حَدَّثَنِي صَدِيقي، حَديثُ الْعَهْدِ بِالزَّوَاج، أنْهُ لَمْ يَجِدْ كَثِيرًا مِمَّا تَوَقَّعَ، أن التَّنْظِيرَ رُبَّما كَانَ زَائِدًا عَنِ الْحَدِّ، وأنَّ حَلْقَاتِ النِّقَاشِ مَعَ أصدقائك مِنَ الْمُتَزَوِّجِينَ والْعَازِبِينَ لَنْ تُفْضِيَ إلى كَثِيرٍ مِمَّا يُمْكِنُ أن تُعَوِّلَ عَلَيهِ، فَقَدْ لَا يَتَطَلَّبُكَ الأمر سِوى أسبوع وَاحِد حتّى تُدْرِكَ أنْكَ رُبَّما قَدْ بَالَغْت فِي الْقَلَقِ مِمَّا هُوَ قَادِمٌ، وأسرفت وَقَتًا طَوِيلًا تُحَضِّر لَهُ، أو أنْكَ أفرطت فِي التَّفَاؤُلِ تَارَةً وفِي التَّشَاؤُمِ تَارَةً أخرى.

«لَمْ تَكُنْ أبدًا نُقْطَةُ التَّحَوُّلِ كَمَا اعْتَقَدتُهَا»، هَكَذَا أخْبرني هُوَ وغَيْرهُ الْكَثِيرُ.

فَقَطْ يمكننا أن نَتَّفِقَ أن أَمْرًا مَا جَدِيدًا قَدْ بَدَأَ يَظْهَرُ عَلى السَّطْحِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وبَدْأ يَخْتَلِطُ بِالتَّفَاصِيلِ، تَفَاصِيلُكَ. صَوْتٌ آخرُ بَدَأَ يَتَرَدَّدُ صَدَّاهُ فِي الْمَنْزِلِ حينما كُنْتَ تَنتظرُ السُّكُوت، رَأْي يُوَافِقُكَ أو بِالطَّبْعِ قَدْ يُخَالِفُكَ فِي اخْتِيَار الْفِيلْمِ الْمُنَاسِبِ لِهَذِهِ الْأُمْسِيَة، مُشَاجَرَةٌ هُنَا وَأنْتَ عَائِدٌ مِنْ يَوْمِ عَمَل نَاجِحٍ – قَلَّمَا يَحْدُثُ – يَمْلَؤهُ السعادةُ تُرِيدُ أن تُنهيه بِسهرةٍ صَباحِيَّةٍ مَعَ صُحْبَةِ الْمَدْرَسَةِ الَّتِي لَا تزَالُ – لِحُسْنِ الْحَظِّ – تَحْتَفِظُ بِهَا، عَنَاقٌ هُنَاكَ بَعْدَ أَنْ عدت لِلتَّوِّ غَاضِبًا حَيْثُ قرّرَ شَخْصٌ مَا مَجْهُولٌ تَمَامًا أن يُبَارِكَ لَكَ عَلى سَيَّارَتِكَ الجديدة فَتَرَكَ لَكَ تَذْكَارًا لَا يُنسى وخَلَعَ مِرْآتَكَ الجانبية وأكْمَلَ طَرِيقَهُ كَأنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ؛ تَفَاصِيلُ جَدِيدَة.

أَيْنَ نَظَّارَاتِي، مَفَاتِيحي، الْكِتَابُ الَّذِي ما زِلْتُ لَمْ أنْتَهِ مِنهُ! مَنْ رَتَّبَ الغُرفة هُنَا ومَنْ بَعْثَرَ الْأَوْرَاق هُنَاك عَلى تِلْكَ الطَّاوِلَة! أَنْ تَجِدَ أحَدًا فِي اِنْتِظَارِكَ، فِي حُضورِكَ، فِي غِيَابكَ، فِي نجَاحِكَ، يَد تَمْتَدُّ لَكَ عِنْدَ سُقُوطِكَ؛ تَفَاصِيل جَدِيدَة!

حينما تَرَكَ هَذَا الفتى وطنه قَبْلَ أن يُكْمِلَ عَامهُ الْعشرين بَاحِثًا عَنْ فُرْصَةِ تَعْلِيم أفْضَل وحَيَاة أفْضَل، خُيِّلَ لَهُ أنْهَ مِنْ فَرْطِ منْ عَانَى فِي وَطَنِهِ، مِنْ غِيَابِ الْعَدْلِ والرؤية وتَفَشِّي الْفسَاد والْقَهْر وَضيق الْحَالِ، سَيَسْهُلُ عَلَيهِ الْمُضِيّ قدمًا فِي «مَوْطِنهُ» الْجَديد غَيْرَ عَابِئ بِمَا تَرَكَ خَلْفهُ مِنْ تَفَاصِيل.

لَمْ يَكُنْ يَدْرِي أن فِرَاق الْوَطَن، وإن كَانَ فِرَاقًا لِظُلَمِهِ وعِلَّتَهُ، لَنْ يُشْفِيَكَ مِنهُ ولَنْ تَجِدْ فِيهِ الْخلَاصَ. فَهَا هُوَ يَبْحَثُ عَنهُ فِي التَّفَاصِيلِ الْمَفْقُودَةِ، فِي طعَام شَعْبِيّ مُفَضِّلٍ، فِي اِلْتِئَام شَمْل أسرة حَوْلَ إفطار يَوْم الْجمعةِ، إذاعة رَادْيُو، فِي مُبَارَاة لِلْكُرَةِ مَعَ أصدقاء الْمَدْرَسَة، فِي صَلَاَة تَرَاوِيح، رَائِحَة قَهْوَة أُمّه الَّتِي لَا تُخَطِّئهَا أَنْفُهُ، فِي صَوْت حِذَاء أَبِيهِ عَلى دَرَج الْبَيْتِ، صَلَاَة عِيد الْفِطْرِ فِي الْخَلَاَءِ، أضحِية الْعِيدِ، اِبْنَة الْجِيرَانِ، الْبَقَّالَ، بَائِعَة الْخُضَرِ؛ تَفَاصِيلُ لَا تَنْتَهِي.

ثَمَّ هَا هِي قَهْوَةُ أُمِّهِ تَتَبَدَّلُ بالإسبرسو، الْجمعة صَارَ يَوْم عَمَل عَادِيًّا، لَا جِيرَان قَدْ يَهْتَمُون بِالتَّعَرُّفِ، أسرتكَ تراها فَقَط فِي مُحَادَثَاتٍ عَلى الإنترنت، الرَّادْيُو بلغة مَحَلِّيَّةٍ لَمْ تُتْقِنْهَا بَعْد؛ تَفَاصِيلُ جَدِيدَةٌ.

مِسْكِينٌ هُوَ، رُبَّما لَمْ يَكِنْ يَدْرِي أن تَفَاصِيلَهُ سَتُطَارِدُهُ فِي الصَّحْوِ. سَتُنَغِّصُ عَلَيهِ مَنَامه، سَتَمَرُّ أمامه فِي الحلمِ كَشَرِيط فيلم سينمَائِيّ بِكُلّ مَا فِيهِ مِنْ تَفَاصِيل. رُبَّما سَيُكْمِلُ رحلتهُ آملًا أن مَاءًا سَيَجْرِي فِي النُهرِ يَوْمًا، ولَكن منْ قَال إن الْفراقَ رَاحَة يا رَفيق إذا مَا كَانَتْ جعْبتكَ مُمْتَلِئَة بِالتَّفَاصِيلِ، لَا فِكَاك!

«وَأَنَا أَذْكُر ريتا مثلما يَذْكُر عصْفُور غَدِيره
آهٍ… ريتا
بَيْننَا مِلْيُون عصْفُور وَصُوَره ومَوَاعِيد كَثِيرَة، أطلقت نَارًا عَلَيهَا.. بندقيّة»
مَحْمُود دَرْوِيش.

وكَأَنَّ شَمْسًا أَشَرَقَتْ فِي نهَار شِتَاء طَوِيل مُظْلِم فملأت جَنْبَات الْمَكَانِ بَهْجَة ودفئًا، انْتَظَرُوهَا طَوِيلًا.

كَانَتْ الْاِبْنَة الأولى، والْحَفِيدَةُ الأولى أيضًا. حَدَّثَنِي عَنِ الْخَيَالِ، قَال إن كُلَّ يَوْم جَاءَ بَعْدَ قَدُومِهَا كَانَ مُخْتَلِفًا وهُوَ الَّذِي مَا كَانَ ليصدق قَوْلَة أحدهم سَبَقهُ لِذَلِكَ، كَانَ الْكَلَاَمُ عَنْ هذا دربًا مِنْ دروب الْخَيَالِ. أيمكننا أن نراه، نَرى الْخَيَالَ بِهَيْئَتِهِ أمامنا، نَائِمًا إلى جِوَارِنَا! أيمكنك أن تَجْلِس بِجِوَارِهَا تارِكًا سَهْرَة أصدقاء الطُّفُولَة فِي لَيْلَةِ خَمِيس صَيْفِيَّةٍ! أن تتركَ مَا فِي يَدَيْكَ، فَقَط لتتابعَ حَرَكَة عَيْنَيْهَا تَتَنَقَّل بَيْنَ أَروقَةِ الْمنْزلِ. أَوَّل الْأَصْوَاتِ غيرِ المفهومة، الضَّحِك، الْاِنْتِبَاه لِحَرَكَةِ الآخرين مِنْ حَوْلهَا، أولى مَرَاحِل الْحَبْو، الْجُلُوس ثُمَّ أولى خُطوات السير مُسْتَنِدَة لِكُلّ وَسَائِل الْمُسَاعَدَةِ.

أن تَغَافلَكَ سُرْعَة الْحَيَاةِ، فَتَجد نَفْسكَ تُوَصِّلَهَا بِسَيَّارَتِكَ لأول يَوْمٍ فِي الْمَدْرَسَة؛ تَفَاصِيلُ جَدِيدَة.

ثَلَاثة أَعوَام قَدْ مروا عَلى آخر حَفْلٍ حَضَرَاهُ سَوِيًّا، هُوَ يَذْكُرهَا جيدًا، كَمَا يَذْكُر الْحَفْلَ بِهَيْئَتِهِ كَامِلًا. أَمطَارُ الشِّتَاءِ الأولى فِي خِفَّتِهَا وألقهَا، ريهام!

الْيَوْم مَرَّ مِنْ هُنَاكَ، لأول مرَّة، مُنْذُ يَوْمِهَا، لَمْ تَكن رَغْبَتُهُ كَامِلَةً. منْ قَال إن كُلّ مَا يَتَمَنَّاهُ الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ! وَجدهَا هُنَاكَ، فِي مُخَيِّلَتِهِ،حَاضِرَةً بِفُسْتَانِهَا الزَّهْرِيِّ وشَعرِهَا الْأسود الْقَصِير، تَمَامًا كَمَا أَحَبّهُ.رآها فِي تَفَاصِيلِ الْمَسْرَحِ الْكَبِيرِ، فِي الصُّفُوفِ الْعُلْوِيَّةِ، لِحَظَّاتِ التَّرَقُّبِ ثُمَّ الصّمت، فِي بَهَاء حُضورِ الأوركسترا كَامِلَة، الْمايِسْتروَ الَّذِي طَالَمَا أدهشتهما حُلَّتهُ السَّوْدَاءُ المميزة والغريبة، فِي عُيُونِ الْعَازِفِينَ وشَغَفِهِمْ، فِي رِقَّةِ أصوات الْكمَان وفِي صَخَب الْكُونْتِرْباص وغلظته.

ألحان تشاكوفيسكي لَا تزال هِي اِخْتِيَارهُ الْأَوَّل، فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ الْمُتَأَخِّرِ بِجِوَارِ الْمُتَبَقِّي مِنْ عَمَلٍ لَمْ ينجزه إلى آخره صَباحًا، حَلّ الْعَمَلُ مَحَلَ الْمُذَاكَرَة، وبقي تشاكوفيسكي فِي مَوْضِعِهِ.

كَانَ كُل مَا يَرْتَدِيه الْيَوْم جَديدًا، حتّى سَاعَة يَدِهِ الَّتِي لَم يكن ليُحِبّ أن يَسْتَبْدِلَهَا كَثِيرًا، رُبَّما لأنها أول مَرَّة يَصْطَحِبُ فِيهَا مَرْيَم لِأُمْسِيةِ خَارِج الْبَيْتِ بَعْدَ خطبتِهِمَا، ورُبَّما لِأَنّهُ كَانَ يَهْرب مِنْ تَفَاصِيل قَدِيمة، لَمْ يَنْسَهَا كَامِلَة وإن أَصَرَّ على أن يقول غَيْر ذَلِكَ.

رُبَّما أَكْثَر مَا سيؤلمكَ دَومًا فِي تَفَاصِيلِكَ هِي أنها سَتَنْتَهِي يَوْمًا وتَتَوَقَّفُ بِشَكْلٍ دِرَامِيّ حَزِينٍ، أو حتى بِطَرِيقَة قَدْ تَبْدُو مَقْبُولَة لَدَيكَ، فِي نِهَايَةِ الْأَمْر سَتُحَدِّثُكَ نَفْسكَ أن هَذِهِ النهاية أو تِلْكَ كَانَتْ اِخْتِيَارًا كَامِلًا مِنكَ، وَكَأَنّكَ كُنت قَادِرًا على مَنْعِهَا مثلًا ولَمْ تَفْعَل. يا مسكين!

«وَإِذَا مَا اِلْتَأَمَ جُرْحٌ جَدَّ بِالتَّذْكَارِ جُرْحٌ»، إبراهيم نَاجِي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التفاصيل
عرض التعليقات
تحميل المزيد