يعتقد الكثيرون أن تجاهل الآلام والمواجع أفضل من تذكرها. من باب التفاؤل والبدايات الجديدة في حياتنا وعدم التقوقع في دائرة مغلقة، أنا مع هذا القول بشكل نسبي، لا يمكننا إنكار بعض التفاصيل الموجعة التي واجهتنا في مسيرة حياتنا، كما لا يمكن غض البصر عن ما يمليه علينا نداء ضميرنا بتذكر أشخاص واستحضار ذكرياتهم التي مثلت لنا السعادة والشراكة في هذه الحياة، في خضم هذه المنعطفات يقبع هناك خلف القضبان هؤلاء الأشخاص، معتقلون في كل شيء: في حريتهم، وطعامهم وشرابهم، ورؤية أهليهم، وأبسط حقوقهم، حرموهم من الحب والعيش بسلام مع من يحبون، حرموهم من لذة احتضان أطفالهم وزوجاتهم بعيدًا عن ظلم سجانيهم وغطرستهم المطلقة.

أحاول أن أعيش معاناتهم، وأن أنظر في عيونهم إلى الحرية التي يريدونها، أحاول أن أشعر بما يشعرون به في المعتقل في أيام العيد وشهر رمضان من اعتصار في القلب وجهاد مع النفس لرؤية من يحبون، هناك خلف القضبان ووسط الظلام وتحت رحمة السجان وأنين هنا وهناك خيم على المكان، وموت وصمت وقلوب غير بشرية تتحكم وتسيطر على كل شيء، يعيشون حياتهم الملطخة بكل أنواع الأسى والظلم، يقاومون كل لحظات الضعف بجرعات صبر ربانية من الله عز وجل يمدهم بها في كل وقت وحين.

سألت نفسي مرارًا وتكرارًا: كيف لهؤلاء الأشخاص الصمود أمام كل هذا العذاب؟ كيف يأكلون ويشربون؟ كيف يستحمون؟ هل يرون نور الشمس، ويتنفسون الهواء الذي نتنفسه؟ بماذا يفكرون؟ وماذا يفعلون في أوقات فراغهم في فصل الشتاء والبرد القارص؟ كيف يحصلون على الدفء عندما يمرضون؟ وكيف يحصلون على الدواء؟ لم أجد جوابًا مقنعًا ومحددًا لجميع أسئلتي وتصوراتي؛ كوني لم أدخل المعتقل في يوم من الأيام، ولا أتمناه لأحد حتى أعدائي.

عندما سألت أحد المعتقلين الذين خرجوا من أحد سجون وأقبية الموت لنظام الأسد، كانت إجابته مربكة ومختصرة، إلا أنه ذكر تفاصيل داخل المعتقل لا يتصورها المنطق والعقل البشري من أنواع التعذيب والعذاب، قالها حرفيًا (يتلذذون بتعذيب المعتقلين) هذه الجملة قصيرة، ولكنها اختصرت كل ما يجري داخل غرف الموت هناك، وأجابتني على كل أسئلتي التي طرحتها على نفسي، وعكست صورة أوضح وأكبر عما كنت أعتقده عن حجم العذاب والألم.

هناك في المعتقل ضربات قلب السجين مرتبطة بموعد قدوم السجان بشكل أوتوماتيكي، وذلك لافتتاح جولة جديدة من التعذيب والقهر والألم، وكأن أعضاء الجسم ألعاب للتسلية والترفيه بأيدي هذا غير البشري، أو أنهم هم من خلقوها، يمارسون جميع طقوسهم النازية، من ضرب وطُرق أخرى أعتذر عن ذكرها لبشاعتها.

معتقلينا خروجكم من حفرة وأقبية الموت الأسدية، ورؤيتكم بيننا تعيشون بخير وسلام هو عيدنا، رؤيتكم خارج هذه الغرف المظلمة هو فرحتنا، وأمنيتنا لكم بالفرج القريب لتخففوا عنا وعنكم ألم الانتظار، والحنين الذي يعتصر قلوبنا إليكم، كيف لنا أن نعيش بسعادة مطلقة بدونكم، ودون أن تشاركونا هذه السعادة، كيف لنا أن ننام وأنتم الذين لا تنامون قدر الله وما شاء فعل.

لكم زوجات وأطفال خارج المعتقل يتألمون بصمت وقهر عليكم، يعيشون حياتهم وقلوبهم معكم يتساءلون بينهم وبين أنفسهم ماذا يفعلون الآن؟ هل يشعرون بأجواء العيد؟ لا ألم يصف ألم الشعور بهذه الأسئلة، هنا نذرف الدموع بصمت وننهي هذه الأسئلة، لندخل في متاهة التفكير الصامت المميت من جديد، وكأننا مغيبون عن الواقع وتفاصيله وتم تخديرنا بشكل دائم، لننتقل روحيًا لمشاركتهم حياتهم وآلامهم داخل معتقلاتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!