايات المتحدة».

ثم تدخل السيناتور روبرت بيرد زعيم الحزب الديموقراطي وعمره 83 سنة وقتها ليطلب من بوش الابن أن يُهدئ من روعه قائلًا له:

«إنني تعاملت مع 10 رؤساء لأمريكا قبلك، ولقد فهمت مما قلته لنا أنك لا تريد منا قرار بشن الحرب، وإنما تريد منا تفويضًا باستعمال القوة، أي أنك تطلب منا ما سبق للرئيس جونسون أن طلبه في فيتنام سنة 1964.

ثم استطرد السيناتور بيرد العجوز ليقول لبوش الابن: «لن تحصل من الكونجرس هذه المرة على قرار مماثل لقرار تونكين، الكونجرس لن يسمح لك بهذا، وأمريكا ما زال لها دستورًا يحكمها».
ثم أخرج بيرد نسخة من دستور أمريكا ورفعها في وجه الرئيس بوش الابن!

خلاف بين وزير الدفاع تشيني ورئيس الأركان باول

ولم تكن معضلة بوش الأب في الكونجرس فقط، ولكن كان بوش يواجه صراعات داخل إدارته ذاتها، وليس رفضًا لسياساته خارجها فقط.

فقد كانت لديك لتشيني وزير الدفاع خلافات مع كولن باول رئيس الأركان بسبب أن تشيني وهو المدني حاول أن يتدخل في تحضير وإدارة الحرب متصورًا نفسه جنرالًا على كتفه خمس نجوم مثل آيزنهاور! واضطر باول لأن يتشاجر معه مرة كل أسبوع على الأقل.

كما أن تشيني كان يأخذ على باول تدخله في تشكيل القرار السياسي لإدارة بوش باقتراحاته، لدرجة أن وزير الدفاع تشيني استدعى رئيس الأركان باول وقال له:

«اسمع يا كولن أنت رئيس لهيئة رؤساء الأركان المشتركة، لست وزيرًا للخارجية كما سيحدث فيما بعد في عهد بوش الابن، ولم تعُد مستشارًا للأمن القومي كما كان أيام ريجان، ولست زيرًا للدفاع. إذًا عليك أن تبقى محصورًا بالمسائل العسكرية».

تعليق

فيما تكشف واستجد على ما كان معروفًا من قبل، أن الخلاف بين الرجُلين تشيني وباول لم يكن قبل الحرب وتحضيراتها فقط، ولكنه انفجر من جديد كالبركان في نهاية الحرب.

  • فقد كان تشيني يرى استمرار زحف قوات التحالف 1991 حتى قلب بغداد وإسقاط نظام صدام حسين كما سيحدث بعد سنوات في ادارة بوش الابن وتشيني وقتها نائب الرئيس وليس وزير الدفاع.
  • بينما باول يرى أن هدف ضرب العراق تحقق بالكامل خلال شهر من القصف الجوي المستمر، وأن العمليات البرية من الأصل لم تكن لها ضرورة، وحتى بعد بدئها واستمرارها لعدة أيام فإن الذهاب إلى قلب بغداد ليس ضمن الهدف المقرر للعمليات. بالإضافة إلى أن بعض دول التحالف مصر وسوريا تُظهر تحرُجها وتُبدي خشيتها من أن الاستمرار في العمليات أصبح غزوًا للعراق، وليس تحريرًا للكويت.

ووسط تلك المناقشات احتد تشيني على باول وقال له: «إنني لا أفهم أن تكون لدى الولايات المتحدة أكبر وأكفأ قوة عسكرية في العالم، ثم لا تستطيع هذه القوة أن تخدم سياستها، ثم يكون ذلك بتوصية من رئيس أركان ترك مهمته وهي الحرب لكي يفتي في السياسة».

ثم يقول تشيني لباول في حزم: «لا دخل لك بالتقديرات السياسية، والتزم دورك بتقديم خُطط عسكرية لما يُطلب منك، وتلك حدودك لا تتعداها».

خلاف جديد بين رئيس الأركان والقيادة السياسية

كان كولن باول ذو الثلاثة والخمسين عامًا هو أصغر رئيس أركان في التاريخ الأمريكي، وأول أسود يشغل هذا المنصب. كان باول يؤيد إستراتيجية الاحتواء، ولكنه كان يرى أن «تلك السياسة ليست رائجة هُناك» وأشار عبر النافذة على الشمال يعنى البيت الأبيض ولقد حاول أن يُثنى الادارة ويخفف الاندفاع نحو أي خيار هجومي.

وكان باول وهو رأس القيادة العسكرية بصفته رئيس الأركان يرى موقف آخر في أزمة الخليج: فقد كان باول مقتنعًا بأن العقوبات الاقتصادية يمكن أن تؤدى «بالخنق» إلى ما نفس ما تؤديه الحرب «بالقتل». وكان بعض زملاء باول يطلقون عليه «أنه مُقاتل على مضض».

كما كان كولن باول يتعجب من هؤلاء المدنيين الذين يسمعهم يتحدثون عن استعمال القوة دون أن تكون لأحد منهم معرفة بشئون الحرب.

شوارزكوف يدخل إلى الميدان بتحذير جديد من الحرب

ولم يكن قائد المنطقة المركزية الجنرال شوارزكوف أو شوارزكوف «المجنون» كما يطلق عليه زملاؤه هو الآخر «ميال للحرب ويُفضل الخنق الاقتصادي» مثل باول، وقال شوارزكوف: «إن الحرب شيء دنس، ففيها ولنقلها صراحة يقف جانبان متعارضان يحاولان تسوية خلافاتهما بأن يقتُل كل منهما أكبر عدد من الجانب الآخر».

وشعر ولووفيتز المتحدث الرسمي للرئيس بوش الأب بأن شوارزكوف يُدلى بهذه التصريحات جزئيًا من أجل قواته، لكي يكون واضحًا لهم تمامًا أنه إذا نشبت الحرب وتعقدت الأمور معهم، فإن المدنيين هم الذين سيأخذونهم إليها وليس هو أو العسكريون».

تعليق

إن العلاقة المشدودة والمتنافرة في كثير من الأحيان بين العسكريين والسياسيين لها أسباب يمكن اجمالها وتلخيصها في:

  • مما لا شك فيه أن الجيش والعسكريون كانوا هم أداة السياسة في تحقيق الانتشار الإمبراطوري الأمريكي الواسع في كل مكان وفي لحظة من اللحظات كان ثلاثة من أكبر جنرالات أمريكا يحكمون العالم تقريبًا:
  1. في واشنطن كان الجنرال جورج مارشال وزير دفاع روزفلت قد انتقل لوزارة الخارجية في عهد خلفه الرئيس ترومان طارحًا المشروع الذى سُمى باسمه مشروع مارشال لإعادة بناء وتعمير أوروبا الغربية من جديد.
  2. وفي باريس كان الجنرال داويت آيزنهاور قائدًا عامًا للجيوش المتحالفة التي واجهت الاتحاد السوفيتي عبر الستار الحديدي على حد وصف رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل.
  3. وفي طوكيو كان الجنرال دوجلاس ماك آرثر وصيًا على إعادة تأهيل اليابان، وقيمًا على أوضاع آسيا بما يناسب الولايات المتحدة الأمريكية، في زمن جديد، وكان إمبراطور اليابان يتلقى تعليماته من ذلك العسكري الأمريكي بعد أن رأى بعينه مدى تأثير القنابل النووية التي ضُربت بها نجازاكي وهيروشيما!
  • ولكن العقدة الكبرى بين العسكريون والسياسيون نشأت في حرب «فيتنام» التي دحرج فيها السياسيون العسكريون خطوة وراء خطوة حتى غرسوا في أوحال فيتنام.

ففي شعور العسكريين الأمريكيين أن السياسيين ألقوا بهم في أتون نار حامية وقودها قوات الفيت كونج وقائدها العسكري الأسطوري الجنرال فو نوين جياب، وقائدها الفوق أسطوري ذلك الرجُل ذو الجسم النحيل هوتشي منه، ومن خلفه دعم صيني لا يلين بقيادة ماوتسى تونج، وشوين لاي وسوفيتي قوى سواء مع خروتشوف ومن خلفه كوسيجن.

ولكن السوفييت كانوا مُتضايقين من السلوك الصيني في تلك الحرب، ففي حديث للزعيم السوفيتي الأسبق نيكتا خروتشوف مع الزعيم القومي العربي جمال عبد الناصر قال:

«لا يخدعكم زعماء الصين بكلامهم عن الثورة المستمرة. هم أول من يُدرك ضرورات الحذر وسط الأجواء الدولية المكفهرة رغم كل محاولتنا لتخفيف حدة توترها. والدليل على أنهم يفهمون ويحاولون توريط الآخرين فقط هو الطريقة التي تعاملوا بها مع الأمريكيين عندما بدأوا في ضربهم بالمدافع على جرز كيومي وماتسوا. كانوا يردون على المدافع الأمريكية بالإنذارات الشفوية، وقد بعثت لماو تسي تونج أقول له:

«إن حالك مثل حال زوج يضبط زوجته كل يوم في الفراش مع رجل غريب وهو في كل مرة يهددها بالطلاق، لكنه لا يفعل».

ويُكمل خروتشوف قائلًا: «أحيانًا أسأل نفسي متى يكف ماو عن الكلام ويفعل إذا كان يريد. لن يفعل لأنه ببساطة لا يستطيع»!

لكن خروتشوف وبقية القادة السوفيت لم يكونوا مدركين لإستراتيجية الصين في تلك الحرب القائمة على «استنزاف» الجيش الأمريكي بدأً من المعنويات وانتهاءً بالدماء والأرواح. وهو ما عبر عنه رئيس وزراء الصين وقتها شوين لاي لمبعوث الزعيم جمال عبد الناصر حينما قال له:

«أبلغ صديقنا العزيز الرئيس ناصر ألا يخشى علينا من التصعيد الأمريكي، قُل له أن الأمريكي في الماضي كان يضربنا من بعيد، كنا نتألم في صمت ولم نكن قادرين على أن نطوله، ولكنه اليوم نزل من الجو إلى الأرض، لقد فهمنا أن الرئيس ناصر قلق من زيادة القوات الأمريكية، ونحنُ فرحون بها، إن تلك القوات هي بمثابة بوليصة تأمين لنا».
وأكمل شوين لاي: «الأمريكان يدفعون بمئات الآلاف من القوات، ماذا ستفعل أُلوفهم أمام ملاييننا؟ قطعًا ملاييننا ستبتلع أُلوفهم».
أبلغ الرئيس ناصر «أن هذا هو الوقت المناسب الذى تقوم فيه الصين بغرس أظافرها المدببة في اللحم الحي الأمريكي. قُل له ألا يقلق علينا ولا على فيتنام، فالأمريكيون هُنا رغم دعاياتهم موجودون في سجن ونحنُ الصين وفيتنام فقط من نملك مفاتيح ذلك السجن لإخراجهم منه».

وهو ما عبر عنه الجنرال الأمريكي ذائع الصيت دوجلاس ماك آرثر في بداية حرب فيتنام وهو على فراش موته للرئيس الأمريكي ليندون جونسون حينما جاءه ليطمئن عليه، فستنهز الفرصة الجنرال العسكري ماك آرثر ليقول للسياسي المدني جونسون:

«سيدى الرئيس إن التواجد العسكري على الأرض الأسيوية ليس ضروريًا لأمن الولايات المتحدة، إن نطاق الأمن الأمريكي في أسيا يجب أن يرتكز فقط على الجُزر الإستراتيجية المهمة في مواجهة الشاطئ الأسيوي».
ثم أردف الجنرال الذي يقف على أعتاب نهايته: «يكفينا اليابان والفلبين، أبعد من ذلك لا يلزمنا شيء.. أبعد من ذلك خطرٌ علينا».

  • وعن تلك الحرب وتأثيراتها يقول كبار مفكري الولايات المتحدة مثل كيسنجر وبرجنسكى: أنه إذا كان هناك شيء تغير أعلى مستويات هرم السلطة في واشنطن فقد تمثل في مدى التغير الحاصل في وزارتي الخارجية والدفاع بعد مرور كل تلك المدة على حرب فيتنام، فقبل فيتنام كانت وزارة الدفاع ميالة لإبداء الكثير من الحماس والاستعداد للتورط العسكري، وللتعبير عن القدرة على أداء جميع المهمات، في حين أن وزارة الخارجية أميل إلى التحفظ والتحلي بالحذر.

غير أن فيتنام كانت قد أدت إلى تغيير الوضع. فقد ذهب الجيش إلى هناك ودفع ثمنًا باهظًا من الأرواح والدماء والمعنويات المحبطة؛ مما أدلى إلى حصول تبادل في الأدوار بين المؤسستين الدفاع والخارجية. وتكونت لدى البنتاجون بعد فيتنام رؤية نابعة من تجربتهم المريرة القاسية، ويمكن تلخيصها في نقطتين:

  • أن البنتاجون أصبح يحسب حساب قدرات الخصم بدرجة تفوق قدرات ذلك الخصم.
  • ثم إن البنتاجون لم يعد يثق في قدرات هؤلاء السياسيين على حساب الموقف أثناء الأزمات فقد كان فرسان السياسة في واشنطن يورطون العسكريين في مغامرات غير محسوبة، وعندما يظهر خطأ حسابات الساسة في ميدان السياسة فإن هؤلاء الفرسان يتراجعون، ويتركون العسكريين في ورطتهم بمفردهم.

وبالتالي فإن المؤسسة العسكرية ظلت ترتاب إزاء أي تدخل عسكري في أي من المناطق حول العالم.

