تتغير أشكال الاستبداد و لكن يظل طابع الاستبداد ثابت و هو تقييد حرية الآخرين و التسلط عليهم من أجل منفعة خاصة لشخص أو مجموعة من الأفراد لديهم توجه فاسد و يريدون إخضاع العباد لسلطانهم. و ذهب الكثير من المفكرين أمثال الشيخ “محمد الغزالي” و الشيخ “عبدالرحمن الكواكبي” إلى أن الطغاة صناعة شعوبهم و ما كان المستبد ليطغى لولا أن وجد بعضاً من العامة يخضعون  له.

و الاستبداد ليس نتيجة الصدفة و لكن هو يرجع بشكلٍ أساسي إلى تجهيل الشعوب و العمل على تصدير فكرة أن الحاكم إنما هو رسول بُعث للناس كي تستقيم أمورهم. و ما كان للناس رسول بعد محمد بن عبد الله _صلى الله عليه وسلم_ و لكن هي عملية تزييف و تجهيل ممنهجة تعمل على إثارة مشاعر الجماهير الغافلة و تجعلهم طوع بنان الطواغيت.

و لعلنا إذا استرجعنا ماضينا العظيم لوجدنا أرقى صور الحكام التي نحن في حاجة إليها، فأبوبكر _رضي الله عنه_ عندما تولى الخلافة قال ” إني قد وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني” . ونجد الرعية في عهد بن الخطاب _رضي الله عنه_  يحاكمونه لدرجة أن يقف أحدهم عندما ظن أن عمر أعطى للمسلمين في المدينة كل فرد ثوب و أخذ هو ثوبين لنفسه قائلاً لعمر بحدة“والله لا نسمع ولا نطيع“، و لو نظرنا بمعاييرنا المختلة اليوم لسوف نقول : كيف يُكلم هذا الفرد حاكمه؟؟!! ،و كيف لا يرضى بما أعطاه له الحاكم و يصمت؟؟!! و لكنه مارس حقه الذي كفله له الدين و كفلته له دولته في أن يحاسب الحاكم و ذلك ليس لعدالة عمر و لكن لفهم هذا الرجل و علمه بعلاقة الحاكم بالرعية و أن الحاكم ليس إله بل هو بشر يجب تقويمه طبقاً لما ورد في الشريعة و السنة المطهرة.

و الاستبداد يُضعف الدولة و يُنشأ حالة من الرياء و النفاق و الخوف و ينقسم الناس إلى طوائف كثيرة تحت مظلة الحاكم الطاغية فمنهم من يسعى إلى مرضاة الحاكم خوفاً منه و منهم من ينافقه من أجل الحصول على بعض الامتيازات تحت مظلته و آخرين يدعمونه بالمال و العتاد لمصالحهم الخاصة من أجل مشاركته في التحكم في باقي الرعية. و من الصنف الآخير رجال لديهم قدرة على تشكيل و تغيير وعي الجماهير إما عن طريق كتاباتهم أو تصدير ثقافة معينة تعمل على إخضاع الجموع لهيمنة الطاغية أو عن طريق وسائل إعلام تنشر أكاذيب مضللة مغايرة للحقائق و هو ما يسمى تزييف الوعي.

و يتجه بعض المستبدين إلى خلق مناخ من الحرية المصطنعة لتخفيف حالة الاحتقان الموجودة لدى الرعية المقهورة بأن يجعل بعض الإعلاميين تهاجم النظام الحاكم و السياسات التي يتبعها بعض أفراد هذا النظام ليصل إلى الشعب أننا ننعم بمناخ حر و لكن هذا ما هو إلا وسيلة من وسائل النظام المستبد من أجل التحكم في الجموع بطريقة غير مباشرة و ليتجنب ثورتهم عليه.

و لن تجد مستبد يقيم حرية حقيقية و يعمل على تعليم أمته و انتشالها من الجهل، فهو لا يرغب بأجيال تحاكمه و تضيق عليه فساده، و لكن مع زيادة الظلم يزداد الحاكم خوفاً من رعيته و من ضياع ملكه و هذا يظهر في وحشية الحكم و في ازدياد سلسلة الاعتقالات و استباحة دماء المعارضين، و مع ازدياد الضغط يتولد الانفجار و تصحبه نيران تأكل الأخضر و اليابس و هذه النيران هي ما نحتاجه و لكن إما أن تكون لنا أو علينا، إما أن تساعدنا للتخلص من الفسدة الظلمة او يستغلها الفسدة حتى يجعلوننا نأكل بعضنا البعض و يستتب لهم الأمر في النهاية و نُصاب بانتكاسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

استبداد
عرض التعليقات
تحميل المزيد