«إنك خير أرض الله وأحب الأرض إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».

هي أقدس المدن على وجه البسيطة وأحبها لقلب خير البشر صلى الله عليه وسلم، هي قبلة المسلمين ودرة مدنهم التاريخية، هي مكة؛ المدينة التي تحتوي على إرث تاريخي مميز ولكن هل يمكننا أن نصف مكة في عمرانها الحالي بالمدينة الجميلة؟ هل يمكننا وصفها بالمقدسة سوى لاحتوائها على البيت الحرام؟

إن العمران في أي مدينة هو أهم سماتها، فهو ما يكسبها هيبة وجمالًا ومكانة، ويرسخها في سياقها الجغرافي والتاريخي وبإمكانه أن ينشئ من أي مدينة أخرى جديدة لا صلة لديها بماضيها ولا تراثها، وبالنظر لعمران مكة قبل العام 2004 سنجد مدينة تتوسطها قبلة المسلمين بيت الله الحرام ولا يوجد مبنى غيره في المدينة يطغى عليها، فبالتالي كانت الكعبة هي محور المدينة ورمزها العمراني والديني.

أما بالنظر إلى العمران الحالي لمكة، فسنجد مكعبًا أسود في المنتصف هو الكعبة تحيط به الأبراج الشاهقة التي لا تمت لما يحيط بها من سياق تاريخي أو جغرافي، صلتها فقط «تطاول رعاة الشاة في البنيان».

التوسعة والتشويه

لا يستطيع أحد أن ينكر التزايد المتطرد لأعداد الحجاج كل عام، ولا ننكر احتياج الحرم إلى المزيد من التوسعات ليشمل المزيد من الحجاج ولتزداد قدرته على استيعاب من يفدون إلى بيت الله الحرام لأداء الحج، ولكن قبل الحديث عن التوسعة نسأل هل الكعبة مستقلة تراثيًّا وعمرانيًّا بذاتها، هل بإمكاننا أن نهدم كل ما حول الكعبة من تراث إسلامي ونقول لا بأس كل ذلك في سبيل التوسعة فتعودوا على الأمر؟، هل الكعبة بالنسبة لنا هي مكعب من الحجارة يطوف حولها الناس ماديًّا فقط ونقول بأنها ستظل المهيمنة على عمران المدينة بصفتها أهم مبانيها دينيًا؟! هل ما زالت الكعبة هي المهيمنة على عمران مكة أم أنه استُبدل بها حفنة من الأبراج الإسمنتية التي انتزعت مكة من سياقها التاريخي، وهُدمَت آثارها تحت عذر التوسعة في الحرم.

فلنفترض أنك حاج ادخرت أموالك وسافرت إلى مكة لأداء الحج وزيارة تراثك الإسلامي، فإذا ما ذهبت لزيارة بيت الرسول صلى الله عليه وسلم فلن تجد سوى مجموعة من المراحيض العامة، أما إذا ذهبت لزيارة رفيقه أبى بكر فستجد فندقًا إسمنتيًا ضخمًا يقف مكانه، أما إذا ذهبت لتبحث عن التراث العثماني في قلعة أجياد فلن تجد سوى مجمع من الفنادق الإسمنتية ينتصب في منتصف مكة على أنقاض القلعة، أما زلت تصر على أنها توسعة لا تشويه؟ حسنًا في الحرم ذاته هناك ما يسمى بالرواق العثماني أو ما يسمى بالمطاف القديم، وهو ما كان يعرف بدرب النبي في الجهة الشرقية للحرم، فهو المكان الذى كان يسير فيه النبي عند دخول الكعبة، وحرص سلاطين الدولة العثمانية على وضع أعمدتهم التي يهدونها إلى الحرم وعليها نقوش لأسماء الصحابة فيه وتمثل تراثًا معماريًّا وجمالًا لا يوصف للمبنى، وليس الأمر مجرد أعمدة فقط، بل إن هذا الرواق يشتمل على المكان الذي أسرى منه بنبينا إلى القدس الشريف، فهل هدم كل ذلك وإزالته ووضع كتل من الخرسانة المصمتة مكانها توسعة للحرم أم تشويه له؟!

لا بديل عن التوسعة

ختامًا هناك حاجة للتوسعة لكن التوسعة أصبحت تعني بخلاف توسعة المشاعر المقدسة بناء المولات والمحال متعددة الجنسيات على حساب بيوت الصحابة وأمهات المؤمنين، ولا نستطيع تبرير هدم آثارنا الإسلامية وتشويهها بغرض الخوف من الشرك بالله ثم نستبدل بها المولات الاستثمارية والمحلات التجارية التي شوهت عمران مكة بشكل كبير، ولكن إذا كان هذا هو مفهومكم عن التوسعة فلا بأس، اهدموا مكة إذًا واهدموا ما تبقى من مبانيها القديمة وحتى الكعبة نفسها لا حاجة لنا بها بعد الآن، اهدموها وانصبوا بدلا منها نصبًا تذكاريًّا وانقشوا عليه كان هنا قبلة المسلمين ونوفر مساحتها للطواف!

أما عن رأينا «فابعدوا أبراجكم وأصنامكم عن كعبتنا ودعوا لنا ما تبقى من تراثنا». إذا رغبتم حقًا فى التوسعة فأبعدوا كل تلك الخرسانة عن الكعبة ولو لكيلومتر واحد ووسعوا الحرم في تلك المنطقة دون هدم لتراثنا الإسلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد