بين ما نَوده وما تفرضه علينا الحياة مساحات ضارية من البين والبعد والاغتراب، مساحات تُحاصرنا وتنخرُ فينا: شجرنا، وثمرنا اليانع، حتى لا تبقِ فينا على أخضر، كل أمورنا السامقة خفتت حين خفتنا، وهبطت حين هبطنا، وانقشع نورها حين صرنا رمادًا، تأتينا صورتنا الماضية الوثابة؛ لنرانا في أوجنا. حين الحماسة آخاذة، حين كل شيء ممكن، نتطلع إلينا بابتسامة مفرطة يائسة ثم نمضى. نمضي مجددًا إلى رتابتنا، وما كتب علينا من أيام.

أتذكر الماضي القريب، والذي صار في نفسي – من كثرة التفاصيل والتعرجات – سحيقًا بعيد الغور، أتذكره بعين رقراقة وقلب حالم ملأه الشجن، أتذكر الآمال حين كانت في نفسي عظيمة متأججة، أتذكرني مسطرًا دروبها ومبدئها بكل إقبال وتفنن، غير آبه لصعاب أو التفات لأي عذر.

 غير مبال بالزكام، أرنو من المطر غير هيّاب، أتبلل عمدًا تحت إرساله القوى ونقاطه المنعشة، وأتساءل كم لقطراته تلك من قُدسيةِ ومكانة! فقد قطعت – ربما – مئات الأميال في غيماتها السامقات؛ لا لشيء، إلا لتختار السقوط هنا، ثم أجيء – أنا الجرم الصغير – متصديًا لها؛ لأكون قدرها، وتكون قدري، كم لتلك الحالة العميقة من حُجِية، وأوجه شبه يمكناني من أن أصاب في سبيلهما بالزكام، دون وخز ضمير.

أتحاشى أتربة الربيع وعواصفه، وأنفذ في سعادة إلى رائحة الزهور المعبقة للأجواء، أحتضن في نهم بدايات الاخضرار، ولونه الآخاذ، وأذوب، أمقت الصيف والعرق المتصبب فيه لأقل مجهود، لكنني بجوار لياليه الصافية المحتضنة للرفقة يفر من نفسي كل سيئ، الخريف يجرد الحياة ورقها ولونها حتى تصير به أشبه بميت ينتظر الفناء، لكنه في عيني جميل؛ كونه التمهيد الأمثل لورق جديد أشد اخضرارًا، وأجدر على نشر السعادة.

كنت هكذا ألاقي الحياة كجمال محض لا ينثني أبدًا على قبح، جمال أُعَظّمه، وأزكي به نفسي وأشدّ عودها أن تقف منتصبة وسط الهموم دون بها أن تشعر، وسط العقبات دون فيها أن تؤثر، وسط جريان الأيام دون في عضدها أن تَفُتْ، لكنني في لحظة معينة كمثل لحظتنا هذه، أتوارى عن الجمال مرغمًا وأهبط متمثلا الواقع المر، أتبدّى في حالة مريعة من الضعف لا يمكنني أبدًا أن أمنعها، القوة المتمكنة منا على طول أيامنا السابقات، لها منتهى تطالبنا بعده أن تسترح، تطالبنا بعده أن تُعفى قليلًا من المجابهة، ونحن دونها – حتمًا – ضعاف مرغمون لا نقوى على فعل، سوى الاستسلام.

كمثل أقراني من ذوي عمر البدايات، كانت نظرتي رومانتيكية إلى أبعد حد، لا شيء هنا يحدني عن استراق السمع واستبصاري في الصورة التي أريد، في خضم دراستي للهندسة وللقوانين الجافة الحادة – التي لا تعرف الرحمة – أطلب الطيران وسط عوالم الكلم والأفكار، أريد أن أسبح شاعرًا يلتقط جواهر النفس، أريد لقلمي أن ينبض بنثر خلاب، آتيًا لي بين يدي بحبيبة متخَيلة أشدو لها وتشدو لي، أريد للمعاني أن تغمرني، أريد لي أن أتجاوز ماديتي المحدودة وأحظى بمعنى جديد يروي ظمأي المتفاقم.

أستغرب لمثل سنك أن تَشغله تلك الأمور الكبيرة، أن يؤرقه الأقصى الأسير ليسير بين الناس منبهًا عليه موقظًا للمشاعر تجاهه، أن تشغله قضايا عامة من قبيل الحق في الاختيار وتقرير المصير، أن يزاحم الكبار مهتمًا مثلًا بالسياسة، مهتمًا بالشعر، زاحفًا نحو ناظميه؛ ليستمع إليهم، وينعم بمعانيهم، أنت لمثل سنك أكبر، هكذا قالت لي إحداهن، كوقود محفز على الاستمرار أصابتني كلماتها، مستقبل ما نافع تصوغه بداياتي، إذن فلأستمر، كان تفاؤلًا قاصمًا !

ها هو الواقع بكل تفاصيله المزرية ومناخه الهائج يجبرنا أن نحط رحالنا على أرضه التي لا تعرف الرحمة، نتخلى رويدًا رويدًا عنا، عن أحلامنا وما رسمنا يومًا لأنفسنا، نسير كغيرنا في حركة آلية نحو ما لم نختره، وكل شيء – يا صديقي – يموت بالترك، حتى نحن؛ نموت حين نتركنا، نموت حين نصير شيئًا جديدًا لا يمت لنا بصلة!

أنظر إليَّ الآن من شُرفةِ العمر، فأجدني سائرًا على أشواكي مدمي القلب قبل القدم، الواقع لا يترك لنا فرصة لنتقدم إلا وبنفس الأسباب نتأخر، العقبات متزاحمة، كل شيء يجذبك إلى الخلف وأنت ما زلت، بالرغم من الإعياء صامد، أين وصلت هل حظيت بأثرك الطيب الذي أملت؟! أم تفاقم بك الحال؟! تفاقم بك الحال يا صديقي وبت مكتفيًا كما لم تتخيل يومًا؛ بت مكتفيًا فقط بالبحث عن الاستمرار وعن لقمة العيش، بت سائرًا – ليس أكثر – مع الأيام!

ما نفع السنين حين تشير عقاربها نحو الشباب وقلوبنا كهل صريع متألم يرتجي الفناء، الشباب كما يقولون شباب القلب، فالقلب هو الحكم هو المرجح لوصف ما والمسقط له، هو المؤجج لعوامل النجاح والحاسر لها، بوصلة ربان في محيط هائج إذا تسمّر مؤشرها على وضع خرب؛ مال الربان بسفينته نحو المجهول والضياع، وإذا تمثلت تلك البوصلة دورها المأمول؛ نجا الربان وطالع مبتغاه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد