شكر خاص لكل من: د/ حسان بن عابد للإمداد بالمراجع، م/فداء الجندي و د/مازن دهّان لكتابة الفقرات المدونة تحت اسميهما.

يدعي التطوريون أنه نظرًا لتطور الأنواع من بعضها البعض فإن تصميم العضو في النوع الجديد الناشئ قد يوجد به بعض العيوب، كونه ناشئًا عن سمكرة تطورية وليس عن تصميم مخصوص للعضو في النوع الجديد المفترض، ويعتبرون تلك العيوب التصميمية من أقوى شواهد حدوث التطور.

على النقيض يؤكد أصحاب نظرية التصميم الذكي والقائلين بالخلق المباشر أن كل عضو في أي نوع حي مصمم ليؤدي وظيفته بالشكل الأمثل، ويكذبون ادعاءات التطوريين.

ومن أشهر ما يدعي التطوريون وجود عيوب تصميمية فيه:

العصب الحُنجري الراجع ‏Recurrent ‎laryngeal Nerve‏ ‏(RLN)‎

العصب الحائر هو أحد الأعصاب الدماغية حيث يخرج من المخ، وأحد فروعه هو العصب ‏الحنجري الراجع ‏RLN؛ حيث يبدأ من المخ وينزل له فرعان أيمن وأيسر ولكنهما لا يذهبان مباشرة ‏للحنجرة.

العصب الحنجري اليسار – والذي هو الأطول – يتفرع من العصب الحائر ويلتف تحت قوس الشريان الأورطى، خلف الرباط الشرياني ثم يصعد. من الناحية الأخرى يلتف الفرع الأيمن منه حول الشريان تحت الترقوة اليمنى ثم يرجع، مما يزيد من طول العصب الحنجري المفترض في ضوء التصور التطوري، حتى قد يصل طوله في الزرافة البالغة ما بين ثلاثة إلى أربعة أمتار ونصف.

ويوجد فيديو شهير على اليوتيوب لأشهر التطوريين المعاصرين ريتشارد دوكنز مع أخصائية تشريح بالكلية الملكية البيطرية بلندن عام 2009 ، وهي تقوم بتشريح زرافة لإظهار ‏كيف امتد هذا العصب من المخ نزولًا إلى القلب، ومن ثم عاد إلى الحنجرة مدعين أنه لو كان ‏قد نشأ نتيجة تصميم لما لف كل هذه اللفة التي تمتد لأمتار يرونها بلا فائدة، ولتوجه العصب ‏مباشرة إلى الحنجرة، مما يدل – في رأيهم – على سوء تصميم.‏

تشريح الزرافة لم يتم قبل ذلك إلا عام 1838 على يد العالم الكبير ريتشارد أوين مؤسس ‏متحف التاريخ الطبيعي بلندن وعدو دارون اللدود، لكن قطعًا لم يعط ريتشارد أوين أي دلالة تطورية لوجود ذلك العصب على النحو الذي وجده عليه. أساسًا لم ‏يكن دارون قد خرج علينا بنظريته.‏

كما أن هذا العصب ليس مستجدًا التعرف عليه في تاريخ التشريح والطب، ويعتبر جالينيوس أول من ‏وصف هذا العصب، كما وصفه الرازي وصفًا دقيقًا في كتاباته، وذكر أنه هو الذي يحدث ‏الصوت.‏

ونظرًا لأن التطوريين يعتقدون أن السلف الأقدم للإنسان من الحبليات هو السمكة، فإن السيناريو التطوري الذي وُضع لتفسير وجود العصب الحنجري الراجع على النحو الموجود في الإنسان يبدأ من السمكة؛ ففي الأسماك ينزل العصب ‏من رأس السمكة مباشرة – لأن السمكة ليس لها رقبة – ليغذي الخياشيم، ووفقًا لتصور التطوريين ‏فمع حدوث التعديلات المفترضة التي نشأت في إثرها الكائنات الأرقى من السمكة، ‏والتي يمكن تبسيطها في تكون الأقواس البلعومية في المرحلة الجنينية الأولى في تلك الكائنات ‏الأرقى، ومن ثم تتكون من تلك الأقواس الغدة الدرقية والغدد جارات الدرقية والحنجرة فقد ظهر ‏هذا الالتفاف للعصب بشكل لا يراه التطوريون مبررًا.

من يقرأ للتطوريين حول العصب ‎(RLN)‎ يتوهم أمرين لا أساس لهما من الصحة، وهما:

‏1- أن هذا العصب ليست له وظيفة سوى تغذية الحنجرة، ومع ذلك يلتف كل هذا الالتفاف.‏

‏2- الإيهام بعدم وجود عصب يصل مباشرة من المخ إلى الحنجرة، والذي يفترض التطوريون أنه ‏الشكل الأنسب والأكثر اقتصادًا.‏

لكن الحقيقة غير ذلك تمامًا: ‏

‏1-عصب الحنجرة الراجع ‏‎(RLN)‎‏ يمثل دعامة هامة في تكوين قوس الأورطى أثناء التكوين ‏الجنيني.‏

‏2-الحنجرة تتميز بتغذية عصبية ثنائية؛ إذ يوجد عصب قصير يغذي الحنجرة مباشرة – بالشكل ‏الذي يفترضه التطوريون على أنه الشكل المثالي -، ‏وهو العصب الحنجري العلوي ‏Superior Laryngeal Nerve‏ ‏‎ ‎ورمزه ‏‎(SLN)‎‏.‏

هذا العصب ‎(SLN)‎ ينزل من المخ مباشرة ليغذي الجزء العلوي من الحنجرة، إضافة إلى التغذية ‏العصبية من الأسفل من خلال العصب الحنجري الراجع ‎(RLN)‎. وجود هذه التغذية ‏الثنائية يساعد الحنجرة على عدم فقد وظيفتها كليًا إلا في حالة قطع كلا العصبين.‏

‏3- عصب الحنجرة الراجع ‏‎(RLN)‎‏ هو فرع من العصب الذي كان يسمى بالحائر لكثرة التفافاته، ‏ويغذي عصب الحنجرة الراجع مناطق عديدة:‏

أ-مع التفاف العصب الراجع ‏RLN‏ بفرعيه حول الشريان تحت الترقوة والشريان الأورطى ‏يعطي عدة خيوط قلبية للجزء العميق من الضفيرة القلبية.‏

ب- أثناء صعوده في الرقبة يعطي فروعًا – تكون أكثر في الجهة اليسرى – إلى الغشاء المخاطي ‏والحائط العضلي في المريء.‏

ج- كما يتفرع أثناء صعوده إلى الغشاء المخاطي والألياف العضلية في القصبة الهوائية، ‏ويعطي بعض الخيوط البلعومية إلى العضلة البلعومية المضيّقة العلوية.‏

د- ثم ينقسم العصب إلى فرعين أمامي وخلفي فيزود العضلات في الحنجرة، حيث يزود كل ‏عضلات الحنجرة باستثناء العضلة الحلقية الدرقية التي يغذيها فرع خارجي من العصب ‏الحنجري العلوي ‏SLN‏.‏

إذن فقد أشير إليه بأنه «الحنجري الراجع» لأن فروعه تغذي عضلات الحنجرة في الرقبة خلال ‏طريق اعتبرت ملتوية إلى حد ما؛ فهي تنحدر نحو القفص الصدري قبل أن ترتفع ما بين ‏القصبة الهوائية والمريء لتصل إلى الرقبة، لكن هل بناءً على الوصف السابق يصح القول ‏بأنه يغذي الحنجرة فقط؟ التسمية أساسًا خاطئة.‏

وهناك متلازمة شهيرة تسمى متلازمة أورتنر (‏Ortner’s syndrome‏) وهي متلازمة قلبية ‏حلقية نادرة تشير إلى شلل العصب الحنجري الراجع ‎(RLN)‎ نتيجة مرض من أمراض القلب الوعائية. ‏وبسبب انضغاط العصب الحنجري الراجع يمكن أن تحدث بحة في الصوت التي تعد بدورها ‏علامة على ضيق الصمام التاجي.‏

والأهم؛ أن هناك عيبًا خلقيًا نادرًا يحدث عند بعض البشر يسمى (عصب الحنجرة الراجع اللادوراني)، فقصر ‏الفرع الأيمن من هذا العصب الراجع وربطه بين المخ والحنجرة مباشرة دون اللفة التي يعتبرها التطوريون غير مبررة سيعتبر عيبًا تصميميًا لو كان هو التصميم الأساسي!، ‏ويؤدي إلى تضخم في الشريان تحت الترقوة الأيمن الذي كان من المفترض أن ينزل إليه ‏العصب وفقًا للتصميم الذكي الذي وضعه الخالق سبحانه.‏

ثم؛ أليس طبيعيًا أن يوجد عصب يربط الحنجرة وهي علبة الصوت لدى الإنسان – تحديدًا – بالقلب ‏والقصبة الهوائية والبلعوم؟، ضع في رأسك المطربين وقارييء القرآن كمثال لتعرف كيف يلزم ‏أن يكون هناك ارتباط.‏ كما أراد الله سبحانه وتعالى أن يصل علبة الصوت بالمخ والقلب معًا قبل أن يصل العصب ‏إلى الحنجرة، ولكن أكثر الناس لا يفهمون الدلالة.‏

القناة الناقلة للمني (قناة الأسهر)

القناة الناقلة للمني (الأسهر) هي جزء من الجهاز التناسلي الذكري في الإنسان. يدعي التطوريون أن تركيبها الذي هي عليه – والذي يعيبونه بالطبع – يرجع لأسلاف، وكالعادة يرددون بأن سلفنا هو السمكة، والغدد الجنسية في الأسماك قريبة من القلب، وبالتالي فالمفترض أن الخصيتين في الإنسان كانتا في موضع أعلى من موضعهما الحالي لدى الأسلاف، ويحددونه في مكان موازي للكليتين، وبما أنهم يتحدثون عن أسلافهم الذين يفترضونهم يمشون على أربع وعمودهم الفقري كان أفقيًا، فهم يعتقدون أنه لما انتصبت قامتهم تحركت الخصيتان إلى خارج الجسم حفاظًا على درجة حرارة الحيوانات المنوية فجاءت تلك القناة على النحو الذي يرونه معيبًا، حيث تلتف التفافًا زائدًا دون فائدة؛ مما يسبب مشاكل للذكور لأنه قد يحدث لهم فتقًا إربيًا قد يؤدي للموت.

الأسهر هو القناة التي يسلكها المني لدى خروجه من الخصية وبعد عبوره البربخ باتجاه الإحليل، ومن المعروف أن الجهاز التناسلي الذكري يقع أغلبه خارج الجسم للحفاظ عليه في درجة حرارة أقل من درجة حرارة الجسم بدرجتين، ولكن المني المتكون – وكما شاءت حكمة الله جلت قدرته – لا بد أن ينتقل إلى داخل جسم الرجل في قناة داخلية طولها حوالي 40 سم – المسماة بالأسهر – لأن الحييمينات بحاجة إلى اكتساب الحرارة اللازمة قبل الانتقال إلى جسم الأنثى، كما يتغذى الحيوان المنوي خلال سفره من الأسهر إلى الإحليل بسوائل مغذية تنتجها غدة البروستاتا تسهل حركته حتى يتمكن من إحداث التلقيح في جسم الأنثى.

بينما يفترض التطوريون أن القناة لا بد أن تكون قصيرة!!! غير ملتفة لو كانت مصممة ابتداءً لتناسب جسم الإنسان، والحقيقة أنها لو كانت كذلك لما اكتسبت الحييمينات الحرارة والتغذية اللتين تساعدان على إحداث التلقيح.

العين البشرية:

كانت العين تحديدًا أحد أهم التراكيب التي أرقت دارون، وهنا لا بد أن نعلنها أن دارون نفسه لم يكن له قدر التبجح الذي يتمتع به التطوريون اليوم الذين يدعون أن العين معيبة!.

وفقًا للتطوريين فإن: «بنية العين البشرية تظهر بأنها مصمّمة في الواقع بشكل غير ذكي أبدًا. هي مبنيّة بالمقلوب ومعكوسة، ويجب على فوتونات الضوء أن تنتقل عبر القرنيّة والعدسة والسائل المائي وشرايين الدم والخلايا المعقودة وخلايا الأماكرين والخلايا الأفقيّة والخلايا الثنائية القطبيّة قبل أن تصل إلى المخاريط والأطراف التي تحوّل الإشارات الضوئية إلى نبضات عصبيّة، التي بدورها تذهب إلى القشرة البصرية في مؤخرة الدماغ لتحويلها إلى صورة يمكن لنا فهمها. إن كنا نريد للرؤية أن تكون ممتازة، لماذا سيقوم مصمّم ذكي ببناء العين بطريقة مقلوبة ومعكوسة ومعقدة كهذه؟ هذا «التصميم» يمكن فهم أسباب وجوده فقط إن كان الانتقاء الطبيعي بنى العين من خلال المواد المتوافرة سابقًا وبالتحديد بناءً على الخلايا الموروثة من الكائنات العضوية السابقة. العين تثبت بأن وجودها تمّ عن طريق التطوّر من بنية سابقة ولا عن طريق التصميم الذكي من الصفر».

فباختصار التطوريون يرون العين البشرية معيبة جداً لأنها:

1- معقدة! والخلايا غير موزعة على نحو ذكي طبعًا وفقًا لرؤيتهم.

2- تكون الصورة مقلوبة ثم يقوم المخ بإعادة ضبط اتجاهها، وكان الأولى من وجهة نظرهم أن تكون الصورة معدولة من البداية، وهم بهذا يتجاهلون أن مركز الرؤية في المخ هو جزء من نظام الإبصار لأن المفترض ألا نرى فقط بل أن ندرك ما رأينا، وطالما أن الجزء المسؤول عن الإدراك البصري يدرك الصور بشكل سليم فكيف يدعى وجود عيب؟!، أم أن وجود المخ في حد ذاته عيب؟!

ويروي التطوريون سيناريو تخيلي عن تطور العين، ويدعون أنه لا زال موجودًا في المخلوقات إلى اليوم!

بينما الثابت هو وجود تفاوت في تركيب وقدرات الإبصار بشكل غير طبيعي بين الكائنات الحية الذي لا يمكن ترتيبه بأي شكل على شجرة التطور المزعومة، فهو يسير بشكل عبثي مما لن يجد له التطوريون أي تفسير سوى أن التطور يسير كما يحلو له أمامًا وخلفًا، وهذا الكائن اكتسب هذه الميزة ثم اختفت من الكائن الذي تطور عنه، ثم عادت الميزة في كائن آخر، فهذا له عين مركبة، وذاك له عين بسيطة، واكتسب هذا الكائن رؤية الألوان في مدى بصري هائل وذاك في مدى بصري بسيط، وهذا لا يميز الألوان، وهذا عينه كذا وذاك عينه كذا، وبما أن التطور عشوائي فهم يتقبلون هذا.

وللباحث فداء ياسر الجندي مقالة رائعة منشورة بعنوان: «العلم الحديث يؤكد شكوك دارون»، وموضوعها عن تعقيد العين البشرية وكيف تهدم فرضية الانتخاب الطبيعي على رؤوس التطوريين.

يقول فداء الجندي:

«هل كانت عند دارون شكوك حول نظريته؟ ألا يدافع عنها أصحابها اليوم وكأنها أمر مسلّم به وعقيدة لا شك فيها ولا ينكرها – برأيهم – إلا كل ناكر للعلم جاحد للتقدم العلمي والحضارة المعاصرة؟ فكيف يكون هناك شك فيها عند من وضعها؟ وكيف يؤكد العلم الحديث هذه الشكوك؟

أقول وبالله التوفيق: العلم الحديث لا يؤكد شكوك دارون فحسب، بل أزعم أن العلم الحديث يجعل شكوك دارون يقينًا قاطعًا، فيهدم النظرية من أساسها، ويكفي أن نتكلم عن شكوك دارون حول تطور العين.

يقول دارون في كتابه «أصل الأنواع»: «أعترف بصراحة أن افتراض تطور العين بواسطة الاصطفاء الطبيعي، أمر مناف للعقل إلى أقصى الحدود، وذلك نظرًا لما تتمتع به العين من قدرة فذة على ضبط الرؤيا وتوضيحها مهما اختلفت المسافات، عن طريق التحكم بالطور البؤري لسقوط الضوء، وقدرة العين المدهشة على التحكم بكمية الضوء التي تدخل إلى العين».

ثم يحاول أن يبرر ذلك فيقول: «إن وجود حيوانات مختلفة على الأرض لها عيون مختلفة، منها بسيطة ومنها معقدة، يجعل صعوبة الاعتقاد بإمكانية تطور العين حتى تصل إلى ما هي عليه من التعقيد والكمال، وإن كان يستعصي على التخيل؛ أمرا ممكنًا!!» والتناقض هنا واضح، فكيف يكون تطور العين مستعصيًا على التخيل وممكنًا في الوقت نفسه؟

وكتب ردًا على رسالة من البروفسور «آسا غراي» الذي أشار إلى القصور الشديد في نظريته عند تعرضها للعين: «أتفق معك على أن العين نقطة ضعف في نظريتي، ولا زالت حتى اليوم تصيبني ما يشبه قشعريرة باردة كلما خطرت لي، ولكنني أتغلب عليها بأن أتفكر بالتدرج الذي أعرفه للأنواع على الأرض».

هذا إقرار واضح من دارون بأن العين طامة كبرى مقلقة بالنسبة له، وأن تعقيدها وكمالها كعضو لا يمكن تبريره بنظرية التطور، أما ما يزعمه من تغلبه على ما يصيبه من قلق وقشعريرة، فهو يتم بطريقة بعيدة كل البعد عن العلم والمنهج العلمي، حين يحاول إقناع نفسه وقرائه بأن وجود أنواع مختلفة من العيون لكائنات تعيش على الأرض، متفاوتة في تعقيدها، هو برأيه دليل على أن العين من الممكن أن تكون ناتجة عن تراكم الطفرات، مع الاصطفاء الطبيعي عبر الزمن الطويل.

ومن نافلة القول أن هذه الطريقة في البرهان بعيدة كل البعد عن المنهج العلمي الذي يعتمد على التجربة والبرهان والدليل، لا على الإنشاء والتوقع والتخيل، وخاصة أن دارون يتكلم عن العين المعروفة في زمانه، لا في زماننا.

الصندوق الأسود:

وهل العين المعروفة في زماننا عين أخرى؟ هي العين نفسها، ولكن ما نعرفه عنها اليوم مختلف جدًا، ذلك لأن الكمال والتعقيد الذي أذهل دارون وأقلقه كان على المستوى التشريحي للعين، لا على المستوى الجزيئي ولا الذري، إذ إن أقصى ما كان يمكن إبصاره بالوسائل والمجاهر المتوفرة في زمانه لا يتجاوز الخلية، فشبكية العين بالنسبة له نسيج رقيق لا يتجاوز سمكه نصف مليمتر، والعصب البصري خيط رفيع سمكه أقل من مليمترين، ولم يكن يعرف أن كلًا من هذين العضوين عالم معقد قائم بذاته، وأن ما يجري في خلاياهما من عمليات معقدة، وما فيها من معلومات وبرمجيات، وما تحتويه من أنزيمات وأحماض نووية ومورثات وجينات وسوائل، كل ذلك كان غير معروف في زمن دارون، وكانت الخلية بمثابة «صندوق أسود» مليء بالأسرار، كما يقول العالم (مايكل بيهي) في كتابه «صندوق دارون الأسود».

فإذا كان دارون يصاب بالقشعريرة، ويعترف بضعف نظريته الشديد أمام تعقيد وكمال العين – مع أن كل ما اكتشفه عن تعقيد العين وكمالها في زمانه ليس سوى نقطة صغيرة في بحر عرمرم مما اكتشفه العلم عنها منذ عصره حتى اليوم – فماذا كان سيقول لو كان بيننا اليوم واطّلع على ما كشفه العلم من تعقيد مذهل وإتقان وظيفي للعين لا يمكن وصفه إلا بالكمال؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بد لنا من أن نأخذ قراءنا في جولة ممتعة داخل العين، لنطلع على طرف يسير جدًا من خصائصها وصفاتها وطريقة عملها، أقول يسير جدًا لأن الكلام عن العين ووظائفها وطريقة عملها لا تكفي لتغطيته المجلدات والموسوعات.

ماذا كان دارون سيقول لو علم أن شبكية العين تحتوي على أكثر من مائة مليون خلية بصرية؟ وماذا لو علم أن هذه الخلايا أنواع: النوع الأول منها هو الخلايا المخروطية الشكل، وعددها يقدر بسبعة ملايين، وهي مختصة بتمييز الألوان وتوضيح الرؤية وتصفيتها في الإضاءة العادية والعالية؛ ومنها الخلايا القضيبية الشكل، ويقدر عددها بمائة مليون خلية، وهي مختصة بالرؤية في الإضاءة الخافتة، وكلا النوعين يوجدان في الشبكية بطريقة معينة محددة دقيقة لو اختلت أدنى اختلال لأصيب الإنسان بخلل في بصره.

وهناك نوع ثالث اكتشفه العلماء حديثا، وتسمى الخلايا العقدية الحساسة للضوء، وهذه لا علاقة لها بعملية الإبصار، ولكنها تتحسس ضوء الشمس وتتفاعل مع شروقها وغروبها وسطوعها، وتتواصل مباشرة مع مراكز معينة في الدماغ البشري، لتتحكم بما يعرف بالساعة البيولوجية للإنسان، وبنمط ونظام نومه، ولا زالت الأبحاث قائمة حول هذه الخلايا لأنها اكتشفت حديثًا جدًا.

أرقام مُذهلة:

وماذا لو علم دارون كيف تتعامل العين مع الضوء؟ هل علم دارون أنه فور وقوع الضوء على الشبكية، تقوم الفوتونات التي يحملها شعاع الضوء بالتفاعل مع نوع من الجزيئات يسمى الواحد منها «ريدوبيسن»، فيتغير تركيب هذه الجزيئات، لتقوم بسلسلة من التفاعلات الكيميائية المعقدة، ينتج عنها أن يتم إرسال نبضات كهربائية عبر العصب البصري إلى مقر الإبصار في مؤخرة الدماغ؟ ثم تعود تلك الجزيئات إلى حالتها قبل تفاعلها مع الفوتونات لتستقبل شعاعًا ضوئيًا جديدًا وفوتونات جديدة؟ ثم تقوم بتفاعلات جديدة وترسل نبضات جديدة؟ وأن هذه الدورة من التفاعلات لا تستغرق أكثر من «بيكو ثانية»، وهي وحدة لقياس الزمن تعادل جزءً من تريليون جزء من الثانية؟

وهل كان دارون يعلم أن العصب البصري الذي ينقل تلك النبضات، والذي لا يزيد قطره على 1.8 مليمتر فقط، يتألف من حزمة تضم أكثر من مليون ومائتي ألف من الألياف العصبية البصرية؟ (ولنا أن نتخيل ما قطر كل ليف منها؟!)، وهل كان يعلم أن الألياف التي تشكل هذه الحزمة المذهلة ليست نوعًا واحدًا بل أنواعًا متعددة؟ وأن كل نوع منها يختص بنقل نوع محدد من الصورة؟

وهل كان يعلم أن مقر الإبصار في الدماغ يقوم بمعالجة النبضات الكهربائية الواصلة إليه ليحولها إلى صورة، وذلك عبر سلسلة غاية في التعقيد من التفاعلات الكيميائية والعمليات العصبية التي ما زال العلم يكشف المزيد عنها حتى اليوم.

إذا كانت المعلومات البدائية التي عرفها دارون عن العين جعلته يقر بأن افتراض تطورها أمر مناف للعقل والمنطق إلى أبعد الحدود، فماذا نتوقع منه لو أن العلم في زمانه توصل إلى ما يعرفه العلم اليوم عن العين وطريقة عملها المذهلة المدهشة؟

لقد أكد العلم الحديث وبشكل قاطع أن قلق دارون الشديد من تأثير العين على نظريته كان في محله تمامًا، وأثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن الكلام عن تطور العين ضرب من الخيال لا يؤيده علم ولا عقل ولا منطق، ومن يكابر ويشكك في هذا الأمر فإن العلم يتحداه في أن يفسر لنا كيف يمكن للطفرات والاصطفاء الطبيعي أن ينتج عنها مثل هذا العضو الخارق، ونريد ذلك ببراهين علمية قاطعة ملموسة.

إن كانت العين قد تطورت كما يدعون، فما مسار تطورها؟ هل كانت عيون أسلافنا خارج الجمجمة ثم حصلت طفرات نتج عنها كائنات بجماجم لها تجويف مناسب للعين، ثم قام الاصطفاء الطبيعي بإبادة التي لا تجاويف عينية لها والإبقاء على تلك التي لها تجاويف؟ هل كان الضوء يدخل العين بشكل عشوائي، فيقع بعضه أمام الشبكية وبعضه خلفها وبعضه عليها، فحصلت طفرة أو طفرات نتج عنها كائنات بعدسات مرنة تتكيف مع الضوء ويتغير بعدها البؤري مع تغير بعد الأجسام عن العين، ثم قام الاصطفاء الطبيعي بإبادة تلك التي لا عدسة مرنة لها، وأبقى على الكائنات ذات العدسات المرنة؟

والشبكية – وما أدراك ما الشبكية – كيف كانت حالتها الأولى قبل أن تتطور؟ وكيف تطورت حتى ترتبت خلاياها التي يزيد عددها على المائة مليون بهذا الشكل العجيب، وتركز كل نوع منها في مكانه حتى تعطي الإنسان هذه الرؤية بجميع الألوان وفي كل الأحوال: في الضوء الساطع والخافت، وللأجسام البعيدة والقريبة.

وتلك العمليات المعقدة الخارقة التي تنقل شعاع الضوء عبر العصب البصري؟ كيف كانت تجري في أسلافنا، وكيف تطورت حتى وصلت إلى ما هي عليه؟ وكيف تعلمت الشبكية قوانين الضوء ومكونات أشعته، وخصائص الفوتونات وأطوال أمواج كل لون وطريقة تفاعل أشعته مع مختلف الجزيئات، ومن ثم كيف قامت تلك الخلايا بتصنيع الجزيئات الخاصة المناسبة للتفاعل مع الفوتونات وتحويلها إلى جزيئات كيميائية، ثم إلى نبضات كهربائية، ثم إرسالها عبر العصب البصري للدماغ ليحولها مرة أخرى إلى جزيئات كيميائية ثم إلى صورة بصرية، كما رأينا آنفًا.

أسئلة دون أجوبة:

هل يستطيع التطوريون أن يثبتوا كيف تطورت شبكية العين حتى قامت بكل هذه الأمور ووصلت إلى ما هي عليه من دقة وروعة وإتقان وإعجاز؟ هل كان لنا أسلاف بشبكيات لا تتقن هذه الأعمال، فنشأت طفرات نتج عنها كائنات بشبكيات متطورة، ثم حدث الاصطفاء فانقرضت الكائنات ذوات الشبكيات المتخلفة وبقيت ذوات الشبكيات المتطورة؟ أليس هذا ما تزعمه نظرية دارون؟ أرونا الأدلة على ذلك حتى نصدقها.

والعصب البصري العجيب، أرونا متى حدث ذاك الثقب في الجمجمة الذي يسمح بمروره للدماغ، وكيف تطور حتى تمكن من نقل النبضات الكهربائية العصبية من الشبكية إلى الدماغ ليحولها مرة أخرى إلى جزيئات كيميائية ثم إلى صورة بصرية؟ وكيف كان العصب البصري في أسلافنا المزعومين؟ أرونا دليلًا على وجود بشر بعصب بصري بدائي، ثم أرونا دليلًا على حدوث طفرات نتج عنها كائنات بعصب بصري أكثر تطورًا فانقرض الجنس البدائي وبقي الجنس المتطور.

وهل كان أسلافنا المزعومون مصابين بالحول، لأنهم كانوا يبصرون بعينين اثنتين، تنقل لدماغهم صورتين، فتطوروا حتى أصبح الدماغ يدمج صورتيّ العينين في صورة واحدة بعملية غاية في التعقيد والإعجاز يسميها العلماء «المطابقة»؟

وهل.. وهل.. وكيف.. وكيف.. لقد سطر العلماء الموسوعات والمجلدات في خصائص العين البشرية وطريقة عملها وتعاملها مع الضوء، ولو قارنا العين التي عرفها دارون فأذهلته وأمرضته وشككته، مع العين التي نعرفها اليوم، فكأننا نقارن لعبة أطفال على شكل سفينة فضاء، مع سفينة فضاء حقيقية بكل أجهزتها وبرمجياتها ومعلوماتها وخصائصها ووسائل اتصالها.

لقد تجاهل دارون – وكذلك يفعل كل من يتبنى نظريته حتى اليوم – ثلاثة أمور حول العين لا يتحدثون عنها إطلاقًا عند الحديث عن نظرية التطور.

الأول هو: كيف ومتى نشأت العين الأولى على سطح الأرض؟ والثاني هو: كيف تتعامل العين مع الضوء فتحوله إلى صورة مرئية؟ والثالث هو: كيف تطورت العين البدائية المزعومة حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم؟

ابحثوا في كتبهم ومراجعهم فلن تجدوا عن هذه الأمور شيئا، وإن وجد شيء فهو كلام إنشائي لا يمكن قبوله بأي مقياس من مقاييس العلم والبحث العلمي والتجربة والدليل والبرهان.

نستطيع أن نقول بناء على ما سبق إن دارون كان محقًا تمامًا في قلقه وشكوكه حول العين، وإن العلم الحديث لم يبدد هذه الشكوك، بل حولها إلى يقين قاطع، وإن العين وحدها واستحالة تطورها هو بلا شك أحد المعاول القاضية التي تهدم نظرية دارون من أساسها.

العمود الفقري للإنسان:

يؤكد التطوريون فكرة استحالة وجود تصميم ذكي للعمود الفقري للإنسان.

فلماذا إذن لا يعجب ‏تصميم الظهر التطوريين؟، وما هو ذاك التصميم الفريد الذي يرونه أفضل؟ وكان يمكن وقتها ألا يعتبروه معيوبًا ناشئًا عن تطور؟!!‏

وفقًا لقصة التطوريين التي تحكي عن أسلاف الإنسان الذين يمشون على أربع فقد كان وقتها ‏العمود الفقري أفقيًا موازيًا سطح الأرض مما منع حدوث مشاكل في فقراته، ولما اضطر هؤلاء ‏الأسلاف إلى الانتصاب بدأت معاناتهم ومعاناة أبنائهم من بعدهم من آلام العمود ‏الفقري لأننا كبشر لسنا مخلوقين لنعيش في وضع رأسي كما يرى التطوريون.

كما يعيب التطوريون وجود انحناءات في العمود الفقري للإنسان، ويتحدثون أن الشكل ‏الأنسب له هو الشكل المسطح العمودي الذي يقف كالمسطرة.‏

وكالعادة، فإن ما يروّج له التطوريون على أنه تصميم معيب هو في الحقيقة التصميم الأمثل. من الناحية التشريحية والوظيفية، فإن الظهر لدى الإنسان هو شبكة معقدة مكونة من العظام ‏والأربطة والعضلات والأعصاب، وتترتب ضمن نظام معقد جدًا، وبشكل متجانس فيما بين ‏تلك المكونات، وذلك كي يمكن للإنسان أن يحافظ على توازن جسمه، والقيام بمدى واسع من ‏الحركات، ويزود الأطراف السفلى وتراكيب الحوض والبطن بالشبكة العصبية المنظمة ‏والمسيطرة على أداء حركاتها ووظائفها.‏

والعمود الفقري للإنسان هو عمود الجسم وأساس تشكيل هيئته. وتلتصق بهذا العمود أجزاء ‏الجسم، أي الأطراف والصدر والبطن والحوض والرأس. ويتكون العمود الفقري من قطع عظمية ‏موضوعة الواحدة فوق الأخرى، وتثبّت أربطة ليفية صلبة ترابطها مع بعضها البعض. ويتكون ‏العمود الفقري من 7 فقرات في الرقبة تليها 12 فقرة في منطقة الصدر، ثم 5 فقرات قطنية ‏كبيرة في منطقة البطن، وتحتها 5 فقرات عجزية و 4 فقرات عصعصية ملتصقة.‏

ويمتد من الدماغ حبل عصبي «نخاع شوكي» يمر من خلال تجويف أنبوبي كبير داخل ‏الفقرات. وتتفرع من هذا الحبل العصبي أعصاب طرفية تغذي أجزاء مختلفة في الصدر والبطن ‏والحوض والأطراف العلوية والسفلية. وهذه الأعصاب تخرج من تجويف قناة العمود الفقري من ‏خلال فتحات جانبية، تقع بين العظم والأربطة، وذلك بمعدل عصب في كل جهة، أي على ‏الجانبين لكل فقرة. وعدد الأعصاب هو 31 زوجًا.‏

وبين كل فقرة والأخرى التي فوقها أو تحتها توجد وسادة أو قرص ليفي يمنع احتكاك عظام ‏الفقرات ويعطي لأجزاء العمود مرونة تمكنها من الحركة. أي أنه بوجودها يصبح بمقدور ‏العمود العظمي الصلب للإنسان أن ينحني إلى الأمام بشكل كبير، وإلى الخلف بشكل يسير، ‏وكذا على الجانبين، في مرونة لا تتوفر لأي كائن آخر.‏

عندما يشاهد العمود الفقري من الجانب فإننا نرى أربع انحناءات مختلفة:‏

  • الانحناء العنقي: انحناء محدب
  • الانحناء الصدري: انحناء مقعر
  • الانحناء القطني: انحناء محدب
  • الانحناء الحوضي: انحناء مقعر

يحاول التطوريون في مغالطة واضحة الإيحاء بأن تلك الانحناءات ‏الطبيعية للعمود الفقري تسبب آلامًا ومشكلات للإنسان، بينما الحقيقة أن تلك الانحناءات ‏الطبيعية مصممة لتحقيق أفضل تناسق في حركة الجسم، بينما قد تطرأ على العمود الفقري ‏انحناءات مرضية تسبب انحناء العمود الفقري إلى اليمين أو اليسار وتسمى هذه الصورة ‏المرضية للانحناء بمرض الجنف أو انحناء العمود الفقري.

ولكنهم عابوا التصميم الأساسي ‏المثالي الذي يعطي الإنسان مرونة الحركة، لأن هذا التصميم قابل ‏للعطب،‏ وفرق كبير بين أن يكون التصميم الأساسي معيبًا وبين حالات حدوث عطب ‏فيه منذ الميلاد أو أثناء الحياة.

وتؤدي انحرافات العمود الفقري المزمنة إلى حدوث وضعيات غير مناسبة. وعندما يُترك العمود ‏الفقري في وضعية غير سليمة لفترات طويلة من الزمن، فإنه يعمل على رفع الحجاب الحاجز، ‏ويمنع الجسم من أخذ النفس بالكامل. وهذا من الممكن أن يؤدي إلى خفض الأوكسجين في ‏جميع أنحاء الجسم. كما يمكن أن يضر بأداء الأعضاء الداخلية من خلال الضغط على ‏البطن. أحد كبار الجراحين ادعى في بحث حديث له أن إمالة الرقبة 60 درجة تعادل وضع ‏ثقل عليها يعادل 27 كيلو جرام؛ لذا يجب الحفاظ على وضعية «العمود الفقري السليم» بصورة ‏مثالية أثناء الجلوس والوقوف والنوم، فإن لم تحافظ على عمودك الفقري فيُرجى عدم التبجح بأن ‏تعيب في التصميم، فالتصميم ليس به عيب.

كما أن استناد التطوريين على تصميم العمود الفقري كدليل على صحة التطور هو مغالطة من ‏مغالطاتهم لأن الفكرة القائلة بتطور الكائنات من بعضها البعض تصطدم بالعمود الفقري ‏وتنكسر عليه لمن يعقل. ‏

كيف تطورت الفقاريات أساسًا من اللافقاريات مع كل الاختلافات التركيبية؟!، ثم كيف يمكن ‏ادعاء التطور مع كل تلك الفروق بين العائلات المختلفة في فقرات العمود الفقري، بل وبين ‏نوع ونوع آخر في نفس العائلة. الاختلافات بين كل الأنواع في شكل العمود الفقري وعدد فقراته ‏دراماتيكي بل هي أكبر من الاختلافات بينها في تركيب العين.‏

الجيوب الأنفية:

تؤدي فتحتا الأنف إلى التجويف الأنفي المبطن بالأهداب والأغشية المخاطية والشعيرات ‏الدموية. من المعروف أن الهواء تتم تنقيته عن طريق الأهداب، وترطيبه عن طريق الأغشية ‏المخاطية، وتدفئته عن طريق الشعيرات الدموية، فيما يعرف بعملية تكييف الهواء.‏

والجيوب جانب الأنفية (‏Paranasal sinuses‏) هي فراغات مليئة بالهواء، ‏تتصل بالتجويف الأنفي عبر فتحات خاصة، تقع ضمن عظام الجمجمة والوجه.‏ ويمتلك البشر عددًا من الجيوب جانب الأنفية، والتي تسمى طبقًا للعظام التي تقع ضمنها، وهي ‏في كل جانب:‏

  • الجيب الفكي العلوي: ويدعى أيضًا الغار الفكي العلوي، وهو أكبر الجيوب جانب الأنفية، ويقع ‏تحت العين.‏
  • الجيب الجبهي: يقع فوق العين، في العظم الجبهي، الذي يشكل الجزء الصلب للجبهة.‏
  • الجيب الغربالي: وهو مُشكل من عدة خلايا هوائية ضمن العظم الغربالي بين الأنف والعينين.‏
  • الجيب الوتدي: يوجد في العظم الوتدي في مركز قاعدة الجمجمة تحت الغدة النخامية.‏

ويُبطن كل من هذه الجيوب بغشاء يفرز المخاط، وترتبط تلك الجيوب بتجويف الأنف عبر ‏فتحات صغيرة خاصة تسمح بطرح المخاط والإفرازات من التجاويف إلى الأنف ومنع تراكمها ‏وكذلك تهوية التجاويف.‏

وعندما يكون الإنسان سليم الجسم، فإن المخاط السائل المائي الخفيف، يمر بحرية من الجيوب نحو ‏الجزء الأعلى من الأنف. ولكن، عندما تلتهب الجيوب الأنفية، يصبح المخاط ثخينًا ولزجًا، ‏ولذلك لا يمكنه المرور من الفتحات ‏ostia، التي تقود نحو الأنف، وبهذا يتراكم السائل في ‏الجيوب، مؤديًا إلى زيادة الضغط وحدوث الألم؛ وبذلك يصبح الفرد مصابًا بالتهاب الجيوب الأنفية.‏

يعتبر التطوريون الجيوب الأنفية أيضًا من شواهدهم التاريخية لأنها عيب بقي في مسيرتنا ‏التطورية الزاخرة!‏

يدعي التطوريون أن السبب في أن كثيرًا من الناس يعاني من مشاكل الجيوب الأنفية هو أن ‏فتحتيّ التصريف في الجيبين الأنفيين الفكيين يفتحان لأعلى مما يصعب خروج الإفرازات ‏ويحدث الاحتقان، والتفسير التطوري الدائم أن أسلاف الإنسان كانوا حيوانات تمشي على أربع، وكان الرأس أفقيًا كامتداد للجسم، وبالتالي ‏فإن فتحة التصريف لم تكن لأعلى بل كانت للأمام، فلما انتصب الإنسان حدثت ‏المشكلة.‏

وهذا التفسير معيب لسببين:

· ركز التفسير التطوري على فتحتيّ التصريف في الجيبين الأنفيين الفكيين فقط وتجاهل باقي الجيوب، بينما‏ الجيبان الجبهيان على سبيل المثال: يفتحان في تجويف الأنف لدى الإنسان بفتحتين من أسفل. وفقًا ‏للتصور التطوري لوضعية الرأس لدى تلك الأسلاف فإن وجود فتحتيّ الجيبين الجبهيين لدينا لأسفل يعني أنهما ‏كانتا لدى تلك الأسلاف المزعومة يفتحان للخلف!.

· الأهم، أن الاستدلال التطوري بأكمله لا يصح لأنه يفترض أن الوجه اعوجت وضعيته مع تغير اتجاه ‏العمود الفقري!، في حين أنه مهما كان وضع العمود الفقري رأسيًا أو أفقيًا فالوجه إلى الأمام.‏

ثم أن الشكل الذي عليه هذين الجيبين الفكيين – وهما أهم الجيوب – يساعد على استدامة ‏امتلائهما بالهواء دائمًا حتى في حالة الزفير؛ لذا فموقع فتحتهما في تجويف الأنف لأعلى ‏يعتبر مثاليًا حتى لو نتج عنه تراكم الإفرازات عند حدوث التهاب في الغشاء المخاطي للأنف ‏عند المرض، والتهب الغشاء المخاطي للجيوب بالتبعية له.‏

فالممرات الهوائية ليست مجرد قنوات صافية، وإنما تلعب أيضًا دورًا في عمليتيّ الشهيق ‏والزفير، فأثناء الشهيق تتطاول وتتسع إلى أقصى حد لتسهّل مرور الهواء، بينما وقت الزفير ‏يقل طولها وقطرها بفعل ارتفاع الضغط داخل القفص الصدري للإسراع في طرح الهواء.‏

والجيوب الأنفية تؤدي وظائف هامة:‏

• الجيوب الأنفية مبطنة بالغشاء المخاطي ذاته المبطن للأنف مما يساهم في زيادة ‏مساحة الغشاء المخاطي الأنفي، ولهذا أثره في القدرة على التنفس والشم.‏

• تعمل الجيوب الأنفية على ترطيب وتدفئة الهواء المُستنشق بسبب ارتداد الهواء ‏البطيء في هذه المنطقة.‏

• الجيوب الأنفية المليئة بالهواء تساعد على خروج الصوت بشكل أفضل، ونلاحظ عند ‏تضخمها عند الإصابة بالأنفلونزا تأثر الصوت بشكل سلبي.‏

• يعتقد أن وجود الجيوب الأنفية يلعب دورًا هامًا في التخفيف من ثــقل حجم الجمجمة ‏على الرقبة والجسم. ‏

• تعمل الجيوب الأنفية على عزل تراكيب حسّاسةَ مثل جذور الأسنان والعينين من ‏تقلبات درجة الحرارة في التجويف الأنفي.‏

• عند إصابة الإنسان في حادث تحتوي الجيوب الأنسجة والعظام المتهتكة فلا تصل إلى ‏المخ، وتساعد على سلامة الجسم.‏

ولا زالت هناك دراسات متزايدة لفهم الجيوب الأنفية وما يمكن أن تكون تؤديه ‏من وظائف، خاصة أنه من المعروف أن السقف الأنفي الذي تفتح فيه الجيوب هو المنطقة ‏الشمية من الأنف، والمحتوي على المستقبلات العصبية والألياف العصبية والبصيلات الشمية، ‏وكلنا نلاحظ تأثر حاسة الشم سلبًا عند انتفاخ تلك الجيوب، وفي كثير من الأحيان يمكن أن ‏يؤدي التهاب الجيوب الأنفية المزمن إلى الخُشام، وهو انخفاض في حاسة الشم. مما يعزز ‏التصور بأن اتصال تلك الجيوب مع الأنف من الجهة العلوية له علاقة وطيدة بحاسة الشم ‏لدى الإنسان.‏

كما أنه رغم أن أسباب التهاب الجيوب الأنفية المزمن لدى كثير من البشر لا زال محل دراسة ‏إلا أن الثابت حتى الآن أن الجيوب الأنفية تلتهب بالتبعية لالتهاب ومرض يصيب الأعضاء ‏المجاورة لها كالأنف – بالدرجة الأولى – والأسنان، ولا يمكن أن تكون الجيوب هي المصدر ‏الأساسي للمرض.‏

إضافات عن الجيوب الأنفية من د/مازن دهان:‏

بالنسبة للجيب الفكي العلوي ‏maxillary sinus‏، فالكلام عن أنه هنالك التهابات عند أغلب الناس بسبب تموضع فتحة الجيب الفكي العلوي في ‏الاعلى غير صحيح. الالتهابات تحدث نتيجة أن الانسان يتعرض لهواء بارد بشكل ثانوي (نتيجة وجود جراثيم ‏موجودة أصلًا في كل مخاطيات الجسم وعند ضعف مناعة المخاطية يحدث الالتهاب الثانوي) ‏أو بشكل أولي بسبب عدوى فيروسية ‏

والفتحة أصلًا كبيرة كفاية بحيث تسمح بتسخين الهواء، وتملك وظيفة تصويتية للكلام، و‏تشغل 50 ٪-60 في القسم العلوي من كل ارتفاع الجيب الفكي العلوي، حتى يكاد يقال أن الجيب الفكي العلوي من الناحية الأنسية والمطلة على جوف الأنف يكون ‏جداره شبه مفتوح بالكامل على جوف الأنف.

أما سبب تموضع الفتحة في القسم العلوي بنسبة 60٪ وليس بشكل كامل فهنالك إعجاز علمي ‏في خلق الإنسان، وهو أن طريق الهواء الداخل عبر الأنف أثناء الشهيق يختلف عن طريق الهواء الخارج عبر ‏الأنف بالزفير؛ فدخوله يجري عبر الأقسام العلوية من الأنف بسبب أنه نقي وكون المستشعرات الشمية تقع ‏في أعلى الأنف وتتصل مع العصبين الشميين عبر الصفيحة الغربالية ‏cribriform plate‏ ‏لذلك يجب أن تتموضع الفتحة في الأعلى كي يتم تسخين الهواء الداخل إلى الطرق التنفسية، ‏فيمر أولًا بالفتحة المتصلة مع الجيب الفكي العلوي ولو كانت بالأسفل كما يقال لما تسخن ‏الهواء ولنشأ الالتهاب نتيجة أن الجيوب غير المهواة تصبح أكثر عرضة للالتهابات و‏للفطريات والجراثيم والفيروسات وليس العكس.

بينما خروج الهواء الذي تم على احتكاك مع أنسجة الرئتين والمخاطيات يجري عبر مجرى ‏التنفس السفلي الخالي من النهايات الحسية الشمية، وهذه معجزة في جسم الإنسان كي لا يشم ‏الإنسان الرائحة الخارجة منه، وتكون محملة بثاني أكسيد الكربون ونواتج الاستقلاب ‏ولو شمها الإنسان لكره نفَسَه.

بينما الهواء الداخل يجرى حصرًا عبر مجرى التنفس العلوي لأنه نظيف، ولأنه يجب أن يستشعر ‏الإنسان ما يشم من الهواء الداخل ليعرف الرائحة القادمة من الخارج وليس القادمة من الداخل.

فكيف إذا كانت الفتحة تقع في القسم السفلي من الجيب الفكي العلوي؟

سيتم تسخين الهواء، علمًا ‏أن الجيب الفكي العلوي في كل فك حجمه وحده حوالي 10 ‏cm‏ مكعب، ويعد أكبر من ‏الجيب الجبهي وحده الذي يشكل 7 ‏cm‏ مكعب تقريبًا، حتى أن الجيب الجبهي لا يكون ‏موجودًا عند الاطفال حتى يبدأ في التشكل في سن الأربع – خمس سنوات إلى أن يصبح عمر ‏الإنسان حوالي 15 سنة، بينما الجيب الفكي العلوي يكون كبيرًا منذ الولادة.‏

جراب دب الكوالا:

دب الكوالا المهدد بالانقراض هو حيوان جرابي (كيسي) كالكُنغر، يقضي أغلب وقته يتسلق على جذوع ‏الأشجار، والكيس الجنيني للأنثى الذي تحتفظ فيه بالجنين ليكمل نموه كباقي الجرابيات يفتح إلى أسفل، وهذا مما يعتبره التطوريون عيبًا لأنه لا ‏يتلاءم مع ظروف معيشتها؛ إذ سيجعل الابن أكثر عرضة للسقوط أثناء تسلق أمه للأشجار.‏

بالطبع فإن هذه نظرة قاصرة لأن هذا الابن سيقضي ‏حياته يتسلق الأشجار مثل أمه، وبالتالي فالوضع الذي يتخذه في تمسكه بأمه طيلة استكماله ‏لنموه الجنيني هو جزء من تهيئته وتدريبه على حياته المستقبلية كي ينشأ متكيفًا معها.‏ ومثال الكتكوت الذي يُترك حتى يكسر البيضة ليعيش فإن تلقى مساعدة في كسرها ‏من الخارج لم يستطع مواجهة الحياة هو مثال شهير.‏

هناك أمر آخر هو أن أنثى الكوالا تلد صغيرًا واحدًا كل مرة يعيش في أول الأمر في جراب ‏الأم ويتغذى بحليبها، ثم تبدأ الأم تفرز طعامًا أخضر غير مكتمل الهضم فيلعقه الصغير ‏بلسانه، وجراب الأم مفتوح من الجهة الخلفية ليستطيع الصغير بلوغ الطعام.‏

لكن التطوريين يدعون أن الكوالا قد تطور من حيوان حفار كيسي قديم شبيه بحيوان الوومبت، ‏والوومبت هو حيوان حفار جرابه يفتح إلى أسفل كي لا يدخل التراب المندفع أثناء الحفر في ‏الجراب، فاعتبر التطوريون وجود الجراب ذي الفتحة السفلية متلائمًا في الحيوان الذي عدوه ‏سلفًا، وعيبًا في الحيوان الذي افترضوه تطور منه.‏

علمًا بأن الجرابيات بالذات تمثل معضلة كبيرة للتطوريين لأنها تتشابه مورفولوجيًا وتشريحيًا ‏مع نظيراتها من المشيميات، بينما يدعي التطوريون انفصال كل مجموعة منهما عن الأخرى ‏من حوالي 120 إلى 160 مليون عام، ومع ذلك حدثت كل تلك التشابهات التي ترقى إلى حد ‏التطابق بين أفراد كلا المجموعتين!!!!‏

وهناك معضلة أخرى عند إدعاء أن سلفًا مشتركًا جرابيًا كان للكوالا؛ إذ كيف يمكن التعرف من ‏خلال حفرية أي كائن على أنه جرابي أو مشيمي؟!!!‏

وبالتالي فإن مسألة جد الكوالا شبيه الوومبت هو افتراض خيالي احتمالية إثباته صفرية.‏

المراجع (بترتيب الاستخدام في المقال):

Gray’s Anatomy, 39th edition 2005, p. 1053.

http://www.weloennig.de/LaryngealNerve.pdf

Gray’s Anatomy, 1980, p. 1081, similarly also in the 40th edition of 2008, pp. 459, 588/589

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3433978/

http://casereports.bmj.com/content/2009/bcr.10.2008.1107.full

http://www.menshealth.com/health/the-effect-of-heat-on-sperm-production

http://www.yoursexualhealth.me/articles/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%A7%D8%B3%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%8A

http://www.aljazeera.net/news/scienceandtechnology/2014/9/9/العلم-الحديث-يؤكد-شكوك-دارون

William Dembski & Sean McDowell, Understanding Intelligent Design: Everything You Need to Know in Plain Language, pg. 55 (Harvest House, 2008), emphasis in original.

http://bit.ly/2kCf4pZ

http://bit.ly/2jP7k4r

http://www.creationmoments.com/content/design-human-eye

Charles Darwin in The Origin of Species, J. M. Dent & Sons Ltd, London, 1971, p. 167. (p. 18 of The Revised Quote Book)
https://goo.gl/uD3zUQ

https://goo.gl/VWl4Er

https://goo.gl/GGPRS5

https://goo.gl/G7UNOl

http://www.reuters.com/article/us-camera-eye-idUSN0647922920080806

Amichai M. Labin, Shadi K. Safuri, Erez N. Ribak, and Ido Perlman, «Muller cells separate between wavelengths to improve day vision with minimal effect upon night vision,» Nature Communications, DOI: 10.1038/ncomms5319 (July 8, 2014).

http://www.nature.com/articles/ncomms5319

Prof. Dr. Ali Demirsoy, Kalitim ve Evrim (Inheritance and Evolution), Meteksan Publications, Ankara, p. 47

https://phys.org/news/2014-07-fiber-optic-pipes-retina-simple.html

http://phenomena.nationalgeographic.com/2009/02/08/living-optic-fibres-bypass-the-retinas-incompetent-design/

http://www.pnas.org/content/104/20.toc

http://www.pnas.org/content/104/20/8287.full.pdf

https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/20482021

http://www.detectingdesign.com/humaneye.html#Inverted

http://www.huffingtonpost.com/2015/03/18/human-retina-backwards_n_6885858.html

http://www.nature.com/articles/ncomms5319

http://www.bbc.com/news/science-environment-31775458

http://meetings.aps.org/Meeting/MAR15/Session/S47.2

https://youtu.be/GMsdCsNz7L4

http://www.nytimes.com/2011/08/23/science/23conversation.html?src=recg

http://www.healthline.com/human-body-maps/sinus-cavities-sinuses

http://www.webmd.com/allergies/picture-of-the-sinuses#1

https://www.reference.com/science/function-nasal-cavity-748025b569e64a4#full-answer

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد