عند ممارسة التفكير ينبغي التوقف ثم معاودة التفكير، وهذا الأسلوب من أهم الطرق التي تعطي للأفكار فرصة لكي تنضج، قبل الاهتمام بتسويقها ونشرها بشكل واسع. عند تداول فكرة ما يجب أولًا فهم تلك الفكرة بالطريقة الصحيحة التي تخول للفرد تبني تلك الفكرة عن قناعة، وليس كتقليد فقط.

فكرة العصيان المدني في حد ذاتها معظم الناس لا تفهم الكلمة بفحواها الصحيح أو ما تعبر عنه تلك الفكرة بالشكل السليم.

ما يتم تداوله الآن عن فكرة تطبيق العصيان المدني خاطئ؛ لأن فهم متلقي الفكرة غير صحيح وحتى مروجها لا يفهم الفكرة بشكل سلس ليستطيع إقناع من يحاوره بضرورة تطبيق أو عدم تطبيق تلك الفكرة.

العصيان المدني يربطه المتلقي بفكرة إغلاق المحلات وعدم الذهاب للوظائف، سواء كانت عن الدولة أو الخواص، ويرتبط هذا المفهوم بالاستعداد الجيد له، يتم على إثر هذا اللهف وراء كميات السلع والمواد الأولية قبل بداية هذا العصيان ظنًا من متلقي الفكرة أنه ستكون هناك مجاعة أو ندرة.

العصيان المدني لا يشمل ما ذكر سابقًا، بل يشوه صورته الراقية التي من المفروض أن يسوقها صاحب هذه الفكرة، حتى وإن لم نعلم صاحب الفكرة الأصلي.

العصيان المدني هو وسيلة سلمية تتضمن مخالفة صريحة للأنظمة والقوانين بهدف إجبار السلطات الحاكمة على الانصياع لمطالب المحتجين الشرعية. وليس غلقًا للمحلات التجارية والمستشفيات وغيرها، هذا تصرف خاطئ وفكرة خاطئة عن العصيان المدني.

العصيان ليس غلق المحلات التي يقتات منها الفقراء وذوي الدخل المحدود، وليس إغلاق المخابز وغيرها لأن هنا يمكن القول إن الضرر يعود على الشعب في حد ذاته.

العصيان يكمن في فكرة ناضجة مخالفة صريحة للأنظمة والقوانين بهدف إجبار السلطات الحاكمة على الانصياع للمطالب، هذا يشمل الإدارات التي بمساس نظامها تكون قد حققت نجاح وتم سماعك من طرف السلطة.
القطاعات الحساسة هي التي يجب أن يمسها العصيان، وليس شيئًا آخر؛ لأن غير ذلك يصبح الشعب يضر بالشعب بالتطبيق الأعمى لمفهوم العصيان.

أحد أبرز من كتبوا في مجال المقاومة السلمية، الكاتب الأمريكي جين شارب، رئيس مركز ألبرت أينشتاين لدراسات اللاعنف، وقد أطلق على شارب إعلاميًا لقب ميكافيللي اللاعنف، وذلك لإنجازاته الموثقة في هذا المجال.
في كتابه The Anti-Coup ضد الانقلاب، يشرح شارب كيفية مواجهة الانقلابات العسكرية من خلال وسائل الكفاح السلمي، والتي تعتمد بشكل رئيس على استراتيجية العصيان المدني.
في كتابه من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، يضع شارب أنواعًا مختلفة من النضال السلمي تتضمن العصيان المدني، والذي يشمل بدوره العصيان الاجتماعي والاقتصادي وبالطبع السياسي.

فيما يخص العصيان السياسي، عدد شارب عشرات التكتيكات التي يستطيع أنصار الديمقراطية استخدامها، مثل مقاطعة الهيئات التشريعية ومقاطعة الانتخابات ومقاطعة المراكز والوظائف الحكومية والدوائر والوكالات والهيئات الحكومية، ورفض مساعدة الجهات التنفيذية، ورفض حل المؤسسات القائمة.

أما فيما يخص العصيان الاقتصادي، فهناك الإضرابات الزراعية والصناعية والجزئية التي تتقيد بمقدار زمني محدد، بالإضافة إلى الامتناع عن قبول النقد الحكومي، والامتناع عن دفع الرسوم والمستحقات والضرائب الحكومية.

أما الحديث عن العصيان المدني بمفهومه الصحيح فلا أعتقد أنه فكرة سديدة في الوقت الراهن وليس وقته الآن، فرضًا قام الشعب بهذا التصرف ولمدة خمسة أيام، ولم تستجب السلطة ولم تتجاوب معه، ماذا يكون بعدها؟ الرجوع للمظاهرات بعد كل ظهر جمعة ؟ ها هنا تقدمنا خطوة ورجعنا خطوتين.

لذلك أرى أن فكرة العصيان المدني ليست مبنية على أسس صحيحة في الفترة الحالية، بل التريث وتحكيم العقل قبل التسرع والاندفاع سيجنبنا الكثير؛ لأن ما بعد العصيان لا فكرة تلوح في الأفق لتطبيقها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات