(1)

هتف البطل بكل قوة: (لا يأسَ مع الحياة، ولا حياةَ مع اليأس) وهنا سقطت المقصلة لتنفذ فيه حكم الإعدام، عندها فقط فهمنا، أحيانًا لا حياةَ أيضًا مع الأمل!!

(2)

يقول الأديب اليوناني نيكوس كازنتزاكيتس: (إننا نقاوم، لأن المقاومة هي كرامتنا، إننا نغني ولو لم تكن ثمة أذن تسمعنا، لا تسأل :أين نذهب، هل سيقدر لنا النصر يومًا؟ ما الهدف من كل هذه المعركة؟ لا تسأل، قاوم فقط واعلم أن معنى الله هو المقاومة)

صدقني، تلك فقط معاني لشد الأزر في خضم المعركة، وحين ينقشع الغبار سندرك حتمًا أن النظرة الأخلاقية الصرفة للأعمال دون تقدير نتائجها ونفعها من عدمه – وأحيانـًا ضررها – هي حتمًا عبث، النضال من أجل النضال عبث، واعتبار هذا من باب (قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ) هو فهم اختزالي سطحي لسنة الله في الكون، التي تقتضي ليس فقط التدبير والأخذ بالأسباب، وإنما حسن التدبير والأخذ بأفضل الأسباب.

إن فكرة (لا بد أن ننتصر لأننا نريد هذا جدًا – لأننا لن نحتمل القهر الناتج عن هزيمتنا – لأن دماء الشهداء تحتم هذا علينا – لأن تلك هي النهاية العادلة السعيدة…) هي استخدامٌ للعاطفة مبرر لرفض الواقع وتحدي المنطق.

عاطفة المكابرة وعدم الرغبة في الاعتراف المرّ بالفشل والهزيمة، غالبًا تؤدي إلى إعادة إنتاج النهايات الفاشلة وخلق لحظات جديدة للهزيمة مرات ومرات، تلك الدورة العبثية التي نعيشها مرارًا وتكرارًا؛ فقط لأننا بالسذاجة الكافية لتفضيل المراوغة النفسية على إدراك الواقع بكل إحباطاته، لأننا بالبؤس الكافي لاختيار الدخول في خصومة مع القدر ذاته.

وانتظار حدوث التغيير فقط لوجود العاطفة الفياضة والرغبة العارمة، دون رؤية عاقلة تتمتع بالحصافة وتدرك أبعاد الواقع، هو مثل انتظار حدوث تفاعل كيميائي وتخليق مركبات جديدة لوجود المحفزات فقط دون المواد المتفاعلة !!

إن العاطفة والحماسة تمثل اللحن الصاخب الذي يصمّ آذان عازفيه عن خبر هزيمتهم، والأعباء المادية والمعنوية لتلك الهزائم والخيبات المتكررة تخلق عائقًا أمام أي أفق لحل الإشكاليات المتراكمة فيما بعد.

وعقول العاطفيين تعجزعن الإحاطة بالحال الواقع، وقبل ذلك عن استنباط دروس الماضي، ولهذا وذاك هي بطبيعة الأمور لا تحسن استشراف المستقبل من خلال آفاقٍ ذات رؤية مستبصرة.

إن الأمل الزائف – بعد زوال نشوته – يكسر القلوب تمامًا كما اليأس المُطلَق، وذلك هو سبب أكل الثورات لأبنائها نفسيا؛ لأنهم انكسروا.

(3)

(من قال إن اليأس والأمل ضدان؟ كنت يائسة، وكان عندي أمل)، عزالدين شكري فشير من رواية “غرفة العناية المركزة”.

(4)

“مع اليأس ينتهي كل شيء”

بل إن كل الحكايات تبدأ باليأس قبل الأمل، اليائسون يبتكرون ويبدعون؛ لأنهم يبحثون عن آفاق جديدة، ولا يأملون في ذات المسارات الضيقة التي يحلم في إطارها المتفائلون.

إن اتخاذ خطوات للوراء خارج مسار معين بعد اليأس منه، قد يُمَكِّن في لحظة ما من رؤية آفاق ودروب أخرى للخروج من مأزق الوضع المستحكم وأزمة الرهانات المتعثرة.

وإذا كان الضوء في نهاية النفق قطارًا سيدهسنا، فالأحرى أن نخرج باحثين عن نفقٍ آخر.

إن الإصرار على توجهٍ ما والأمل الساذج المستمر فيه يسبب إجهاضًا لاحتمالات مستقبلية مختلفة، بالإضافة لاستنزاف القدرات المادية والنفسية المتبقية لديك، الأمل هنا معطلٌ للعقل عن وظيفته في زجر الاندفاعات العاطفية.

اليأس محررٌ، اليأس ينقذك من الوقوع أسيرًا للحلول الفاشلة والمسارات عديمة الجدوى والآفاق المنخفضة، وبالتالي ينقذك من خسائرأكبر وهزائم أعمق.

فالأملُ حين يطغى على الألمِ يصير متنفسًا لتناسي الهزيمة بخلق وهمٍ وحمل العقل على تصديقه، ويصبح داعيًا للتشاغل عن الانشغال بالهزيمة وأسبابها والسبل المناسبة لتجاوزها، ربما يكون تقبل الهزيمة والاعتراف باستحقاقات الفشل هو الخيار الأفضل؛ حتى لا يتوطد الفشل وتستفحل الهزيمة بصورة يصعب عكسها فيما بعد.

لا أريد أن تفرح بهزيمتك وتستسلم لها بسعادة، فقط اقتنع بأنها حدثت ولو اقتناعا حزينـًا، كن واقعيًا ولكن فقط لا تنكسر.

(5)

وبينما يغادر الميدان يائسًا، سمع أحدَهم يصرخ: (اليأس خيانة)، وآخر تثور حماسته فيهتف: (يا نجيب حقهم، يا نموت زيهم)، اُعتقِل الأول ومات الآخر (زيهم)، أما الذي أدرك أن اليأس يصير خيارًا استراتيجيًا لا خيانة، حين تنعدم أسباب وآفاق النصر، فقد انتصر بعد سنوات، واقتصّ لكليهما.

(6)
نحن لم نخسر الحرب، وإنما خسرنا المعركة

الحقيقة يا عزيزي أننا خسرنا الحرب، والدخول في أية معارك مباشرة جديدة الآن هو عبث لا طائل منه سوى تعميق الجروح وتأخير التحضير للحرب الجديدة.

وحيث إن العمل فعل آمل بطبيعته، فينبغي تجنب اليأس المطلق من خلال أمرين :

– موازنة شعوري اليأس والأمل موازنةً مانعةً دون تغلب أحدهما على الآخر، فالمطلوب تبديل موضعي لشعور الأمل، فنيأس من مسار ما ونأمل في آخر، ولو كان مداه أبعد.

– وربما تنغلق كل المسارات، وهنا يجب تفريق تجليات اللحظة المُركّبة، فاليأس من اللحظة بتجلياتها السياسية لا يعني بالضرورة اليأس من اللحظة الاجتماعية أو الثقافية … إلخ.

أي أنه عند الوصول إلى وضع سيئ على مستوى ما – سياسي مثلًا – لدرجة تصعب مراوغته على أية درجة ممكنة، حينها يكون الفعل الوحيد العاقل هو اللافعل – على هذا المستوى – مع بدء التحرك على مستويات أخرى.

مع هذا الفهم وبواسطته سيفهم البعض أنهم يجب أن يأملوا في آفاق جديدة.

وحتى لو لم يحدث هذا الفهم، وغرق البعض في يأسهم الوجودي المطلق، فإن المهم أن فئة الآملين فيما لا أمل فيه ستتقلص لصالح إحدى الفئتين السابقتين، وهذا أنفع وأجدى في المستقبل البعيد؛ لأن أهل الأمل الزائف يرون صورًا خافتة وأطياف أشباح لنصر غير مكتمل على امتداد خط زمني قد اعوجّ وانقلب بعدها كل شيء، وذلك الغرق في لحظات الماضي القريب المجيد في 25 يناير هو محض رغبة طفولية في الاستمساك بلحظات متباعدة من منامٍ منسيّ، ويجب أن يدركوا هذا؛ حتى لا يفوتهم الزمان ويتخطاهم الواقع غير عابئ بهم.

يجب أن نبقى، ولو كنا ضعفاء لا نمثل تهديدًا في اللحظة الراهنة، ولكن مجرد بقائنا ضمن المعادلة يساعد على جعل الواقع أقل سوءًا، ويؤهلنا للعب دور النواة المعاكسة للوضع القائم في لحظات مستقبلية تحمل خيارات أوسع نتيجة تراكم آليات الدفع الاجتماعي والثقافي والشعوري، كما يمنحنا فرصة الاستفادة المحتملة من الثغرات غير المتوقعة في بنية الواقع – والتي تتزايد باضطراد في أية فترة تاريخية – شرط ألا ننكسر الآن.

(7)

أمام الفيضانات التي تجتاحُ القريةَ كل عام، قرر أحدُهم أن يقف أمام الفيضان على مشارف القرية مضحيًا بحياته علّه ينقذ القرية، وقرر آخرٌ ألا يفعل شيئـًا، قرر فقط أن ينتظر الموت هذا العام، أو العام الذي يليه، أما الأخيرُ الذي يئِس من إنقاذ القرية هذا العام، فهو من بدأ في بناء السد !!

هؤلاء المعلقون بين اليأس لأنه “خيانة”، وبين الفعل لأنه “عبثي”، كلي أمل الآن أن تيأسوا جميعًا، ولكن لا تنكسروا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد