اليأس شعور داخلي بالقنوط والإحباط لدى الإنسان، يدفعه إلى فقدان الأمل تجاه موضوع معين أو أمر ما، فهو ينشأ عند اعتقاده بأنه لن يكون قادرًا على الوصول إلى ما يريد الوصول إليه، فالسعادة لا تكون إلا من خلال البعد عن اليأس، الذي يختلف أسبابه باختلاف الأشخاص مثل السعادة، فأمور يأسك غير أمور يأس غيرك، ولكن في النهاية مفتاح البؤس واحد مهما اختلفت الأقفال.

 

القصة تبدأ من هنا، فحياة الإنسان لا تخلو من صعوبات ومشاكل، ولا تخلو من نجاح وفشل، فالفشل دليل على وجود النجاح، كما قالوا إنه أول طرق النجاح، فالناس بجميع طبقاتهم ومستوياتهم لديهم مشاكل وصعوبات ـ الغني والفقير والكبير والصغير ـ ولكن ليس المهم ما يقع عليك ولكن الأهم بأي عين تنظر للحدث، بعين المتفائل المستبشر بالخير، أم بعين المتشائم المتكهن بالشر؟ فتأكد من لون نظارتك التي ترتديها، أهي سوداء مظلمة أم بيضاء مشرقة؟ صاحب النظارة السوداء لا يرى إلا الظلمة والنقص والفشل كسوادها، وصاحب النظارة البيضاء ــ ذلك المطمئن بالله المتوكل عليه الراضي بقدره ــ لا يرى إلا الخير القادم والنجاح العاجل، فأنت من ترتدي نظارتك وتقرر بها حياتك أهي سوداء أم بيضاء.

 

ومما لا شك فيه أن التفكير في اليأس يجلب البؤس – الفقر الشديد – فالإنسان في هذه الحياة معرض للخير والشر، وقد اقتضت سنة الله تعالى أن يختبر عباده ويضعهم في دائرة الامتحان ليختبر قوة إيمانهم وتحملهم ومقدار صبرهم قال تعالى: «ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين» ومن المعلوم أن الابتلاء يأتي على قدر إيمان المرء، فقد يكون الابتلاء في الأموال عن طريق الضياع والخسران، وقد يكون الابتلاء في الولد أو في الإنسان نفسه بتعرضه للمرض والجوع.

 

ألم تعلم من قبل أن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، كان أشد ابتلاءً لقوة إيمانه! فقد تعرض للتكذيب والاستهزاء والسخرية، حتى وصل الأمر بالاتهام بالجنون والكهانة والسحر والافتراء، وقتل أصحابه والتنكيل بأتباعه، بالإضافة إلى الابتلاء في الولد والجوع والفقر، وغير ذلك من الابتلاءات التي تعرض لها رسولنا الكريم محمد سيد المرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ــ لا نستطيع حصرها لضيق المقام، ولكن يكفينا الإشارة إلى بعضها، لكي يفكر القارئ ويسأل نفسه أي بلاء تعرض له أشد من هذه الابتلاءات؟ وما هو موقفك منها؟ هل كان الصبر والتفاؤل أنيسه؟ أم اليأس والتشاؤم جليسه؟ فقد سأل سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، وما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة» (رواه الترمذي).

 

إنني أسائلك أيها اليائس من أين يأتي البلاء؟ من الذي ينصرك بعد بلائك؟ فما علامة يأسك وتشاؤمك! أليس هناك حكمة وراء كل محنة وفتنة؟! عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط» [رواه الترمذي]. وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده خيرًا عجل له العقوبة في الدنيا» (رواه الترمذي).

 

فلا تدع نفسك تصطدم بحائط اليأس فتجلب عليك البؤس، واجعل من التفاؤل منهجًا وطريقًا، فما نشأ اليأس إلا بتفاؤلك وصراعك مع نفسك بين ما أنت فيه الآن وبين ما تعتقد أنك يجب أن تكون فيه، فيتكون لديك اعتقاد أنك لن تكون قادرًا أبدًا على الوصول إلى حيث تريد أن تكون، أو أن تفعل ما تريد فعله، هل لاحظت يومًا كم هو صعب أن تحاول التظاهر وكأنك تقضي وقتًا سعيدًا ممتعًا عندما تكون في حالة نفسية سيئة؟ بالتأكيد ستشعر بالإرهاق ذهنيًا وبدنيًا ولا تطيق التحمل.

 

فاليأس يريدك كما يريد هو، لا كما تريد أنت، عديم الثقة بنفسك ودائم الشعور بالعجز والفشل والكسل، لا وجود لك في المجتمع، يتغلغل ويتحكم في أفكارك، ويجرك إلى الوحدة والانعزال والانغلاق بالإضافة إلى كره المجتمع والابتعاد عن البشر، ودخولك في مرحلة الاكتئاب المزمنة الذي قد يؤدي بالضرورة إلى الانتحار، وذلك بسبب ضعف الإيمان، وعدم التوكل على الله، فالبعض يعتقد أن الدنيا ستتوقف إذا فشلوا في أمر من الأمور قال تعالى: (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) ففي هذه الآية تأكيد ــ كما ذكر المفسرون ــ بيان أن اليأس يصيب أولئك الأشخاص غير مؤمنين بالله ضعفاء النفس والعزيمة، فهل تحلو الحياة بدون صعوبات؟ فأصحاب النفوس الضعيفة يخافون من اليأس، لأنهم جهلوا قيمة أنفسهم فأرد أن يفتك بهم.

 

فيا سادة اليأس إحساس ضعيف يطرد بابتسامة وعزيمة وإصرار، لا يقصد إلا من يعترض طريقه، ولكن مع ضعفه إلا أنه يدخل القلوب فيقتلها ــ وما قتله للقلوب إلا لإحياء الكثير من ذوي العقول لكي يعتبروا ــ قرينه الكفر وبريده الضلال والقنوط، قال تعالى: «إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون»، وقال تعالى «ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون» واليأس شره مزروع في النفوس يميت القلوب وبه تتحول الدنيا إلى ظلام، وتتحطم معه الأمال وتقتل معه الأحلام، مسكنه القلوب الضعيفة التي لا تتحمل الأحلام، وتتحول في لحظة إلى ضعف وأوهام.

 

وألد أعداء اليأس الأمل والصبر، فالأمل في الحياة كالنجوم في السماء، يهتدي بها الحيرى في الظلماء، فإذا ذهبت النجوم ضلوا معالم الطريق، فقد أنعم الله علينا بالتفاؤل والأمل لكي يحمي النفس من اليأس والقنوط، ويترك القلوب تعيش بالأمل والتفاؤل تتحلي بالصبر وتتحمل خيبات الأمل بإيمان وثقة بالنفس، وتذكر أيها الإنسان عندما تيأس أنك مخلوق لديك روح وقلب وعقل، فابن آدم لو علم ثمن روحه سيلمس الإرادة، ولو وعى بقلبه صاحبته العزيمة، وإذا فكر بعقله لم يعرف اليأس له طريقًا، فابحث عن السعادة بداخلك طوال حياتك كلها، وابذل من أجلها الغالي والنفيس، وإذا كنت تريد سعادتي الدنيا والآخرة فعليك بالإيمان والدعاء فهو يشحن النفس بالأمل ويقتل اليأس بالعمل، واعلم أنه كلما ازداد الليل ظلمة، اقترب طلوع الفجر وشروق الشمس.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تنميه
عرض التعليقات
تحميل المزيد