  • إن العسكريين الأمريكيين أصبحوا يتشككون دائمًا في نوايا المدنيين، فهم يرونهم يطلبون استعمال القوة دون أن يكونوا على علم بآثارها، وهم يتحدثون عن الجيش ويطلبون استخدام إمكاناته وقدراته في تغيير الوضع السياسي الخارجي بصرف النظر عن تبعات ذلك فيما بعد على الجيش نفسه داخليًا أو صورته وسمعته خارجيًا.
  • إن القيادة العسكرية الأمريكية من بعد تجربة حرب فيتنام القاسية تشعر أن السياسيين مثل جونسون ونيكسون استعملوا قيادات القوات المسلحة لأغراضهم الشخصية والانتخابية، فالحرب في فيتنام لم تبدأ كحرب، وإنما استُدرجت القوات خُطوة خُطوة إلى عمليات قُصد بها أن تجرى من وراء السُلطة التشريعية المتمثلة في الكونجرس وكان تمويلها بالعجز سندات على الخزانة حتى لا يُضطر الرئيس الأمريكي جونسون ومن بعده نيكسون إلى الذهاب للكونجرس لطلب قوانين باعتمادات لتمويل الحرب. وكان هذا الوضع غير الدستوري والقلق هو الذى تسبب في أزمة القادة العسكريين الذين حاربوا في فيتنام وسقطوا وأولهم الجنرال وستمور لاند قائد القوات الأمريكية وقتها.
  • ثم إن أغلب السياسيين يطلبون تأثير الجيش، رغم أن أغلبهم لم يؤدوا الخدمة العسكرية، بل إن بعضهم هرب منها وقت حاجة الوطن لخدماته في حرب فيتنام مثل كلينتون، وبوش الابن فيما بعد، وهم يتمتعون بمزايا لا تتساوى مع واجباتهم، وهم يريدون استخدام الجيش الأمريكي في مناوراتهم السياسة لرفع أسهمهم الانتخابية دون النظر لتبعات ذلك على الجيش الأمريكي.
  • إن العسكريين يعارضون عادةً استخدام القوة كإشارة، ولا يريدون لفكرة براقة من جانب المدنيون أن تورطهم دون هدف واضح يظهر في الأفق، فهم لا يريدون أن يبدأوا بهدف غامض، ثم يُقال للجيش في منتصف المهمة ماذا تريد الإدارة حقًا أن تحققه.
  • والعسكريون يرون المدنيين يتحدثون عن «الأخلاق» في حين أنهم غارقون في «الرذيلة» فالرجُل الذى كان من المفروض أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية في حرب فيتنام الرئيس ليندون جونسون وفى أوضاع القوات الأمريكية الصعبة والحرجة التي كانت عليها في فيتنام دس نفسه عاريًا في فراش سكرتيرته الخاصة، وعندما انتبهت السكرتيرة إلى أن هناك رجلًا غريبًا معها في الفراش، قال لها تهدئةً أو تخويفًا لها: «اهدئي يا صغيرتي هذا رئيسك»!
  • ورجُل آخر مرمغ هيبة وسمعة منصب الرئيس الذى هو في نفس الوقت القائد الأعلى للقوات المسلحة بيل كلينتون الذى ظل أواخر رئاسته مُطاردًا من المعارضة في الكونجرس ومن النقد في الصحافة ومن زوجته هيلاري في المنزل، بسبب قصص مغامراته الجنسية التي لا تنتهى مع نساء من عينة جنيفر فلاورز، بولاجونز، كاثلين ويلى، مونيكا لوينسكي التي فجرت للرجل فضيحة كادت أن تُفقده منصبه لولا «تمترُس» كلينتون خلف كتيبة من المحامين وخُبراء العلاقات العامة والإعلان.

وظل رئيس أكبر دولة في العالم كلينتون يشرح لمُطاردِيه في الكونجرس والصحافة ومنزل الزوجية الفرق بين «جنس كامل مارسوه هُن معه»! و«جنس غير كامل مارسه هو معهُن»!

  • والرجل الذى طارد بيل كلينتون في مجلس النواب السيناتور نيوت جنجرنيتش من أجل محاسبته باسم «الفضيلة» على خلفية فضيحة مونيكا لوينسكي، تكشف أن جنجرنيتش نفسه له عشيقة وفيما بعد طلق زوجته وتزوج بعشيقته واعتزل العمل السياسي!

ويمكن القول إن القيادة الأمريكية في تلك اللحظة كانت حائرة بين الاتجاهات ومشتتة بين الاجتهادات.

تركتُ قلمي وسرحتُ ببصرى وجولتُ بخاطري ونظرت حولي لأجد أن الوطن العربي أصبح موجوع بعلل تراكمت على كاهله، ولم يعد ذلك الجسد العربي قادرًا على التحمل أكثر مما تحمل، فكان لا بد من الانفجار الذى نعيش فيه من يومها إلى اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد