تعتبر منظمة الامم المتحدة أن «التصحر هو تدهور الأراضي في المناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة شبه الرطبة. وتعتبر الأنشطة البشرية والتغيرات المناخية أهم أسباب التصحر. وعلى هذا فمصطلح التصحر لا يعني فقط توسع الصحاري الموجودة. بل يحدث التصحر كذلك لأن النظم البيئية للأراضي الجافة، التي تغطي أكثر من ثلث مساحة الأرض في العالم، تُستغل استغلالًا مفرطًا، وتستخدم استخدامات تنافي طبيعتها. ويمكن كذلك أن يتسبب الفقر والاضطراب السياسي وإزالة الغابات والرعي الجائر وممارسات الري السيئة في تقويض إنتاجية الأرض»[1] إذ تجتاح الصحراء حوالي 120 ألف كم مربع سنويًّا من الأراضي الصالحة للزراعة حسب المنظمة نفسها، الشيء الذي دفع بالكثير من الباحثين والمهتمين بقضايا البيئة والمناخ لدق ناقوس الخطر الذي يهدد الواحات كمجالات هشة تدخل ضمن هذه المجالات المعرضة للتصحر أو الاختفاء، بسبب التغيرات المناخية التي يشهدها العالم حاليًا نتيجة الاحتباس الحراري، والتي سرعت من تدهور هذه المجالات.

واقع واحات تافيلالت:

تقع واحات تافيلالت في الجنوب الشرقي من المملكة المغربية، تابعة اليوم لإقليم الرشيدية، وتنتمي منذ سنة 2015م إلى جهة درعة تافيلالت، وهي تمتد من شمال تيزيمي إلى جنوب مدينة الريصاني، يخترقها وادي زيز وغريس وتتميز بمناخ قاري جاف، نظرًا إلى موقعها الجغرافي في المجال شبه الصحراوي. وتعرف هذه الواحة اليوم اختلالات كثيرة في توازن منظومتها البيئية، مما يجعل هذه المناطق مسرحًا لأنماط تدهور يصعب التغلب عليها، من أبرزها:

ارتفاع ملوحة التربة، وانخفاض السدم المائية بسبب قلة التساقطات والاستغلال الفاحش للموارد المائية من طرف الفلاحين الكبار الذين حلوا بها، في إطار مشروع المخطط الأخضر – مشروع حكومي – (يمكنك الاطلاع على تقرير أطاك المغرب: وضع العدالة المناخية بالمغرب)[2]، تدهور الغطاء النباتي نتيجة توالي سنوات الجفاف – ازدادت معدلات الجفاف في المغرب من مرة كل خمس سنوات إلى مرة كل سنتين[3]– إضافة إلى ذلك انتشار مرض البيوض الذي يصيب شجر النخيل وظاهرة اجتثاثها من طرف السكان لبيعها للسماسرة، إلى جانب الحرائق التي تأتي على الأخضر واليابس كل سنة. ناهيك عن ظاهرة الترمل التي تهدد السكان في مصدر عيشهم. وحسب وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، عزيز أخنوش: «هناك ما يقرب من ثلثي الموائل في واحات المغرب قد اختفت خلال القرن الماضي، وتسارعت هذه العملية في العقود الأخيرة مع ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير»[4]، وفي الصدد نفسه يقول مسؤول الحملات في «منظمة السلام الأخضر Greenpeace» الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، جوليان جريصاتي: «مع اعتمادنا على حرق الوقود الأحفوري كمصدر رئيسي ووحيد لإنتاج الكهرباء، ارتفعت درجة حرارة الأرض وأصبحت هذه الواحات أكثر حرارة وشهدت تغييرات جذرية في نظامها الإيكولوجي: حرارة عالية، وتصحُّر، ونقص في الموارد المائية ما تسبب في تغييرات جدرية لنظامها الإيكولوجي، مضيفًا أن ما تشهده الواحات المغربية هو مثال لآثار تغير المناخ في العالم، اختفاء كامل لحضارات وشعوب، وفقدان البيئة الطبيعية»[5].

التغيرات المناخية والهجرة بواحات تافيلالت:

تشير رئيسة قسم الهجرة والبيئة وتغير المناخ بمنظمة الأمم المتحدة دينا أيونيسكو إلى «أننا نعيش الآن في عصر ترتبط فيه الأحداث الكارثية المتعلقة بالمناخ بالنشاط البشري، ومن المحتمل أن يكون لذلك تأثير كبير على الطريقة التي نقرر بها الهجرة إلى مكان ما والاستقرار»[6]، فلا أحد ينكر تأثير تغير المناخ في حركة السكان، سواء كانت حركات داخلية أو خارجية، فالهجرة أو النزوح هي آليات للتكيف البشري مع بيئته، وجهة درعة تافيلالت بشكل عام وواحات تافيلالت بشكل خاص عرفت هجرة غير مسبوقة لساكنيها (هجرة داخلية نحو بعض المدن وأخرى خارجية نحو دول أوروبا) بحثًا عن واقع أفضل، هذا النوع من الهجرة في المنطقة هو بالتأكيد مستمر بسبب استمرار الجفاف لفترات طويلة ومتكررة جدًّا في العقود الأخيرة (1981,1985,1991,1995,1998,2000,2002) ، ووفقًا للإحصاء العام للسكان والسكنى (RGPH 2014)[7] فقد عرفت المنطقة تراجعًا كبيرًا في عدد السكان، كما تبين الأرقام:

– بلغ عدد سكان جهة درعة تافيلالت 1.635.008 نسمة عام 2014م (مقابل 1.493.347 عام 2004م). بمعدل نمو 9.5% هو الأضعف وطنيًّا مقابل 13.2% على المستوى الوطني.

– انخفض عدد سكان الجماعة القروية السفالات من 16163 نسمة عام 2004م، إلى 11483 نسمة عام 2014م.

– انخفض عدد سكان الجماعة القروية بني محمد سجلماسة من 16.709 نسمة عام 2004م إلى 14.422 نسمة عام 2014م.

– انخفض عدد سكان الجماعة القروية السيفة من 9159 نسمة عام 1994م، إلى 7035 نسمة عام 2014م.

– (23%) من غير المهاجرين من جهة درعة تافيلالت يرغبون في الهجرة إلى الخارج.

ضرورة التدخل:

إن الوضعية الخطيرة الحالية للواحات المغربية يحتاج إلى من يترافع عنها وطنيًّا بكونها مشكلة وطنية تسائل الجميع في ماذا فعلت الدولة لتدارك الوضع؟ وما السياسات الكفيلة لإنقاذ الواحات؟ وكذلك كونها مشكلة عالمية من حيث التأثير والتأثر إذ إن التغيرات المناخية أدت إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض وساهمت بشكل كبير في تفاقم الاختلالات، الشيء الذي يفرض على الجميع المساهمة الفعالة من أجل إطلاق حملات للترافع وطنيًّا ودوليًّا لحماية البيئات الواحية من هاته التأثيرات السلبية والخطيرة على المستوى البعيد، إن الترافع حول كل هذا سيجعل الجميع يفكر في الحل عوض التفكير في المشكل؛ إذ إن تحسين قدرات المجتمع المدني المهتم بالشأن البيئي الواحي وتوسيع اطلاعه على قضايا البيئة المتشعبة والمتقاطعة، سيمكن حتمًا من تجويد قيمة الترافع المدني في مثل هذه القضايا البالغة الأهمية والتحسيس بالخطر الذي يهددها على المستويين الوطني والدولي، والدفع لاتخاذ القرار مع مختلف المتدخلين في الشأن البيئي المؤسساتي والمدني، وطنيًّا ودوليًّا. كما سيمكن المجتمع المدني من توحيد الجهود على مستويين: أولهما بين الجمعيات الفاعلة في الحقل البيئي لتبادل الممارسات الجيدة والناجحة والتجارب الموفقة وتشكيل «اتحادات للشباب لنصرة الواحات»، والمستوى الثاني بين المجتمع المدني وكافة المتدخلين المؤسساتيين الموكول إليهم تدبير الشأن البيئي أو المتدخلين في هذا الإطار بشكل مباشر أو غير مباشر، خاصة الهيئات المنتخبة، والجمعيات المهنية، والفرقاء الاجتماعيين والفعاليات الاقتصادية.

إن كل واحات تافيلالت اليوم في خطر. وهذا الواقع هو نتاج للتغيرات المناخية التي يعد الإنسان السبب الأول سواء في البلد نفسه أو خارجه، حيث إن بلدان شمال أفريقيا لا تساهم بنسب عالية من الكاربون، لكنها بالمقابل تتأثر بشكل سلبي من التغيرات المناخية وبشكل كبير المناطق الهشة مثل الواحات، وإذا ما استمرت الوضعية في المنحى الحالي نفسه، فإنها ستؤول لا محالة إلى الزوال والاندثار وفي هذا الصدد نشرت منظمة Greenpeace غير الحكومية تحذيرًا[8] سنة 2019م من زوال الواحات المغربية بسبب التغيرات المناخية. لذلك يعد إنقاذ وتنمية الواحات مسألة استعجالية، يجب أن تحظى بالأولوية. فلم يعد بالإمكان التستر وراء مبرر التغيرات المناخية لتفسير أزمة الواحات، فالأزمة نتاج لتفاعل عدة عوامل، لعل أهمها يرتبط بالعنصر البشري. لذلك فإن إعادة تأهيل الواحات يتطلب من الجميع عملًا شموليًّا، والمسارعة من أجل التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان. ولدعوة السلطات المحلية لإنصاف الواحات في إطار العدالة المجالية، والاهتمام بها مثل باقي المناطق الأخرى من البلد نفسه لتأخذ نصيبها من التنمية والحماية والمحافظة على مكوناتها من إنسان ونبات وحيوان وعمران.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد