كثير من شبابنا ممن هوى القراءة في مرحلة الطفولة مر بالتأكيد على روايات الدكتور نبيل فاروق رجل المستحيل أو ملف المستقبل تلك الروايات التي حازت شغف وحب الشباب في فترة المراهقة، ومن لم يهو القراءة فبالتأكيد صادف أن شاهد مسلسل رأفت الهجان أو جمعه الشوان، والذي يحكي عن قصة اثنين من كبار رجال المخابرات المصرية وصنفت تلك الأعمال سواء المقروءة أو المرئية منها إلى أعمال بوليسية.

ولكن عند مقارنة تلك الأعمال بإحدى روايات الكاتبة الإنجليزية أجاثا كريستي أو الكاتب الإنجليزي أيضًا آرثر كونان دويل صاحبي الشخصيتين الأشهر للمحققين وهما هير كول بوارو وشارلوك هولمز سنجد اختلافًا كبيرًا بين تلك الأعمال في حين صنفت تلك الأعمال جميعا على أنها أعمال بوليسية.

بداية يعرف الأدب البوليسي على أنه قصة أو رواية قوامها اكتشاف رجل من رجال البوليس أو التحري عن جريمة تبدو وكأنها كاملة وفي هذا النوع من القصة أو الرواية يتقدم المؤلف نحو الحل بطريقة مشوقة تثير فضول القارئ وتحبس أنفاسه وتثير مَلكة حل الألغاز لديه.

ومن التعريف بداهة سنعرف أن ذلك التعريف لا ينطبق إلا على الأعمال المشابهة لكتابات أجاثا كريستي وآرثر كونان دويل، أما تلك الأعمال على شاكلة رجل المستحيل فتعرف في الأدب على أنها أدب مخابراتي أو أدب الجاسوسية وهو منبثق من الأدب البوليسي، إذن فأين أعمالنا البوليسية في عالمنا العربي؟

بداية تعتبر الروايات البوليسية واحدة من أكثر الروايات مبيعًا في أوروبا ما بين الشباب وكبار السن هناك، وتعد أجاثا كريستي هي سيدة ذلك المجال بلا منازع، فقد بيعت أكثر من مليار نسخة من روايتها على جميع مستوى العالم وظهر أيضًا عدد من الكتاب الجدد في أوروبا والذي حققت رواياتهم نجاحًا كبيرًا أمثال الكاتب الأيسلندي أرنالدو إندريادسون وروايته جثة في الفندق والتي حازت جائزة جمعية الأدب البوليسي ونالت نجاحًا كبيرًا.

أما في عالمنا العربي، ستجد أن ذلك المجال مشوشًا أو ضعيفًا للغاية، بالرغم من ظهور عدد من الكتاب ممن حاولوا الدخول في ذلك المجال، ولكن يبدو أن القارئ العربي يفضل الروايات المترجمة عن تلك العربية، ربما لثقته أن الرواية الغربية ستشبع غريزته التشويقية أكثر من العربية أو لعدم ثقته في وجود كاتب عربي يستطيع خلق أحداث عن جريمة كاملة يستطيع محقق فك ألغازها.

ولكن ما الذي يدفع القارئ العربي إلى ذلك التصور؟ أعتقد أن الإعلام من وضع تلك الصورة في عقل القارئ بداية من السينما التي وضحت ما يقوم به ضابط الشرطة من أجل فك لغز جريمة ما وقد رآها البعض ناجحة وهي ما تسمى في الأوساط القانونية (الطريقة البلدي) والتي أيضًا قد تضمن أعمال تعذيب من أجل الحصول على شهادة أو اعتراف من المتهم، وأيضًا من خلال مشاهدة تلك المسلسلات الأمريكية، والتي توضح طريقة عمل رجال التحريات والمباحث الجنائية في الولايات المتحدة الأمريكية ومدى التطور الذي وصل إليه علم الطب الجنائي، وسهولة اكتشاف المجرمين نتيجة ذلك التطور الذي قد يكون عالمنا العربي بعيدًا عنه، وقد استثنى من ذلك دولة الإمارات العربية المتحدة لما وصلت إليه من تقدم في ذلك المكان فاق الكثير من الدولة الغربية ووصل بمدينة مثل دبي أن تصل معدلات الجريمة فيها إلى صفر في المائة.

تستمر أيضًا إيجاد جريمة كاملة لدى المؤلف، بحيث يصعب على المحققين فعلا حلها مشكلة بالنسبة للقراء والذين قد لا يقتنعون بنوع الجريمة الذي يقدمه الكاتب العربي ويرون أنهم قد يستطيعون حل تلك الجريمة بأسهل مما رواه الكاتب في روايته، وتلك المشكلة تبين أننا بحاجة إلى كُتاب بدرجة عالية من الذكاء لوضع أركان جريمة كاملة بالفعل تقنع القارئ بها.

أعتقد أن الرواية البوليسية بداية بحاجة إلى نوع من الصنفرة الاجتماعية وزرع الثقة في الكُتاب العرب ممن يكتبون في ذلك المجال، واهتمام دور النشر في الدول العربية بذلك الأدب واحتوائه وتقديمه إلى الجمهور العربي، كما أظن أن السينما العربية بحاجة إلى نشر ثقافة المحقق البارع الذي يستطيع فك ألغاز جريمة عن طريق أسس علمية وتحقيقات فعلية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب
عرض التعليقات
تحميل المزيد