(1)

يغلب على ظني أن ما وجدته من عناء عند التسجيل في مدونات الجزيرة – قد واجه كثيرين من راغبي التدوين في منصة الـAJA. فما هي أصعب حقول استمارة التقديم؟ وما الذي يجعلها بهذه الدرجة من الصعوبة والتعقيد؟

إن أصعب الأسئلة التي تواجهنا في الحياة هي تلك المتصلة بذواتنا وخصوصياتنا – كما ندعي – وإن كانت الأخيرة سلمًا نكثر من استخدامه للهروب من، أو عدم الرغبة في التصريح. وليس بعيدًا عنا اجتهاد النساء في إخفاء العمر، وفي محاذاتهن غضبة الرجال وهروبهم عن سؤال الراتب والدخل.

(2)

بعد أن تتعرف مدونات الجزيرة على اسمك الصريح ومحل إقامتك ومهنتك العادية، تعمد إلى استفزازك بحقل احترافي عن «الصفة». وقد توقف حماري عند عقبتها طويلًا وإن لم أكن شيخًا كما يقول المثل، لكنه استثقل المسير إذ لم يكن راكبه حاضر الصفة حينها، لا سيما وأن مصمم الأبليكيشن لم يعط تفاصيل «أوفى» حسب لغة الإعلام.

قد تكون الصفة المرادة هي صفتك الفكرية؛ إذ إن الموقع منصة للكتابة والتدوين وتبرج الفكرة والرأي. وقد تكون الصفة المرتبطة بوظيفتك الاجتماعية؛ فالصفة الفكرية نفسها قد لا تكون متماسكة بقدر كبير؛ إذ لا تعدو كونها مرآة لصفتك الاجتماعية المستقاة من نشاطك الاجتماعي وحياتك الطبيعية في مجتمعك الصغير أو الكبير.

وقبل أن يلتقط المدون أنفاسه – بعد فراغه من تصميم صفته على عجل؛ إيفاء بمتطلبات التسجيل – يجد نفسه في «مطب» ذهني آخر عنوانه «الملخص». وكأن مصمم الطلب قد تعرف عليك (متجمعًا) في صفة واحدة عند حقل «الصفة» ويرغب تاليًا في التعرف على تفاصيل موجزة وملخصة. فكيف تعامَل نظرائي من حدثاء العهد والتجربة مع حقل الصفة ومساحة الملخص؟

(3)

في برنامج نموذج «ASC» يواجه الطلاب صعوبات كبيرة في تحديد مواهبهم الشخصية وهواياتهم وأنشطتهم المفضلة، فضلًا عما يجدونه من صعوبات عندما يطلب منهم النموذج تحديد الطموحات والاتجاهات المهنية. ولعل ما واجهني عند التسجيل في الموقع، هو نفسه ما يواجه طلابنا عند استخدامهم النموذج لأول مرة. واتفقت معظم تعليقات مستخدمي «ASC» على أن أبرز فوائد النموذج: مساعدة المستخدم في اكتشاف ذاته، والتعرف على شخصيته بدرجة تمكنه من صياغة صفة شخصية أكثر وضوحًا، إلى جانب مساهمته في تعزيز ثقة الطالب بنفسه نتيجه لاكتشافه قدرات ومهارات وميولًا كامنة، حسب تعبير أيمن حماد عبدالساتر وهو طالب جامعي سوداني يوصف بأول مستخدم لـ«ASC».

(4)

قد يكون مرجع الصعوبة عند تصميم الصفة الشخصية ارتباطها بما يمكن أن نطلق عليه «الوظائف الاجتماعية» وأقصد بها تلك المرتبطة بالتواصل المباشر مع احتياجات الناس أو مع أفكارهم واختياراتهم الذهنية أو أمزجتهم وميولهم. ولا يخفى على القارئ أن كل الوظائف ذات صلة بوصف «الاجتماعية» بدرجات ونسب متفاوتة.

أمر آخر – فيما يتصل بتصميم الصفة – هو تأثرنا البالغ بآلة الإعلام وسطوة ضخه المستمر، وقد نستخدم دون وعي منا لغته وأسلوبه عند صياغة الصفات ونعت الأشخاص. ومن مظاهر ذلك أن بعض المدونين يصف نفسه بصفة «كاتب» أو «باحث» دون تحديد لاتجاه كتاباته أو مجال بحثه. ومنهم من يشتط أكثر فيطلق على نفسه صفة «مدون» فقط. والصفات الأخيرة ونحوها عادة ما تستخدمها القنوات في وصف من تستضيف، وقد لا يسمح لها الوقت أو طبيعة البرنامج بتفصيل أكثر عن صفة المستضاف فتعمد إلى الاختصار وإطلاق صفات مختصرة، مبهمة، وخفيفة تؤدي الغرض ولا تتسبب لها في مشكلات مع ضيوفها أو مع الجهات التي يمثلونها. وكونها مقبولة إعلاميًا لا يمنحها نفس درجة القبول كصفة شخصية من قِبل الشخص نفسه.

(5)

سواء كان المطلوب من المدون كتابة صفه تحدد مجال اهتمامه الفكري وتخصصه الكتابي، أو وظيفته الاجتماعية ومجال نشاطه الميداني؛ فإن كل ما «ذُكر» من قبل المدونين يظل صحيحًا ومؤديًا للغرض بدرجات متفاوتة. وإن كان تحديد الصفة الشخصية في كل مرحلة من مراحل الحياة ضرورة (مهنية واجتماعية) تمنح الشخص مؤشرًا لقياس درجه تقدمه ونموه، وتحفظ لكل منا توازنه الداخلي ونظرته للآخرين، ومن ثم تحفظ توازن المجتمع نفسه بتجنيبه تقاطعات الوظائف الاجتماعية وما يستتبعها من صفات للأشخاص، فضلًا عن علاقة الصفات الشخصية بثقافة التخصص التي لا يزال البحث عنها جاريًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد