رغم الجراح سأعيش سعيدًا، نعم هكذا فاجأت بها صديقي الذي كان يشكو لي الحزن الذي بالكاد يخرج منه ليدخل في موجة حزن أكبر، ثم تابع يسرد لي أحوال أمتنا المكلومة، فسوريا دمرت عن بكرة أبيها، وليبيا، والعراق، وأفغانستان، ومصر، وآراكان و…إلخ.

فهل هذه الأحداث توجب علينا العيش في حزن وبكاء وعويل؟ وهل هذه الأحداث تنافي أن نحيا سعداء؟

ألم يعش الأنبياء والصالحون أحداثًا كهذه، بل أشد وأقسى؟ هل أمضوا أعمارهم في حزن وتعاسة؟

إذًا ينبغي أن نوضح بعض المفاهيم، وحتى نعيش سعداء ينبغي لنا أن ندرك عدة أمور:

أولها: لابد من فهم معنى السعادة، فما هي السعادة؟

عرّف علم النفس السعادة بأنها نتائج الشعور، أو الوصول لدرجة رضا الفرد عن حياته، أو جودة حياته. وعرف آخرون السعادة بأنها: شعور داخلي يحسه الإنسان بين جوانبه يتمثل في سكينة النفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وراحة الضمير والبال نتيجة لاستقامة السلوك الظاهر والباطن المدفوع بقوة الإيمان. إذًا فالسعادة الحقيقة تكون في السير على طريق الله جل عل ذلك قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.

فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا.

فلن يتحقق الرضا عن الحياة وجودتها ولا طمأنينة القلب وانشراح الصدر وراحة الضمير إلا بشريعة الله، إذًا فلماذا أغلب الغرب سعداء مع كفرهم؟ ومؤشرات السعادة في دولهم هي الأعلى؟ يمكننا أن نحصر هذا الأمر في سببين:

الأول أن تلك سعادة لحظية مؤقته مرتبطة غالبًا بشيء مادي أو شعور لحظي تزول مع زواله، لذا فتجد الكثير منه مع تعرضه لضائقة أو مشكلة يسارع إلى الانتحار، ويؤيد ذلك أن نسب الانتحار موجودة بأعلى النسب في أغنى دول أوروبا، فلا سعادة حقيقة، إنما هي سعادة ظاهرية، تزول مع زوال السبب، سعادة منقوصة ينغصها الخواء الروحي، قال الحق: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا.

قال تعالى في وصف حالهم: وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ. فلا ينشرح قلبه لفعل الخير، ولا يشعر بسعادة كأنه من ضيقه وشدته يكاد يصعد في السماء، أي: كأنه يكلف الصعود إلى السماء، الذي لا حيلة له فيه أو كالذي يصعد في السماء كلما علا نقص الأكسجين؛ فلا يكاد يستطيع التنفس.

والثاني أن الكافر معجل له جزاؤه في الدنيا، يمرح ويفرح فيها، ولا حظ ولا نصيب له في الآخرة، قال تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ.

وقال صلى الله عليه وسلم: (الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)، نعم قد تحبس فيها، أو تمنع عن أمور تظن فيها سعادة، أو تلزم بأمور تظن فيها حبس، وأمر، فالمؤمن يراعي إيمانه، وما يقتضيه هذا الإيمان وما يتحقق به من تقيد بأحكام الله -عز وجل – وحدوده، إيمانه قد يكلفه حياته أو عمله أو الكثير مما يتمتع به غيره.

الدنيا دار ابتلاء واختبار، وليست دار عطاء: نعم من أدرك هذه الحقيقة اطمئنت نفسه، وانشرح صدره، وعاش راضيًا، فالله سبحانه وتعالى ما أرسل آدم عليه السلام للأرض لتكون مستقرًا ورحمة يتنعم فيها، أو كعطاء له، بل أرسله ليختبره، ليبتليه، ثم ينتقل إلى دار الخلود؛ ليلقى جزاء ما قدم.

يقول النابلسي: الأمور لا تجري في الدنيا على ما تشتهي؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعلك في الدنيا كي يمتحنك ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وهُوَ العَزيزُ الغَفورُ﴾.

إذًا أنت ممتحن، ممتحن في صحتك، ممتحن في زواجك، ممتحن في أولادك، ممتحن في جيرانك، ممتحن في كسب مالك، وما من مسلم على وجه الأرض إلا وعنده مواد امتحانيه، فما وهبك الله إياه هو مواد امتحانك، وما زواه عنك هو مواد امتحانك، فقد تمتحن بالقوة إذا كنت قويًا، وقد تمتحن بالمرض إذا كنت مريضًا، فعلينا أن نوطن أنفسنا أن هذه الدنيا دار ابتلاء، لا دار استواء، ومنزل ترح، لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببًا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضًا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.

فلو كانت الدنيا دار عطاء لما كان أشد الناس بلاء الأنبياء لقد قدم رأس يحيى ابن زكريا لبغي من بغايا بني إسرائيل لتشرب فيها الخمر!

لقد قتل بنو إسرائيل سبعين نبيا في يوم واحد. كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. وشج في وجهه؛ فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم! فهل نحن أكرم على الله من هؤلاء؟

لا تحزن، فهناك القريب: حين يتخلى عنك الجميع ويتآمر عليك أهل الأرض لا تحزن، ولا تجزع، وتذكر (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، نعم قريب لا يتخلى عنك أبدًا، لا ينساك، وحاشاه أن ينسى، إنه معك، يسمعك، ويراك يعلم أوجاعك، لطيف بك رؤوف رحيم.

وحتى تحيا في ظل اسم الله القريب أنقل إليك هذا الدرر من كتاب (لأنك الله): في ظل أجواء المحن التي تعيشها الأمة، وبين أدخنة الحروب المهلكة التي تمس أفئدة المؤمنين باللأواء والألم، يحتاج المؤمن هناك إلى ثلاث مستويات معرفية متعلقة باسم الله القريب:

الأول: معرفة قربه سبحانه إيمانًا ويقينًا ليريح نفسه من عناء الصراخ والاستنجاد بالبشر، فرب البشر قريب شهيد مطلع، فيجد في القرآن آية تقول له بكل وضوح إنه سميع قريب، فيلقي عند أعتابها حرقات روحة المكلومة، وكل ما سبق يصب في خانة هذا المستوى المهم.

الثاني: ومن بين لهيب القهر ورؤية تفاصيل الشتات وتهدم البيوت وموت الأنفس وهلاك الثمرات يريد رحمة يبحث عن رحمة تنهي عذابات خذلان الأخوة وطعنات الغدر المتوالية، فيقف عند قول الله سبحانه (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)، نعم أيها المجاهد، نعم أيها المشرد، نعم أيها المكلوم، إن رحمت الله قريب.

الثالث: تطول الأيام وتتوالى الزفرات وتشتد البلاءات ويحكم الحصار من كل مكان وعند ذلك تطل روح المجاهد على آية ثالثة يقول فيها الحق (ألا إن نصر الله قريب)، فكما أنه قريب سبحانه من عباده، وكما أن رحمته قريبة من المحسنين منهم يأتي النصر القريب لجند الله (وإن جندنا لهم الغالبون)؛ فيربط الله بذلك على قلوب أضناها الانتظار وأرهقها الاصطبار، فينتظرون هذا النصر القريب من ليل أو نهار.. انتهى بتصرف.

فكيف يحزن من كان الله ربه! من كان الرحيم معه! من كان الرءوف يرعاه ليل نهار! فكيف يحزن من يحيا في معية الله وكنفه وفي طريقة على منهجة وتحت أحكامه!

فتذكر أن الله ادخر لك تسعة وتسعين جزء من الرحمة ليوم تكون في أشد الحاجة لمثقال ذرة من رحمة، قال رسول الله (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة).

وتذكر أن هذه الأمة مبتلاه في الدنيا، لكنها مرحومة مرفوعة في الآخرة مقدمة على كل الأمم تنال من الرحمات والعفو ما لا يناله سواها قال رسول الله: أمتي أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا: الفتن والزلازل والقتل. الألباني في (السلسلة الصحيحة).

وتذكر الرجل الذي يغمس غمسة في الجنة، أشقى – أتعس – إنسان في الدنيا يغمس في الجنة غمسة، ثم يخرج يقال: يا فلان هل رأيت بؤسًا قط؟ يقول: لا، والله ما رأيت بؤسًا قط.

وتذكر (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

القران الكريم... البخاري ....ومسلم ..... السلسلة الصحيحة ...تفسير القرطبي ...تفسير الطبري... لأنك الله على جابر.... اسلام ويب
عرض التعليقات
تحميل المزيد