بدأ الإعلان منذ قرون عديدة، ويمكن نسبه إلى أيام قدماء المصريين والصينيين والإغريق، فقد وجد دارسو التاريخ في تلك الأيام أول بداية واضحة لاستخدام الإعلان لأغراض تجارية. في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، أضيفت أبعاد أخرى جديدة تهدف إلى زيادة متابعة مبيعات كتاب، كما إن أقدم مطبوعة للإعلان ما تزال موجودة في المملكة المتحدة، وترجع إلى عام 1477. هذا بالصورة العامة. لكن لم يكن الإعلان كما هو معروف اليوم، وبالتعريف الواضح في وقت الثورة الصناعية.

من أهم عوامل ظهور الحاجة الماسة إلى الإعلان تطور المجتمع، وانتشار التعليم والثقافة، ما أدى إلى أن يأخذ الإعلان بمكانه عنصرًا أساسيًّا في الحياة التجارية. مع التقدم التكنولوجي، وبعد الحرب العالمية الأولى، ظهر أول إعلان سينمائي سنة 1920، وظهر الإعلان في الراديو في الولايات المتحدة ودول أخرى، ومع ظهور التلفزيون سنة 1950 حدثت ثورة في عالم الإعلان، واكتشف المعلنون القوة الفريدة للصورة التلفزيونية، وتأثيرها في الملايين وهم في منازلهم بعدما كان توجههم نحو الصحف والملصقات الجدارية، ما أدى إلى زيادة الميزانية الإعلانية في مختلف الشركات المعلنة، وزادت كذلك الرقابة الصارمة على الشركات بما تدعيه عن منتجاتها.

من هنا، ظهرت الحاجة إلى تعريف واضح وصريح للإعلان الجيد والهادف؛ حتى يكون «قانونيًّا- مهذبًا- أمينًا- حقيقيًّا»، وبهذه الصفات يمكن التحليل الحقيقي لأي إعلان وماهيته ومدلوله وأهميته الحقيقية، أو العكس. وجد بالتجربة أن الميزانية الضخمة للإعلانات تؤدي إلى زيادة التنافس، وتحسين الجودة، ولا تؤدي إلى رفع الأسعار كما يظن بعض رجال الاقتصاد بأن تخفيض الميزانية الضخمة للإعلان يؤدي بالتبعية إلى تخفيض سعر المنتج، وهكذا بدأ الإعلان في الوجود والتأثير في أسواق الإنتاج.

نخلص إلى أن العلاقة طردية بين الإنتاج والإعلان، فالمخازن المكدسة بالبضائع الوفيرة تحتاج بالضرورة البحث عن مشتريها، لذا صناعة الإعلان هي نتاج طبيعي للثورة الصناعية بما يصاحبها من كثافة في الإنتاج لكل أنواع البضائع. وحتى بداية القرن العشرين، كانت البضائع والأغذية تعبأ في أعمدة أو أنابيب دون أي تعليمات عن مصدرها؛ لتتطور بذلك العلامة التجارية التي تعبر عن التميز للمنتجات العالية الجودة، وتكون وسيلة يستطيع بها المستهلك أن يتأكد من أن شراءه بضائع لها الجودة نفسها ممكنٌ في المستقبل. وبالفعل أصبحت العلامة التجارية تمكنهم من سرعة إثبات تميزهم، ومنحتهم الفرصة لتوسيع شهرتهم، أما «اللوجو»، فهو نتاج طبيعي للعلامة التجارية رغم استمرار وثبوت هويته الأصلية.

عندما يواجه المصمم منتجًا أو خدمةً ليعلن مميزاتها، تبدأ مرحلة صنع القرار بالنسبة للإعلان، فعليه أولًا أن يحدد نوع العرض الذي يراه أكثر احتمالًا أن يؤثر، واضعًا نصب عينيه نوع المستهلك.

وما بين التخيل والواقع الذي يشغل عقل المصمم المعرفي، وما يقدمه من أساليب تنطبق قواعدها على كل مظهر من مظاهر تصميم «الجرافيك»، فإن المصمم يتحمل معظم المسؤولية نحو الإعلان. كل المزايا التي تستخدم لإعلان المجلة يمكن توظيفها لتتلاءم مع التلفزيون بمبادئ فن «الجرافيك». عليه كذلك -المصمم- أن يكون ملمًّا بأساليب الدراما فقد تصل جودة الإعلان أن يكون مسليًا أو رساليًا أكثر من البرنامج المساند له.

نخلص من تعدد التعريفات لكل من فن «الجرافيك» وعلاقته بالإعلان والدراما وأشياء أخرى إلى إنتاج إبداعي، أو الاقتراب من أحلام المستهلك واقتحامها، وهذا يتطلب استكشاف الدوافع المرتبطة بتلك الأحلام، مثل الرغبة في البناء، أو طلبًا لحماية أو لملكية، أو الرغبة في تحقيق قوة ما، أو الصعود إلى طبقة اجتماعية، أو ببساطة الحصول على علة المتعة.

لا بد أن يكون هناك مصطلح يجمع تعريف ما سبق في إطار واضح وصريح، ويدمج بين (الإنتاج- التصميم- الجرافيك- الدراما- الأشياء الأخرى كالإعلام والاقتصاد)، ويبين العلاقة الطردية في وصف «التصميم الإنتاجي». هذا الوصف يعني العلاقة بين فن «الجرافيك» وأساليب فن الدراما، وربطها بمقومات الإنتاج، واستغلال كل ما يخدم المستهلك والمُنتج للحصول على رغبة ومتعة متبادلة، وصولًا إلى زيادة الثورة الإنتاجية للشركات والأفراد، المُنتجة منها والمُعلنة، وتوطيد الثقة للوصول إلى مظهر مجتمعي راقٍ ومتقدم. ويكون جامعًا مبادئ فن «الجرافيك» وأساليب الحياة المتعددة في سبيل تطويع الشكل والجوهر على أسس هندسية صحيحة، ومقومات جودة عالية.

هنا على سبيل النقاش بين علاقة فن «الجرافيك» والإعلان، فكلمة «جرافيك» تعني أي شيء مكتوب أو مرسوم أو محفور، لذا فإن تصميم «الجرافيك» ينطبق على أي فن من الفنون المرئية، خاصةً الفنون ذات الأسطح الثنائية، أي إن الرسم وأعمال الطباعة من فنون «الجرافيك». ورغم أن أهداف الرسامين والفنانين ومصممي الإعلان تختلف تمامًا عن بعضها بعضًا تبعًا للموضوع المتناول، فإن التعريف الأكثر تخصصًا وقبولًا هو «فن التصميم الإنتاجي» كون هذا المصطلح مرتبطًا بالاتجاه التجاري والإعلاني.

عادة يكون للتصميم الإنتاجي غرضٌ بعينه، قد يكون بيع سلعة، أو ترويج فكرة، أو صنع كتاب مقبول جذاب، أو لفت الانتباه إلى شيء ما، أو الشيء نفسه الذي يحمل التصميم، أو منتجًا آخر. ومن الاختلافات الأساسية بين فن تصميم «الجرافيك» وغيره من أنواع التصميمات الأخرى، نوعية الجمهور الموجه إليه، فالرسام والنحات والمصور يمكن أن يكون تصميمه موجهًا إلى سوق محدودة. في المقابل، يجب أن يكون «الجرافيك» معنيًا بالوصول إلى عدد كبير من الناس والتأثير فيهم، لذلك على المصمم الإنتاجي أن يكون مدركًا ردود أفعال الجمهور نحو الأشكال والأحجام والخطوط والنسيج والألوان والأفكار. من هنا نجد أن «التصميم الإنتاجي» كما أنه وسيلة تجارية، فهو فن متطور ويخضع لما تخضع له الفنون الأخرى، إضافة إلى العناصر التجارية التي تحكمه وتؤثر فيه، وأيضًا تقاس درجة نجاحه بمدى ما تحقق فيه من عناصر النجاح التجاري والفني في الوقت نفسه، ويمثل هذا النجاح الوصول إلى الجمهور المستهدف وتحقيق رسالته.

أما عن أهمية دراسة فن «الجرافيك» والأساليب الأخرى لفن الدراما وغيرها، فهذا يلخص «التصميم الإنتاجي» لكل المشتغلين بهذا المجال، باعتبار أنه يمثل الجانب الابتكاري في العملية الترويجية. مثلًا، كان المفهوم السائد في الماضي أن هناك شركةً كبرى تنتج منتجًا معينًا ثم تروجه، أما الآن فأصبح واضحًا أن هناك شركات متخصصة في التصميم الإنتاجي لترويج السلع المختلفة، ويتوقف على التصميم الإنتاجي مدى نجاح العقول المبتكرة، والجهود الإعلانية التي تفعلها المنشأة المُعلنة، باعتبار أن الابتكار هو قلب الإعلان، وأن التصميم الإنتاجي هو التعبير الابتكاري عن الأفكار الخلاقة، وأن القدرة على ابتكار أفكار جديدة متطلب أساسي لنجاح الإعلان.

كذلك فالرسالة الإعلانية الفعالة هي التي تعتمد المهارة في ابتكار الفكرة، والأسلوب وطريقة المعالجة التي يمكن أن تؤدي إلى تحقيق الأهداف الاتصالية للإعلان. من جهة أخرى، لم يعد الإعلان اليوم مجرد جهد فردي لمحرر أو لمصمم أو لرسام، وإنما أصبح جهدًا جماعيًّا متكاملًا لفريق من المتخصصين في مجالات الإعلان المختلفة في إطار الإستراتيجية الابتكارية، عبر: تحديد الأهداف الإعلانية، واقتراح الأفكار الصالحة للبيع، ورسم الخط الإعلاني الأساسي وتحديد الجاذبيات الإعلانية، وتقرير خطوات الحملة الإعلانية والأشكال المختلفة التي تستخدمها الإعلانات المتضمنة بها، وهي نوع المهمات والمسؤوليات التي يصعب على فرد واحد فعلها. وفي الوقت نفسه، يؤدي تكامل جهود المتخصصين والفنيين إلى إمكانية تحديد هذه الخطوات الأساسية، وبلورتها بصورة تتضمن إمكانية تحقيق الأهداف الإعلانية تحقيقًا ناجحًا.

يتطلب ذلك كله أن يكون أعضاء الفريق الإعلاني على دراية كاملة بمتطلبات العمل الفني ومسؤولياته، وما ينطوي عليه من جهود ابتكارية خلاقة. من هنا، فإن التصميم الإنتاجي يشهد صراعًا بين اتجاهين: أولهما رغبة فنانيه في تقديم المزيد من الأفكار الإعلانية المبتكرة، وثانيهما حرص المعلن على التأكد من مدى قدرة الأفكار الإعلانية الجديدة على تحقيق الأهداف الإعلانية. وتبرز أهمية بحوث الإعلان بعدد من الأفكار والمعلومات التي تساعده في تكوين الأفكار الإعلانية، وهي تتماشى بدورها مع اتجاهات المستهلكين واهتماماتهم، وتؤدي إلى زيادة فعالية الإعلان، ما يؤكد أن التصميم الإنتاجي ليس عملية اجتهادية، بل يخضع للتقنية العلمية.

أخيرًا، فإن التطور المرتقب في مجال التصميم الإنتاجي سيزيد أهمية الجانب الابتكاري في الإعلان، لأن المزيد من النشاط الإعلاني في العالم؛ سيؤدي إلى المزيد من الاهتمام بابتكار أفكار إعلانية خلاقة، ولن تحوز السبق إلا الفكرة الإعلانية المبتكرة النابعة من تكامل الدراسة العلمية التخصصية، والموهبة الفنية، والخبرة المتمرسة.

فكما للدراما وللإعلان دور في إبراز مفهوم التصميم الإنتاجي، ربما يكون للأشياء الأخرى دورٌ مهم في توسيع هذا المفهوم، وإدخاله مجال العلوم والاقتصاد، لذلك نرى تأثير الفيزياء أو الكيمياء في تحويل الإبداع إلى منتج واقعي وملموس، ضمن معايير جودة عالية ومنطقية، وضمن مبادئ التصميم والمفاهيم الأسلوبية للتوصيل المرئي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد