لتاريخ 25 يناير رمزية مهمة في مصر والوطن العربي بشكل عام، فمشاهد الثورة المهيبة والتغطية الإعلامية الساخنة خاصة لقناة الجزيرة، أيقظت مارد الأمل في نفوس شباب الوطن العربي كافة وصار شباب مصر الثائر ملهما وقدوة لغيره.

ورغم انتكاسة الثورات وانتكاسة الربيع السريعة إلا أن تلك الرمزية قد منحت ثورة يناير قداسة ضد اتهامات الخيانة التي نالت بقية ثورات دول الربيع العربي، وصارت كل الأطياف السياسية في مصر بما فيها النظام الحالي تتغنى بثورة يناير، وتدعي أن مشاريعها المتناقضة إنما هي استكمال للثورة.

يُـغالب أبناء الشعب المصري الإحساس بالإحباط من مجريات الأحداث بالتعلق بصنم 25 يناير، ومن السخرية أن يجتمع الفرقاء على رمزية تاريخ قريب ويرفضون الالتقاء على منهج جديد يرسم المستقبل بشكل واضح.

الثورة التي تُـثمر شقاقًا مبكرًا بين رفاق النضال تعني عدم نضوجهم بالدرجة الأولى إن افترضنا حسن الظن، رغم أن الرسالة التي حملها ثوار مصر وعسكرها عقب يناير، أوحت للجميع أنهم ناضجون بما يكفي للقبول بما تحمله الصناديق الانتخابية، ولا حاجة لهم بحوارات أو مواثيق ثورية تحكم فترةً انتقالية ضرورية عقب الثورة، فقفزوا بثقة وسرعة إلى مرحلة الصناديق لينقلبوا عليها عسكريًّا وسياسيًّا في فترة وجيزة، فطعم الديمقراطية ليس حلوًا دائمًا كما ترغب النخب السياسية المتسرعة كما أنه ليس حلوًا نهائيًّا بالنسبة للعسكر.

جاءت ما سُميت بثورة 30 يونيو بذريعة التخلص من الاستبداد الجديد القادم من الصناديق بالاستعانة بمؤسسات الاستبداد القديم في مشهد مؤلم لكل منصف، وتم تتويج ذلك بترسيخ انقلاب عسكري وفق أبسط تعريفات الانقلاب في عالم السياسة والحكم، وتجاوزه لمرحلة محاكمة رموز الثورة رغم إصرار الجميع الهزلي على أن الثورة صنم يجب ألا يُـمس.

العجيب أن النخب المصرية والنخب الثورية استمرت في توصيف الأجواء في مصر بالثورية، رغم افتراقهم وتنازعهم في أول امتحان حقيقي لثورتهم ولإيمانهم بالديموقراطية، فهؤلاء يهاجمون أول رئيس منتخب (محمد مرسي) لأنه فرط بالثورة لضعف شخصيته ويكتبون المقالات والقصائد في ذلك دون أي حضور حقيقي في الميدان، وآخرون يتهمون الإخوان بسرقة الثورة وتحميلهم مسؤولية الدماء والفشل، وينتظرون أن يُـقيم الانقلاب حد السرقة على الإخوان، والإخوان يتهمون كذلك بقية الأطراف بالتنازل والالتفاف على مبادئ الثورة والهروب من استحقاقاتها، بينما يُـثبت الانقلاب والنظام القديم نفسه ويُسجل الفاتورة على حساب دماء وحريات وقوت الشعب المصري.

ببساطة على كل من يدعي الإيمان بثورة يناير أن يعترف أنه لولا استمرار الثوار – الذين لا يحبهم الآن – في مسيراتهم وتضحياتهم بدمائهم وحرياتهم بل وأعراض فتياتهم الشريفات عقب الانقلاب لكانت ثورة يناير قد انتهت رسميًّا دون رجعة، ومراسيم دفنها في مقابر الخيانة لا يؤجلها إلا صلابة صف الثوار العنيد الذي يحافظ على زخمه المتواضع واستمراريته المذهلة قدر الإمكان وهو حائط الدفاع الأخير عن حلم التغيير المنشود غير أنه غير كاف.

لو سَـلم الثوار في مصر وحركة الإخوان تحديدًا للنظام الحالي، لصار ثوار المناسبات والخطابات والشعارات على خط المواجهة ولا أعتقد أن لدى هؤلاء مخزونا يكفي للبقاء والاستمرار طويلًا ولتحول الكثير منهم للصمت أو للتصفيق سريعًا.
لا بد لثوار مصر وشعبها من كافة التوجهات أن يدركوا أنهم أمامهم على ما يبدو ثلاثة خيارات وأتمنى أن أشاهد الخيار الثالث منها وهو يتحقق أو الثاني في أسوأ الأحوال.

أولًا: استمرار الدراما الثورية الحالية والتي لن تجني شيئًا، وفي الغالب سنرى مرسي ورفاقه معلقين على المشانق لتنتهي الثورة عقب موجة غضب أو موجات، أو تسقط مصر في أتون حرب أهلية طاحنة، فالإخوان ومن معهم مشغولون بدوامة السلمية والعقاب الثوري والمحاكمات والتسريبات والمسيرات والهتاف بحياة مرسي والشرعية والحق المظلوم ولا ألومهم لأنهم يخوضون معركة بقاء مصيرية.

أما رفاق الثورة فمشغولون بدوامة الحسرة على ما فات بسبب ضلال الإخوان وأنانيتهم التي ساقتها الصناديق لهم، وما زال هؤلاء الرفاق يدسون رؤوسهم في التراب أمام فظاعة ما هو حاصل أو ما هو قادم.

أما الانقلاب فمستمر في دوامة التحايل والتلاعب بالجميع، هذه الدوامات ستُغرق مصر بتسونامي الكراهية والديكتاتورية وتسحبها – لا سمح الله – لقاع مظلم يسحق الجميع دون أن يُـفرق بينهم.

ثانيًا: الإعلان رسميا عن حالة وفاة ثورة يناير بتوقف الحراك الموجود، وارتداء ثوب الحداد الأسود الذي يشبه ثياب السياسيين كثيرًا، والقبول بالأمر الواقع مقابل أي صفقة ترعاها أطراف إقليمية، والتسليم بأي وجه حالي أو جديد تدفع به المؤسسة العسكرية مقابل الحصول على حريات المعتقلين واستمرار العمل الاجتماعي وشيء قليل من السياسة المؤدبة وعودة الغناء لثورة يناير واستمرار رمزيتها، وهذا الخيار يجب أن يفكر فيه الإخوان والثوار إذا ما رفض رفاق الثورة الخيار الأخير، فلا معنى لاستمرار موتهم واعتقالهم بالمجان وعليهم التسليم والاستعداد لجولة قادمة صونًا للدماء وحفظًا للحقوق كما فعل التونسيون.

ثالثًا: أن يهدم الثوار صنم ثورة يناير الذي كبّـل طموحاتهم وفرق صفوفهم ما بين الاصطفاف وراء الاستحقاقات الانتخابية الدستورية ورفضها، فقد صارت ثورة يناير عبئًا على الثوار أنفسهم بالملفات التي ارتبطت بها داخليًّا أو اقليميًّا أو عالميًّا وأفرغت الثورة من مضمونها الثوري تمامًا، وتحولت الثورة لمجرد أوراق مفاوضات بين الجهات الفاعلة يدفع المخلصون ثمنها وحدهم في مسرحيات القضاء السخيفة، على الثوار التخلص من كافة الحبال والقيود التي كبلتهم بها ثورة يناير دون أن يخدعوا أنفسهم بمنجزات الثورة التي صارت سرابًا ولم تعد تصلح لشيء.

يا ثوار مصر اهدموا صنم 25 يناير وما بعده كما هدمتم صنم مبارك لتكون موجة الربيع القادمة هي الأعنف والأطهر وستعم كافة دول الربيع من جديد كفرصة أخيرة لن تتكرر أبدًا، اصنعوا ثورة جديدة في يوليو أو سبتمبر أو مارس فلديكم أحد عشر شهرًا أخرى تصلح للثورة، هبـّوا بثورة جديدة تتخلص من كافة الالتزامات وتقتلع شرعية ما قبلها تمامًا، بما فيها السيسي ومرسي لتفرض واقعًا جديدًا يجرُ الجميع إليه كما فعلت ثورة يناير في أيامها الأولى، وعندها ستبنون مستقبلكم بسواعدكم ولن تنطلي عليكم خدع العسكر والخارج من جديد. وستسحبون البساط من تحت أقدام أصحاب المشاريع الضيقة والمستثمرين بثورتكم، وسيتحمل الجميع المسؤولية بدلًا من تقاذفها فيما بينكم كالكرة.

ستهدم السجون بأيديكم للأبد، وسيخرج الأحرار المعتقلون بوسام الشرف والوطنية لا بصفاقات تسحق مستقبلهم، عندها سيبني الجميع تمثال الوفاء للرئيس مرسي دون الحاجة لأن يكون رئيسًا أو سياسيًا حتى هذا إن كان حيا وقتها، وسيعود الإخوان بكوادرهم وكفاءتهم للنسيج الاجتماعي كمُرمِّم لأوجاعه مع بقية الفرقاء دون الحاجة لأن يتصدروا المشهد من جديد فالخير موجود في شرفاء من مصر من جميع الأطياف لإرساء نظام ديمقراطي عادل لا تنفرد فيه أي قوة سياسية حتى تستقر البلاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد