مرّ على الحرب الافتراضية بين السوريين واللبنانيين أيام قليلة، بعد ظهور صفحة على «فيسبوك» ذاع صيتها مؤخرًا تحمل اسم «اتحاد الشعب السوري في لبنان»، والتي كانت تدّعي تمثيلها للاجئين السوريين المقيمين في لبنان، وتدعوهم للخروج بمظاهرة ضد الجيش وتسيء للسلطات بمنشوراتها، وقالت إنها قد حصلت على تصريح أمني مسبق من بلدية بيروت، فضلًا عن ادعائها التواصل مع نشطاء حقوقيين وإعلاميين لبنانيين أثنوا على فكرة التظاهر وأنهم سوف يتواجدون في ساحة سمير قصير بموعد المظاهرة، ولكن الحقيقة هناك تفاصيل لم تحاول وسائل الإعلام التأكد منها، وسردها لم يكتب، وبقي صحة خبر «خروج السوريين ضد الدولة اللبنانية» خبرًا مبهمًا لدى الوسط اللبناني والسوري أيضًا.

أيام قليلة مضت شهدت فيها الساحة اللبنانية حربًا افتراضية على الإنترنت بين السوريين واللبنانيين، بسبب تلك الصفحة الفيسبوكية، التي اندست بين ناشطين دعوا لوقفة سلمية من أجل دعم اللاجئين، وذلك بعد تداعيات أحداث بلدة عرسال الأخيرة في 30 من حزيران الفائت، بقيام الجيش اللبناني باقتحام مخيمات للاجئين السوريين في البلدة -النور والقارية– وراح ضحية الاقتحام قتلى وجرحى مدنيين لبنانيين وسوريين، فضلًا عن اعتقال ما يقارب 370 مدنيًّا من السوريين اللاجئين، وما أثار الرأي العام هو وفاة 4 أشخاص من المدنيين اللاجئين بظروف غامضة بعد اعتقالهم من البلدة، وعلى أجسادهم آثار تعذيب بحسب الصور التي انتشرت على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، لا سيما بعد منع وكيلتهم القانونية المحامية ديالا شحادة بعد ما أخذت الموافقة من قاضي الأمور المستعجلة في زحلة بفحص العينات في مستشفى ديو في بيروت، وداهمت قوى من المخابرات العسكرية المستشفى وأخذت العينات بحسب ما روت المحامية شحادة.

التفاصيل المخفية للحادثة

بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها بلدة عرسال، تشكلت لجنة من اللاجئين السوريين في البلدة تحت مسمى «اللجنة المؤقتة لمتابعة شؤون اللاجئين في عرسال»، وأخذوا تفويضًا لنشاطهم من بعض أهالي المخيمات للبحث في حلول واقعية لتحييد المدنيين عن أهداف الجيش من إلقاء القبض على المطلوبين داخل البلدة، وعملت اللجنة على عدة زيارات رسمية لمسؤولين لبنانيين قدموا لهم عدة مطالب لحماية اللاجئين في لبنان، لا سيما المتواجدين في عرسال، وأن يؤخذ بعين الاعتبار أن اللاجئين المتواجدين في عرسال لا ناقة لهم ولا جمل فيما حصل وسيحصل، وأنهم ليسوا على تواصل أو صلة مع المسلحين في الجرود أو المطلوبين من البلدة.

أما في بيروت فقد دعت مجموعة ناشطون مستقلون –لبنانيون– ممثلين عن جمعياتٍ حقوقية ومنظماتِ مجتمع مدني، لاجتماع لمناصرة اللاجئين الأسبوع الأول من الشهر الحالي، لإيجاد حلول للضغط والمطالبة بفتح تحقيق شفاف ومستقل عن أسباب وفاة المدنيين الأربعة الذي توفوا بعد اعتقالهم وقبل التحقيق معهم بحسب ما صرح به قيادة الجيش اللبناني  في بيانه «لدى الكشف الطبّي المعتاد.. تبين أن عددًا من (الموقوفين) يعاني مشاكل صحية مزمنة قد تفاعلت نتيجة الأحوال المناخية» إلّا أن الصور التي تناقلها ناشطون وانتشرت على الإنترنت دلت على عكس ما أفادته قيادة الجيش، «وجرى نقل الموقوفين الأربعة للمستشفيات لكن ظروفهم الصحية قد ساءت وتوفوا» بحسب بيان الجيش، وظهر في تاريخ 24/7/2017 التقرير الطبي الذي يكشف عن حالة المتوفين الأربعة، وأكد التقرير أنهم توفوا إثر نوبات صحية.

في تلك الأثناء تباحثت مجموعة بحلول لآلية دعم اللاجئين وإطلاق سراح الموقوفين وتحييدهم من أي مشاكل أمنية قد تحصل في عرسال، (كونها قريبة من عناصر مسلحة من داعش وجبهة النصرة في منطقة الجرود الواقعة بين الحدود اللبنانية السورية في سلسلة لبنان الشرقية)، وخرجوا ببيان نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي للتوقيع أفرادًا ومنظمات، ودعوا في يوم الخميس 13 من تموز إلى تحرك سلمي صامت ميدانيًا باعتباره وقفة تضامنية مع اللاجئين السوريين في لبنان ويطالب السلطات اللبنانية بحمايتهم.

إلا أن «اتحاد الشعب السوري في لبنان» المشبوهة على فيسبوك، تبنت التحرك الميداني الذي أنشئ بواسطة صفحة المنتدى الاشتراكي على فيسبوك، أحد المنظمين في مجموعة التحرك للمناصرة، وبدأ بتسويق فكرة التحرك على أنها ضد الجيش اللبناني، وأن هناك آلافًا من اللاجئين السوريين سيكونون متواجدين في ساحة سمير قصير يوم السبت في الساعة السابعة مساءً، إلا أن المنتدى الاشتراكي تدارك الأمر فقام بتأجيلها ليوم الثلاثاء 18 من الشهر الحالي عند الساعة السابعة والنصف بعد أن قدموا ورقة «العلم والخبر»، فقامت الصفحة المشبوهة بتغيير الموعد بحسب تغيير المنتدى لموعده، وقامت بالتحريض بطريقة عنصرية وبشعة.

بلبلة إعلامية ساعدت على الاحتقان!

وهنا قد تداخلت الأخبار في تناقل التطورات، وحملات التصعيد بين السوريين واللبنانيين بدأت تعلو، إلى أن وصلت إلى وسائل الإعلام، فبدأت بكتابة التقارير الإخبارية حول مظاهرة ضد الجيش اللبناني تدعو إليها صفحة «اتحاد الشعب السوري في لبنان» على فيسبوك، وأن هناك تجمعًا مضادًا من لبنانيين قدموا علمًا وخبرًا لمحافظ بيروت بالخروج ضد هؤلاء السوريين، علمًا بأن الأمور اختلطت بين الوقفة التضامنية مع اللاجئين، (بعد أن كانت المجموعة تخطط لها بعد تقديمهم لورقة العلم والخبر في بلدية بيروت بحماية من وزارة الداخلية) وبين المظاهرة الوهمية التي دعت إليها الصفحة ضد السلطات والأجهزة الأمنية اللبنانية، (بنفس التوقيت والمكان الذي كان منويًا حصول الوقفة التضامنية فيه «ساحة سمير قصير بوسط بيروت»).

استمرت وسائل الإعلام بدورها بنشر ما يحصل على مواقع التواصل الاجتماعي والهجمات من بيانات والرسائل التي تصل عبر «الواتس أب» بين الصفحة المشبوهة واللبنانيين الذين حذروا السوريين بعدم الخروج ضد الجيش اللبناني بطريقة تهديد مرعبة، فتداركت المجموعة خطورة التصعيد الذي حصل آنذاك، وقاموا بإلغاء الوقفة التضامنية، وأصدرت بيان استنكار وتوضيح صادر عن المنتدى الاشتراكي.

وكانت الدعوات المقدمة لبلدية بيروت يوم الثلاثاء 18 تموز 2017 في التوقيت والمكان نفسهما، أثارت البلبلة والهلع في البلدية، خصوصًا أن الطلبين المقدمين إلى محافظ بيروت متعارضان، من جهة طلب المجموعة من الناشطين ممثلين بالمنتدى الاشتراكي السماح لوقفة تضامنية تدعم اللاجئين السوريين، بينما تقدمت لجنة أهالي الشهداء بطلب آخر دعمًا لشهداء الجيش، ويبدو أن الصفحة المشبوهة كانت تهدف لتخيير اللبنانيين بين الجيش اللبناني واللاجئين السوريين، تمهيدًا للمفاوضات التي يجريها رئيس الجمهورية اللبناني ميشيل عون ممثلًا باللواء عباس إبراهيم مع حكومة النظام السوري.

عقب هذه الأحداث، أصدر وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق بيانًا جاء فيه: «لا يتعب المغردون أنفسهم فالجيش الخاضع لقرارات مجلس الوزراء مجتمعًا هو مؤسسة وطنية جامعة لكل اللبنانيين، ومنوط بها حماية لبنان وجميع المقيمين على أرضه. ونعول في المقابل على تسريع التحقيق المسؤول والدقيق في وفاة النازحين السوريين الأربعة، لذلك وبعد التشاور مع القيادات الأمنية المعنية اتخذنا القرار بعدم الموافقة على أي طلب من أي جهة للتظاهر حفظًا للسلم الأهلي».

ناشطون: من المحرض الرئيسي؟

وتبين في الصفحة المشبوهة أن كتابة المنشورات بعضها باللهجة اللبنانية، والتي فيها كلمات لا تستخدم بأي منطقة من اللهجات السورية، فيما قال ناشطون متابعون للصفحة منذ شهر تقريبًا أنهم كانوا قد شاهدوا منشورات عدة بالصفحة أنها من بلدة البقاع محددة بواسطة «GPS» (نظام تحديد المواقع) قبل هذه الهجمة العنصرية، ولم يكترثوا لتصويرها، وتساءل أحد كبار المدونين على السوشيال ميديا، فضل عدم ذكر اسمه: «هل يعقل أن الدولة اللبنانية وجهاز أمن المعلوماتية بطوله وعرضه لم يعرف من صاحب هذا الحساب؟».

وكان قد كتب سعود المولى الدكتور في العلوم السياسية على صفحته في فيسبوك حول المظاهرة والحملة المضادة: «فلينتبه اللبنانيون قبل السوريين، الدعوة إلى تظاهرتي الثلاثاء المؤيدة والمعارضة صدرت عن نفس الجهاز المخابراتي».

ونشر الدكتور طارق متري المبعوث الأممي السابق ووزير الإعلام السابق في الحكومة اللبنانية على حسابه في (تويتر): «إذا كان الكلام العدائي ضد اللاجئين السوريين مبرمجًا فتلك مصيبة. أما اذا كان تلقائيًا فالمصيبة أعظم»، ونشر تغريدة أخرى «جوابي: منذ سنوات يقال لنا إن اللاجئين السوريين قنبلة موقوتة. القنبلة المزعومة لم تنفجر. إلى أين تأخذنا اليوم لغة التعبئة؟ الكلام أول العنف».

وقالت صفحة «وينية الدولة» المشهورة بالوسط اللبناني والتي دائمًا ما تركز على فساد المؤسسات الحكومية في الدولة اللبنانية بفيديو قد نشهر على صفحتهم «تبين أن الصفحة تصدر من حسابين بأسماء زينب ميرزا وحوراء مهتدي بالإضافة إلى أن الأخير صفحة على الفيسبوك لديها 4000 متابع يتم فيها مشاركة من الصفحة المشبوهة باسم اتحاد الشعب السوري في لبنان التي ظهرت من العدم» ونوهت بتعليقاتها أن بعض من متابعي الصفحة لديهم مليون متابع، حذرت وطالبت صفحة وينية الدولة الأجهزة الأمنية متابعة هذه الصفحات في جريمة التحريض ضد الجيش اللبناني وإلا سيفسر أن بعضًا منها متآمر مع الصفحات المذكورة ضد جيش بلاده.

ولكن تبقى الأسئلة عالقة في أذهان الكثيرين، هل كانت تلك الحرب الإلكترونية تمهيدًا قبل المعركة التي يخوضها حزب الله على جرود عرسال ولقياس مدى ردة فعل العرساليين واللاجئين في المنطقة؟ وما هي حقيقة التضارب بين بيانات كشفتها صفحة (وينية الدولة)، و عن اعتقال الأمن العام اللبناني السوري هاني الحسين المتهم بأنه مسؤول صفحة اتحاد الشعب السوري في لبنان؟ ولماذا لم يُكشف عن مسؤول الصفحة، ولم تُغلق صفحة «اتحاد الشعب السوري في لبنان» بعد؟

الصورة للصحافي ورسام الكاريكاتير علاء رستم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد