في الحلقة الأولى قدمت الحديث عن تفاصيل رحلتي للفرافرة، قبل ذكر تاريخ المدينة، وما تشتهر به، حكايات وقصص لدى الأهالي، وذلك لما حوته الحلقة من نقاط ساخنة تتعلق بمستقبل الواحدة، وضعتها أمام من بيده القرار هناك، خاصة وأن الحديث عن معالم وتراث الواحة متاح للجميع في عدد لا بأس به من المؤلفات التي عنيت بالمكان.

وفي حلقة اليوم نطوف بكم في صفحات عدد من الكتب التي اهتمت بالحديث عن الواحات، طبيعتها وتاريخها وأشهر الحكايات والأمثال المرتبطة بها.

من منديشة إلى الفرافرة

خلال سفرك لواحة الفرافرة قادمًا من محافظات الوجه البحري والشمال، ستمر بطريق الواحات البحرية ونطاق محافظة الجيزة وصولًا لعمق الصحراء الغربية، وستمر بعدد من القرى منها قرية منديشة التي تتبع محافظة الجيزة جغرافيًا، ولكن أهلها لا يختلفون عن أهالي الواحات في الطباع والمعاناة.

نزلنا قرية منديشة وقابلنا أهلها بالترحاب والتمر والمياه، وأول ما تحدثوا به معنا هو حفاوتهم بنا؛ لكوننا أول فوج مصري يقصد الفرافرة في رحلة سياحية منذ عام 1985، متحدثين عن معاناتهم مع الخدمات الصحية، معبرين بقولهم: «من يمرض هنا يموت لعدم وجود مستشفى مجهزة وعدم وجود أطقم طبية كافية، وافتقارنا لعدد من التخصصات الهامة»، مطالبين المسؤولين بوجود إسعاف طائر لخدمة وإسعاف الأهالي من خلال طائرة هليكوبتر تابعة للإسعاف، أو للشرطة، أو للجيش، تنقلهم للمستشفيات الكبرى، انطلقنا وأكملنا الرحلة للفرافرة التي وصلناها مساءً، وكان استقبالًا حافلًا من إدارة الفندق الخاوي تمامًا من النزلاء، كما أوضحت بالحلقة الأولى.

السكان والزراعة

يتميز سكان الفرافرة بالتجانس اللغوي والثبات النسبي في العادات والتقاليد المتوارثة.. وعاداتهم أقرب إلى البدو، والصفة المشهورة هناك أنهم أناس مسالمون وقانعون يعيشون على الفطرة، إلا أن هذه الصفة صدرت عنهم صورة غير محمودة من سكان بقية الواحات، حيث يعتقدون أن سكان الفرافرة كسالى لا يهتمون سوى بلعب – السيجة – وصيد اليمام وسماع القصص، وهو ما قصدوه من هذا المثل: «ولا تدي الفرفروني ولا تاخد منه» كناية عن الزواج من بنات الفرافرة.

وقد عاش سكان الفرافرة منذ القدم على الزراعات المحدودة لتناسب ندرة المياه – مياه الآبار والعيون – فمنها يشربون، وويرون إبلهم وغيطانهم التي كانت تنتج الشعير والقمح كمحصول رئيس، إضافة لخضروات مثل الملوخية والطماطم والبصل والثوم، ومن الأشجار لديهم المشمش – كمنتج متميز للفرافرة – بجانب الليمون والزيتون والبلح.

أما البلح في الفرافرة فله أنواع متعددة منها – المنتور – وكمياته قليلة لكونه متميزًا، إضافة للبلح الأحمر والأصفر، ثم البلح الرطب، وهو الذي يصنع منه التمر والعجوة.

من تاريخ الفرافرة

ذكرت الفرافرة  في حكاية الفلاح الفصيح في أهناسيا في متونها القديمة باسم «تا إيحة»، وتعني أرض البقرة، وكانت لها أهمية استراتيجية دفاعية في مواجهة الهجمات الآتية من الغرب، كما كان لها أهمية لوقوعها على طريق القوافل من أفريقيا إلى مصر والسودان والحجاز.

يقول المعمرون من أهل الفرافرة: إن المجاهدين في ليبيا بصحبة المقاوم الشيخ عمر المختار، كانوا يأتون إلى الفرافرة للحصول على احتياجاتهم من البلح والدقيق، وعقب اعتقال الشيخ عمر المختار وشنقه، هرب عدد من المطلوبين من أبطال المقاومة الليبية إلى الفرافرة، واحتموا بها وقت أن طاردتهم القوات الإيطالية، حتى منطقة (أبو منقار)، وظلوا بالواحة، وتزوجوا منها، ومنهم من مات بالواحة، ومنهم من عاد إلى ليبيا بعد انتهاء الحرب مع الطليان.

حكايات وأمثال أهل الفرافرة

«عندما تاهت الجمعة»

من أشهر حكايات الواحة.. عندما تاهت صلاة الجمعة في الفرافرة، تلك الواحة البعيدة التي ظلت مغلقة على نفسها، لذلك فمن الممكن أن تتوه الأيام من سكانها، مثل المعتقل في زنزانة انفرادية، لا يدري بالتاريخ، ولا بالأيام، وهو ما حدث مع أهل الفرافرة مع بداية القرن العشرين، أصبح الناس وقد اختلفوا على يوم الجمعة أهو اليوم؟ أم الغد؟ أم كان أمس؟ ودارت حلقات النقاش بينهم، وكل فريق متحيز لما أسعفته به ذاكرته، حتى دب بينهم الخلاف داخل المسجد.

ولما لم يتفقوا أرسلوا واردهم إلى الواحات الداخلة ليعلموا أي يوم هو الجمعة، المسافة قطعوها في أربعة أيام.. اتفقوا بعد أن وصلوا إلى قرية القصر بالداخلة، وعرفوا ما هو يومهم، ومتى الجمعة القادمة، وهكذا حددوا يوم الصلاة الجامعة.

مرة أخرى كان ليوم الجمعة حكاية طريفة تكررت في الداخلة والخارجة والفرافرة، ولكن بشكل مصطنع من نتاج – الذكاء الفطري – لدى الفلاح بتلك الواحات، فما القصة؟

القصة أنه في الواحات يأتي موسم حصاد البلح مع بداية العام الدراسي، فكان يسمح للطلاب بالغياب للعمل مع أبائهم في الحقول، وفي عام 1974 كان محمد علي فودة يعمل ناظرًا للمدرسة الابتدائية في إحدى قرى الداخلة، وكان بكل مدرسة استراحة يبيت فيها الناظر.

وفي أحد أيام الحصاد سمح كالعادة للطلاب بالغياب، وحدث ما لم يكن متوقعًا.. جاءت إلى المدرسة لجنة تفتيش من المديرية، ولعدم اعتياد الناس على رؤية السيارات في الواحة، فقد فطنوا أن السيارة تحمل مسؤولًا حكوميًا، فأسرع أحد الأهالي، وأبلغ الناظر، الذي استعد لهم، ولدى استقبالهم سألوه (فين التلامذة؟) فرد عليهم ببرود: (ما بيجوش يوم الجمعة).. فاندهش أعضاء اللجنة وقالوا: (اليوم مش الجمعة).. فنادى الناظر على العامل وسأله: (اليوم إيه؟)، فرد عليه: (الجمعة)، فخرج المفتش للشارع واستوقف الناس ليسألهم عن اليوم، وكانت الإجابة كلها: (الجمعة)، وما زاد من الخداع أن كان أهل القرية يرتدون الجلابية البيضاء في الصيف، وقد أخبرهم عامل المدرسة بالحيلة التي دبروها للمفتشين لإنقاذ ناظر المدرسة من الجزاء.

دقائق ونادى المنادي لصلاة الجمعة وخطب الخطيب وصلوا الجمعة حتى اقتنع المفتش بأن اليوم الجمعة، ولما عاد المفتش لبيته بعد يوم من الواقعة استيقظ من نومه مبكرًا وارتدى ملابسه استعدادًا للذهاب للعمل؛ لتفاجئه زوجته بأن اليوم هو (الجمعة)، الأمر نفسه تكرر في قرى الخارجة، والداخلة بنفس التفاصيل، مستفيدين من تراث الأهالي عن واقعة (عندما تاهت الجمعة).

«زي ما قالك داك»

يقولون الناس عند ضرب الأمثال: (على رأي المثل)، أما في الواحات، فعند ذكر المثل يقولون: (زي ما قالك داك)، فالأمثال في الواحات تمثل دستورًا للعيش، وتعبر عما تزخر به النفس الإنسانية من علم وخبرة وحقائق واقعية، فهي إطار يسيج الهوية الثقافية للسكان، ومن أشهر الأمثال في الواحات:

(متخليش بايت يحمل لك) أي لا تسأل من سيبيت في الغيط، بأن يساعدك في حمل متاعك، أو زراعتك؛ لأنه يريدك أن تظل معه، ويرغب في وجود أحد معه للونس.

(مسطاح الأربعين يبات خالي) المسطاح هي زريبة المواشي، والأربعين هم أصحابها، وكل واحد منهم ينتظر غيره أن يضع للمواشي طعامها.

(اللي يستكتر إدامه ياكل حاف) والإدام هو الغموس.

(دابة ما هي لك عضمها حديد) يعني لا أحد يهتم بالدابة طالما ليس صاحبها، فيزيد من إرهاقها وكأنها حديد.

(إن كبر أبوك راعيه الغنم) ويضرب به في قلة الأصل وخساسة النفس والمعدن، وكيف يتعامل الولد – قليل التربية – مع والده بأن يرسله لرعي الغنم.

(دز وليدك في الغابة يجيب مثله في العيدان) أي أن ابنك عندما ترسله للغابة، سيحضر الحطب الذي يناسبه، فإن كان قويًا سيحضر لك حطبًا قويًا، والعكس.

(إن ما جت في أمشير ودقت طبولها.. لا خير في نيل ييجي في توت) ومعناه: إذا لم تمطر في أمشير الذي تحتاج الأرض إليه لري الزرع؟ فحتى لو جاء النيل – ويضرب به المثل لاستحالة وصوله لهذه المناطق – في شهر توت، فلن يكون له جدوى، ومعناه أن الشيء الذي لا يأتي في وقته لا لزوم لأعظم منه في غير وقته.

(بردك على قيش جردك) ويعني البرد على قياس جردك وهو الشال.

(واحد ياكل البلح وواحد ينضرب بالمشاريخ) ويضرب به المثل في التعامل.

وإلى اللقاء في حلقة جديدة من حكايات الصحراء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد