لازالت الثورة السورية هي الرقم الأصعب في ثورات الربيع العربي، بتضحياتها الجسيمة من حيث شهدائها الذين تجاوزوا المائة ألف شهيدا، وجرحاها ومصابيها ومشرديها الذين تجاوزوا الملايين، وفي ظل انشغالنا كمصريين بثورتنا الوهاجة، والتي تطل من جديد في ثوب موجتها الحالية الرائعة.

سنلقي الضوء على أحد مآسي الثورة السورية ” المتروكة “، كما يحب أن يسميها مؤرخها أبازيد، وهو ملف المعتقلين في سجون الطاغية بشار الأسد. لكي تكون الثورة السورية شاهدا تاريخيا حيا نتعلم منه الدروس ونقف أمامه نستلهم منه الأفكار والمسارات.

يقدر عدد المعتقلين في سجون النظام الأسدي بما يزيد عن 200 ألف معتقل، 85 ألفا منهم اختفاء قسري، 9 آلاف دون الثامنة عشر، وما يزيد عن 5 آلاف معتقلة من الطالبات والناشطات، واستشهد منهم مايقارب 11 ألف شهيد من جراء التعذيب.

كل معتقل منهم ليس رقما لكنه إنسان له حياة وكرامة وحرية، له أسرة وعائلة وأبناء، له طوح وآمال ومستقبل، و لازال المعتقل يضحي بحريته ويمتحن ويختبر في دينه ووطنه و يعاني مرارة حوائط الزنزانة وبلاطها، وسوط الجلاد وإهانته وتعذيبه بشتى أنواع التعذيب إلى جانب معاناة أسرته وأهله والدائرة القريبة منه، يحتاج للاهتمام والدعم والرعاية على مستواه الشخصي ومستوى أسرته.

تذكر أن كل يوم تشرق فيه الشمس لتداعب جسدك ووجهك أن هناك الآلاف من المعتقلين لم يروا الشمس لأكثر من عام، اعتادوا على غيابها وعلى ملامستها لأجسادهم النحيلة.

 

تذكر وأنت تلاعب أبناءك وأهلك أن هناك الكثير والكثير ممن حرموا رؤية أولادهم وأهليهم ثمنا لمواقفهم ودعمهم لقضايا الحرية والكرامة، وهناك الكثير والكثير من الأطفال المعتقلين الذين حرموا رؤية آبائهم وأمهاتهم.

تذكر أن النظام الأسدي وجنوده يتفننون في تطوير وسائل التعذيب كما في معتقل الجحيم فرع 215 وفرع 248 شعبة المخابرات العسكرية، وتبدأ وسائل التعذيب بتغطية الوجه والتنفس داخل “كيس بلاستيك” أو وضع المعتقل يوما كاملا في “بركة ماء” ومن الوسائل أيضا “الدولاب” و “الشبح” و “الكرسي الألماني” و”الكرسي السوري” حتى وصلت وسائل التعذيب الذي يقوم به النظام الأسدي بحق المعتقلين السوريين لأكثر من أربعين وسيلة تنتهي بالقتل ودفنهم في أماكن مجهولة.

وإليكم مثالا بسيطا من شهادة المعتقل الهارب من سجون الأسد والتي تم توثيقها من خلال مركز توثيق الانتهاكات بسوريا :

(في غرفة المحقق كان هناك بساط الريح، والدولاب، عندما يضعوني على الدولاب كانوا يضربونني نحو خمسين ضربة بعصا قاسية لونها أخضر، في إحدى المرات بقيت على الدولاب نحو 16 ساعة وتلقيت نحو 400 ضربة. كما استخدم معي المحقق الكهرباء بمناطق حساسة، كان يشحن عصا الكهرباء ويفرغها في أجسادنا، كنا نشم رائحة الجلد المحترق.

وفي إحدى المرات جرى شبحي لمدة خمسة أيام متواصلة بالحمامات، وهي منطقة قذرة جدا، الحشرات تمشي على أجسادنا ولا نستطيع أن نتحرك، كنت أعتقد أن الأطباء سيساعدونني.

سألني أحد الطبيبين من فعل بك ذلك (التعذيب والضرب) فقلت له الشبيحة الموجودين في الخارج فقام بضربي بدوره بواسطة عصا غليظة، ويصاب الإنسان بحكة حتى تسيل الدماء من جسده.

 

وعندها يجف الجرح على دملة مليئة بالقيح والجراثيم والدماء والعفن، حتى تصبح سماكتها نحو 1- 2 سم، بحيث لا يتمكن المعتقل من الحركة، وتكون محصورة من الردفين إلى الركبتين. مع الوقت تصبح الدمامل جافة وقاسية كالحجر، وتبدأ تأكل من اللحم، ثم تتشقق ويصبح شكلها كحراشف السمك، و أحضروا المعتقلين محمد خير النداف، وعبد المعين الشالط من دوما – إلى مكان الحفر والأعمال الشاقة- وكانت حالة المعتقل عبد المعين سيئة جدًا، وجسمه كان مزرقًا من المرض والتعذيب، وكان ينازع الموت، عاش فقط ست ساعات، في الحاجز، تعرض فيها لأشدّ أنواع التعذيب.

لا أظنّ أنّ أحدًا في هذا العالم قد تعرّض لمثل هكذا تعذيب في حياته، من حرق بأكياس النايلون، إلى الحرق بالبارود، حيث قاموا بكتابة اسم الطاغية “بشار الأسد” على صدره بالبارود (وإشعاله)، إضافة إلى سكب الماء الساخن عليه، طلبوا منه “الكفر” وسب الذات الإلهية، لكنه رفض، وفارق الحياة بعدها).

تذكروا أن المجتمع الدولي يرى بعينه العوراء، فتقوم الدنيا بأسرها ولا تقعد لمقتل 12 فردا في فرنسا، بينما مائة ألف قتيل وأكثر من مائتي ألف معتقل لابواكي لهم. ثم يكتشف المجتمع الدولي بعد كل هذا أنه لازال في حاجة إلى المجرم بشار الأسد في حربه ضد تنظيم الدولة وما يسمى بالحرب على الإرهاب، وكأن العالم لا يرى إرهاب بشار الأسد.

تعلموا من الثورة السورية، واستلهموا منها الدروس والعبر، ولا تسلحوا ثورتكم، لكن اجعلوها ثورة سلمية مفتوحة مؤلمة للانقلابيين ورادعة لهم ولأتباعهم، اردعوا الظالمين والداعمين لهم وشبكات تمويلهم وخطوط إمدادهم، اوجعوهم ولا توجعوا الناس.

 

تذكروها ولا تنسوها، رددوها بينكم، علموها أولادكم وأصدقائكم وجيرانكم

تذكروا شهدائها و أنقذوا معتقليها بالدعاء والدعم

أنقذوهم بأن تضعوهم في بنك أهدافكم

لا تنسوهم في أهلهم وأسرهم وأولادهم وزوجاتهم وأمهاتهم

أنقذوا البقية منهم قبل أن تفقدوهم

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد