لا يزال المشهد العربي مزريًا ويزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فلم نعد نسمع ممن هم في سدة الحكم سوى الشجب والإدانة والتحذير، تماما مثل المثل الذي يقول «إني أسمع جعجعة ولا أرى طحنًا».

أطلق كالعادة رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحات استفزازية أعلن فيها عن عزمه فرض السيادة على غور الأردن والمستوطنات الإسرائيلية التي أُنشأت في الضفة الغربية المحتلة إلى إسرائيل إذا ما أُعيد انتخابه الأسبوع المقبل.

هاج المسؤولون العرب على هذه التصريحات وانهالوا بسيل من الإدانة وعقدوا عددا من الاجتماعات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، كرد فعل لتصريحات نتنياهو الذي لم يكن يعلنها، إلا بعدما استشار وتأكد من المباركة «الترامبية» و«الكوشنرية» التي أعطت الضوء الأخضر له للمضي قدمًا في مخططه وتوسيع الأراضي على حساب العرب؛ مما سيؤدي إلى موت ونسف مبدأ حل الدولتين والقضاء على عملية السلام في الشرق الأوسط التي لم نرها على أرض الواقع حتى الآن.

فشلَ نتنياهو في تشكيل حكومة بعد فوزه في الانتخابات التشريعية التي أُجريت في أبريل الماضي وربما سيفشل أيضا في تشكيل حكومة بعد نتائج الانتخابات التي جرت منذ أيام لحصول حزبه حتى الآن – حيث لم تعلن النتائج بشكل رسمي حتى كتابة هذه السطور – على 31 مقعدًا من أصل 120، وحزب أزرق أبيص بزعامة بيني غانتس على 33 مقعدًا.

ولأن نتنياهو الذي هو في الحكم منذ 2009 خشي ألا يحقق فوزًا كبيرًا ويصبح موقفه حرجًا أرادا أن يرشي الناخبين من خلال، إضافة أراضي جديدة إلى الكيان الإسرائيلي، وبالتالي يحقق أكثر من مكسب بهذه الخطوة، خصوصًا وأن للغور أهمية إستراتيجية كبيرة حيث يُطلق عليه «سلة غذاء فلسطين» نظرًا لخصوبة أراضيه الشديدة، ويعد من منظور نتنياهو حماية لإسرائيل من أي هجوم بري.

لا تزال الانتخابات تلقي بظلالها على المشهد في إسرائيل، ربما يستجيب أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب يسرائيل بيتينو، للانضمام مع نتنياهو أو غانتس من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية، خصوصًا وأن ليبرمان قال في مؤتمر صحفي عقده في مقره الانتخابي بتل أبيب إن هدفه هو تشكيل حكومة وطنية واحدة مكونة من الليكود ويسرائيل بيتنا وحزب أزرق أبيض.

لكن هناك عدة سيناريوهات مفتوحة بشأن تشكيل الحكومة في إسرائيل، إما بتحالف الثلاث أحزاب معًا أو الليكود مع أحزاب بيتنا، أو أزرق أبيض مع أحزاب بيتنا وباقي الأحزاب، لكن أيًا كانت الحكومة في إسرائيل فهي لن تتخلى عن سياساتها الاستيطانية والتعسفية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. فسواء كانت الحكومة تشمل نتنياهو أم لا، ستستمر في سياسة اغتصاب الأراضي وضمها بدون وجه حق في ظل الضعف العربي وصمت المجتمع الدولي التي يحابي إسرائيل على حساب العرب.

الغريب في هذا الأمر هو تصريحات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس التي قال فيها إذا قرر الجانب الإسرائيلي تنفيذ ضم غور الأردن وأجزاء من الضفة الغربية، ستنتهي كل الاتفاقيات التي أبرمتها فلسطين مع إسرائيل، لكن السؤال هنا ألم تنتهك إسرائيل وترتكب جرائم أكبر من هذه الخطوة بكثير ولم تعلن فلسطين ساعتها أنها ستنسحب من كل الاتفاقيات؟ ألم تشيد سلطات الاحتلال مستوطنات في الضفة، ألم تمنع الفلسطينيين من الصلاة في المسجد الأقصى، ألم تقتل الفلسطينيين في قطاع غزة والخليل والضفة؟!…إلخ.

لن تقف أمريكا بجانب العرب وتترك إسرائيل حتى لو استمرت الأخيرة في انتهاك المواثيق والقوانين الدولية، وقتلت وشردت الآلاف من العرب، لكن القادة العرب يوهمون أنفسهم أن أمريكا ستستجيب لمطالب الفلسطينيين المشروعة وتضغط على إسرائيل من أجل تحقيق هذه المطالب.. منذ أكثر من 70 عامًا والأراضي الفلسطينية محتلة.. ماذا فعلت الجامعة والمنظمات العربية.. الأراضي التي استولت عليها إسرائيل حتى الآن تمثل 78٪ من الأراضي الفلسطينية، هذا يعني أن إسرائيل التهمت حوالي أربع أخماس الأراضي الفلسطينية وحدها ناهيك عن هضبة الجولان السورية ومزارع شبعا في لبنان وغيرها.

ألا تستحق سياسة الاحتلال والاستيطان الانسحاب من كافة الاتفاقيات التي أبرمتها فلسطين والأردن مع إسرائيل؟

ورغم ذلك، إسرائيل ليست قانعة بكل هذه الأراضي الشاسعة التي احتلتها منذ 1948، حيث قال نتنياهو إسرائيل لن تعود أبدًا دولة على عرض عدة كيلومترات، وغور الأردن سيبقى تحت سيادتها إلى الأبد.

في الحقيقة خطوة نتنياهو ليست جديدة، فهناك مطالبات إسرائيلية في تنفيذها منذ فترة. ففي العام الماضي أصدر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) التابع لجامعة تل أبيب، تقريرا حول الأصوات الداعية إلى فرض السيادة على مناطق الضفة الغربية المحتلة، وطبقا للمعهد فقد طالب بعض السياسيين الإسرائيليين فرض السيادة الإسرائيلية على كامل مساحة الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك الأغوار، فيما يشير البعض إلى المنطقة (ج)، أي المنطقة الواقعة خارج تجمعات المدن والقرى الفلسطينية الخاضعة لسيطرة السلطة، المنطقتان (أ) و(ب)، بينما يرى آخرون أن السيادة الإسرائيلية يجب أن تطبق على كل المستوطنات الواقعة في الضفة الغربية أو جزء منها، بحسب ما نشر في موقع عرب 48.

وقال المعهد: إن المشكلة الرئيسة التي تتعلق بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية أو أجزاء منها تكمن في تجاهل آثار هذه الخطوة على الفلسطينيين الذين يعيشون في هذه المنطقة ومستقبل السلطة الفلسطينية، والآثار المترتبة على إسرائيل داخليًا ودوليًا أيضًا.

ونوه المعهد إلى أن فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، حتى لو اقتصر ذلك على المستوطنات، ستفضي إلى فشل حل الدولتين، وستُعرض إسرائيل لخطر إطالة أمد الصراع، وستعتبر هذه الخطوة أيضًا انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ولقرارات دولية بشأن هذا الموضوع، بحسب الموقع.

لكن التقرير عبر في النهاية عن قلقه من أن تتخذ الحكومات الأمركية الديمقراطية في المستقبل قرارات عملية ضد إسرائيل، والتي (الحكومات) ربما لن تواصل نهج إدارة ترامب تجاه إسرائيل وسياسة الاستيطان.

صناع القرار في إسرائيل لا يضمنون أن تسير الإدارات الأمريكية على نهج ترامب، ولذا تسارع إسرائيل من أجل تنفيذ مخططاتها الاستيطانية في أسرع وقت ممكن، خصوصا في ظل الضعف والخنوع العربي الشديد!

في النهاية، ماذا لو ضمت إسرائيل غور الأردن وأجزاء من الضفة الغربية المحتلة، هل سيتحرك العرب وينقذون الأرض والعرض أن سيصمتون ونتباكى نحن العرب على الأراضي الضائعة والمنهوبة من الكيان الإسرائيلي؟! هناك دعوات حقوقية عربية لاتخاذ موقف حازم وحاسم ضد نتنياهو لكن الأمر يحتاج إلى قوة أكبر من الدعوات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات