فنحن مهما بالغنا في وصفنا لوضع المعتقل داخل عنبره، فكل هذا يقتصر على الناحية النظرية، والجانب العاطفي فقط، وتصورنا ونحن جالسين مستقرين في منازلنا، فعليك أيها القارئ أن تضع نفسك مكانه لمدة قراءتك للمقال فقط، أعاذك الله من كل شر.

أعرف أن يجد بالسجون مئات الشباب في مقتبل عمرهم، ولكن لا أعرف ماذا يفعلون بالداخل، كيف يقضون يومهم، فمنهم من علم بسنين حبسه، وسلّم نفسه للأمر الواقع، ومنهم من يقضي أيام الاحتياط المفروض عليه، كلاهما بالداخل، نفس الحال, كيف يفيقون من نومهم، ومن يوقظهم من النوم العميق، بعد أن كانت الأم أو الأب من يوقظهم من على فرشهم، الآن يستيقظون بصوت من شخص يرقد جانبه على أرض العنبر، وبعد أن يتناولوا الإفطار في موعده المحدد، والمتفق عليه للجميع، كيف عليهم أن ينسوا أن هذا موعد الذهاب للعمل أو للدراسة، وأنه موعد الذهاب للساحة السجن لقضاء سويعات الصباح, كيف عليهم أن يأتوا بطاقة صبر على رؤية الأحبة والأهل مرة واحدة في الأسبوع لمدة عشر دقائق، وأعلم أن بعض الأشخاص ببعض الأماكن يحرمون تمامًا من رؤيتهم في الشهور المتتالية.

لم أنكر أن الوضع هذا سيطر على مخيلتي، وعلى أحلامي، ومؤخرًا لم أدر بنفسي سوى أن أستيقظ بكابوس مرعب، أتخيل نفسي داخل القضبان مقيدًا ومفتقدًا لنعم الله علىّ, في الفترة الأخيرة زادت متابعتي لأهل وذوي المعتقلين، لم أدر، هذا فضول مني، وحب استطلاع لمعرفة أخبارهم، أم ـ فعليًا ـ لأني متضامن معهم فقط بالشعور والدعاء، وهذا أضعف الإيمان، فأرى من تكتب لأخيها، وتنشر صورها معه، وتتذكر المواقف الجميلة التي جمعتهم، ومنهن من تكتب لابنها الوحيد الذي منّ الله عليها به، ويقضى سنين شبابه بعيدًا عنها، وتقضي هي بقية عمرها في ألم الفراق عليه.
ومنهن من تكتب قصص وبطولات زوجها، قبل أن تحرم منه، وتصبح هي ربة الأسرة، وتصحب أبناءها لزيارة أبيهم بالسجن، وتظهر بأقوى مظهر لها؛ كي لا تحمله ما لا طاقة له به وتخبره أن الأمور كلها على ما يرام، وهو يعلم تمامًا كذبها، وتحملها ما لم تستطع به, صدفة رأيت قصة فتاة حُرمت من حبيبها ليلة عرسهما، فمن أين تأتي الكلمات تواسيها، وأين تختفي الدموع؛ كي لا تقلقها, وأعرف رب أسرة فُصل من عمله، وغلق باب رزقه عليه وأولاده، ويعتقلون، ولم يمكن من السؤال عن أحوال أولاده، ويمنع زيارتهم له، ويحرم قلبه من رؤيتهم؛ حتى لا يسألهم عن حالهم، ويشاهدوا في عينيه نظرات العجز والحسرة.

نعم استشعرت دعاء «ونعوذ بك من عجز الرجال»؛ عندما كتب أحد الآباء لابنه في أولى جلسات الحكم عليه لافتة بيضاء كبيرة «أنا السبب، سامحني»، استشعرت وقتها شعور الابن بالذنب أنه السبب في كل ما حدث من تعب وإهانة أبيه وأمه وراءه بالسجون، لكن كيف كان له أن يغير مصيره المحتوم.

أصبحت أشاهد الأفلام الكثيرة، وفيديوهات تعذيب المعتقلين، وأعلم كم سأتألم بعد مشاهدتها، ولكني أفضل دومًا مصارحة نفسي بالحقيقة والأوضاع التي يتعرض لها الكثير من الشباب, أتذكر الشيخ «ناجح إبراهيم» أنه قضى من عمره خمسة وعشرين عامًا بالسجن؛ ليخرج بالعديد من الكتب والمؤلفات، وختم القرآن حفظًا بجميع القراءات، فكان هذا ما أقدر أن أواسي به من بالداخل، عليك باستغلال كل وقتك وطاقتك، وأن تثمر حيثما وضعك الله، وأن ترضى بقضاء الله، وقدره، وتتأقلم عليه، بل تستغله لصالحك.

فيأتي الليل على المعتقل، وتنزل الظلمة، ويعم السواد، ويستغل ساعات الليل في مناجاة ربه وحده بما يحلو له، فلم تجد أسباب دنيوية، ولم يسلكها، ولم يجد سبيلًا إلا وسلكه؛ ليتقين في النهاية أن الحل من عند ربه، وأنه من المؤكد أن ثمة حكمة من الله بوجوده في هذه المحنة, فاعلم أيها القارئ المسكين أن الله يخلق المحنة والابتلاء للعبد الذي يقدر عليها ويتحملها، بل يتغلب عليها، وأن يجد هناك حياة أخرى بلا ظلم.

من آخر النقاط التي أفكر بها في حالة أفترض أن يُخرجوا جميع الشباب الذين يملأون السجون، هل يقدرون على نسيان كل ما مرّوا بيه، وتعرضوا له من تعد؟ هل يستطيعون أن يغفروا ضياع سنين عمرهم وأحلامهم وفراق الأحبة وموت الأب والأم وهم داخل السجن؟ هل يتغلبون على رغبتهم في الانتقام والثأر من من تسببوا لهم في كل هذا؟ هل يعودن أشخاصًا أسوياء مستقرين نفسيين، كما دخلوا يستطيعون أن يتعاملوا مع كافة البشر، دون تخوين أو شك في فلان وفلان؟ هل يقدرون على تجاوز كل هذا؟ والله، صعوبة ما بعد الخروج، توزان قوة وصعوبة الوضع بالداخل.

الله يزرقهم عمرًا آخر مفيدًا ومثمرًا في الجنة مع الأنبياء والصالحين؛ فهذا فقط ما نستطع أن نؤمل فيه، وندعوا به الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المعتقل
عرض التعليقات
تحميل المزيد