تعد الثورة الفرنسية هي من افتتحت عصر الجماهير وأدت إلى تزايد دور الشعوب في ساحة الفعل، بعدما كانت مقتصرة على نخبة صغيرة هي التي تدير المجتمع  حسب أفكارها وتوجهتها ومصالحها الشخصية، مما دفع الحكام المستبدين إلى ترويد هده الجماهير وتوجيهها الوجهة التي لاتتعارض مع مصالح النخبة الحاكمة.والحقيقة أن المستبد لم يترك وسيلة إلا وثم لجوء إليها في سبيل الحفاظ على ملكه، ولا يهم بعدها إن ترك المجتمع فقيرًا أو غنيًا جاهلاً أو متعلمًا.

لاعقلانيات الجماهير 

ينطلق المستبد من مسالمة أصيلة وهي عجز جماهير الشعب عن التفكير بطريقة سوية؛ فهي لا تعرف تفكيرًا نقديًا وتفسيرًا وتحليلاً للمواقف، ومحاكمة الأفكار الوردة من الخارج، ورؤية الفوارق والتناقضات، وفي هذا الصدد يقول نابليون بونابرت لم أستطع إنهاء حرب الفاندي إلا بعدما تظاهرت بأني كاثوليكي حقيقي، ولم أستطع الاستقرار في مصر إلا بعدما تظاهرت بأني مسلم تقي، وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا، هذا هو حال العوام على مر العصور وفي كل الطبقات و الأعراق، والسبب الأساسي في معاناة الشعوب هو في طريقة تفكيرهم.

فمعاوية بن أبي سفيان  لم يبذل جهدًا يذكر لتوجيه شعب دمشق إلى الحرب الأهلية، ما كان يلزمه إلا أن يرفع قميص عثمان بن عفان وهو ملطخ بدمه وتظاهر بالبكاء حتى تبعه شعب إلى الهاوية، فلم يسأله أحد  من قتل عثمان؟ وكيف؟ ولماذا؟ بل بعد الفاجعة وعندما استتب له الملك لم يلحظ أنه لم يثأر لعثمان ولم يقتص له كما قال، بل الأمر أنهم لم يلحظوا أنه استعملهم في معركة صفرية لكي يتم له أمر الخلافة. ويرى المفكر جورج سوريول أن الوهم يعد المحرك الأساسي لشعوب يقول: لولا الوهم بتحقيق الجنة على الأرض لما ثارت الجماهير العمالية في أوروبا تحت قيادة الأحزاب الشيوعية؛ فالشعوب دائمًا ماتفضل اللاواقعي على الواقعي والخرافة على الحقيقة. يقول غوستاف لوبون بأن الجماهير لم تكن طوال عمرها ظمأى للحقيقة وأمام الحقائق التي تزعجها فإنهم يحولون أنظارهم باتجاه أخرى ويفضلون تأليه الخطأ إذا مجدبهم الخطأ، فمن يعرف إيهامهم يصبح سيدًا لهم، ومن يحاول قشع الأوهام عنهم يصبح ضحية لهم.

تزييف الحقائق 

الحرب هي السلام، العبودية هي الحرية، الجهل قوة. جورج أورويل.

قلب الحقائق وتفريغ الكلمات من مضمونها سمها ما شئت، وبما أن الشعوب غالبًا لا تعقل فيسهل على ديكتاتور تلقين شعب ما شاء من أفكار ومفاهيم، منذكنا صغارًا من تلك المؤسسة الصغيرة التي تسمى المدرسة،فيكبر المستبد في ذهن الأطفال ويتقزم الشعب،  ويطغى فرد على أمة وبعدها يأتي دور النخبة المثقفة، من إعلاميين وسياسيين ورجال الدين وفلاسفة لنحر الوعي باسم تنوير، حتى إذا نزل المطر فبفضل الزعيم القائد، فإذا لم ينزل لم ينزل لأننا سيئون، كل الوطن يختزل في فرد، بل الشعب والوطن في خدمة الفرد ولكن تحت مسمى مزيف.

إن الاستبداد يقلب الحقائق فى الأذهان، فيسوق الناس إلى اعتقاد أن طالب الحقِّ فاجر، وتارك حقّه مطيع، والمشتكي المتظلِّم مفسد، والنّبيه المدقق ملحد، عبد الرحمن الكواكبي.

طرق نشر الأفكار في المجتمع 

يرى عالم الاجتماع غوستاف لوبون أنه توجد ثلاث طرق لنشر الأفكار في وسط المجتمع، وهي التكرار والتوكيد والعدوى، ويعد أدولف هتلر هو أول من تلقف هذه الأساليب الثلاثة، فيبدو أسلوب التكرار واضحًا في كل خطاباته، فهو لا يمل ولا يكل من تكرار الجمل نفسهامرات ومرات، والتوكيد عليها دون الحاجة للاستدلالات المنطقية والمحجات العقلية، فأما أسلوب عدوى الأفكار يعد الربيع العربي الذي اجتاح المنطقة، أهم مثال على ذلك  فبمجرد أن انهار نظام المستبد  التونسي حتى تبعه موجة من تظاهر في مصر وليبيا والمغرب والبحرين واليمن، وهذا مايفسر لنا إنفاق بعض الدول ملايين الدولارات لوأد هذه ثورات، الخوف من عدوى الأفكار فالأفكار كالأمراض معدية.

وهناك أسلوب آخر ابتدعه إدوارد بيرنيز وهو حجب معلومات وتمرير معلومة أخرى، فبذلك يتم تحكم في صورة ذهنية للمجتمع، فتسهل السيطرة عليه وتوجيهه نحو الهدف، وهناك أسلوب آخر هو التلقين؛ فالفرد الملقن لفكرة ما يصعب زحزحته عنها، ومشكلة هذا النوع أخطر من سابقتها فهو لايعلم أنه لايعلم، وهذا هو أخطر أنواع الاستبداد، ونختم بقول الشافعي، ما جادلت عالمًا إلا غلبته وما جادلت جاهلاً إلا غلبني.

حكومة ظل                                     

إن صياغة الوعي الجمعي للمجتمعات هو أحد الأدوات المهمة في المجتمعات الديمقراطية  إدوارد بيرنيز

تحكم في طريقة تفكير المجتمع بواسطة المثقفين والسياسيين ورجال الدين والإعلاميين الفاسدين، سيطرة على المجتمع تشمل  الآراء سياسية والعادات الاجتماعية والمعتقدات دينية، فالمستبد هو من يشكل اهتمامات الفرد وطريقة تفكيره، وهو من يحدد كيف يكون الفرد وطنيًا وكيف يكون عميلاً، وهو من يملك مؤسسات الدولة فبالتالي لن يمر إلى من يؤصل له ولشرعيته، وبما أن هؤلاء النخبة الفاسدة هي التي تشكل وعي المجتمع واهتماماته، وهي التي تشكل مايسمى بالرأي العام والذوق العام، فتعتبر هي الحكومة الحاكمة فعليًا وأية سيطرة عليها فهي سيطرة على المجتمع.

ولننظر كيف فعل إدوارد بيرنيز لترويج تدخين النساء في أمريكا جاء في أحد الأيام جورج هيل مدير مؤسسة التبغ الأمريكية لإدوارد بيرنيز  يخبره أن هناك مشكلة، لم يكن تدخين المرأة مقبولاً اجتماعيًا في أمريكا في ذلك الوقت، مما يعني أن مصنعي السجائر يفقدون نصف زبائنهم، وهنا خرج بيرنيز بفكرة شيطانية ففي أثناء دور الألعاب الأولمبية المقامة في أمريكا في ذلك الوقت، قام لإقناع عدد من سيدات المجتمع الأمريكي أن يخرجن في مسيرة جماعية وهن يقمن بالتدخين، وحينها ظهرت الصور في الجرائد وظهرت بتعليق يقول إن عددًا من نساء المجتمع تمردن على سلطة المجتمع وظهرن أثناء دورة الألعاب وهن يحملن مشاعل الحرية. ولكنظهرت مشكلة أخرى، وهي أن لون علبة السجائر كان أخضر، وهذا لون لم يكن يروق لنساء أمريكا، فاقترح إدوارد بيرنيز بتغيير الموضة، وبالفعل تم تغيير الموضة.

وإليكم الطريقة التي تبعها إدوارد بيرنيز

ابتدأ بإقامة حفلة ضخمة للمجتمع المخملي سميت الحفل الأخضر، كما تم تشجيع أحد منتجي الحرير لاعتماد الأخضر ليكون أهم صيحة في العالم موضة ذلك الزمان، الذي دعا بدوره إلى مأدبة عشاء كل أصنافها من طعام ملون بالأخضر، واكتظ الحفل برجال الصحافة ومحرر مجلات الموضة وتمت دعوة أحد علماء النفس كضيف شرف ليتكلم بإسهاب حول تأثيرات اللون الأخضر الإيجابي في نفسية المرأة والرجل على حد سواء. وهكذا تم تمرير التدخين للمرأة الأمريكية تحت معنى مزيف أي مشاعل الحرية، وعلى هذا فقس في العادات الاجتماعية والآراء السياسية وتوجهت الأيديولوجية والمعتقدات الدينية.

بما أن الإعلام لم يعد دوره نقل الخبر بل انحرف عن دور المنوط به، إلى الاستبداد بخيال المجتمع وأضحى أداة من أدوات القمع في يد المستبد يوجه أفكار المجتمع كما يشاء،فحق لنا أن نشك في كل ماحولنا، ومما يزيد من صعوبة تحرر المجتمع من شراك المستبد هي أن العلماء يتم صناعتهم أو استقطابهم وأنا أرى أن أوال خطوة للتحرر تبدأ بتعميم العلم أولاً، والعلم الذي له علاقة بمحاكمة الأفكار الواردة من الخارج كالمنطق وطرق البحث العلمي، وبهذا يتم قطع الطريق على فرعون وأعوانه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد