المشهد الأول:
على باب سينما زاوية، خلف بوابة سينما أوديون، وهي المرة الأولى التي أذهب فيها إلى زاوية، نقف أنا وصديقة لي أمام ذلك الشخص الذي لا أعرف اسمًا لوظيفته حيث يقف ليقطع تذاكر الداخلين إلى السينما إلى شطرين، يلمح ثلاث تذاكر بيدي, فيقول لي: “تحب نسيب التذكرة التالتة باسم حد؟”، كنت قد كلمت (مها) منذ لحظات وعلمت أن ظرفًا عائليًّا قد باغتها وهي غير قادرة على الإتيان إلى السينما. أجبته: “لا خلاص، هي مش جايه بقى”. مع ابتسامة مصطنعة، قال لي بحماس غير متوقع أنني قد أرد لهم التذكرة مرة أخرى مسترجعًا ثمنها، الخمسة وعشرين جنيهًا، وقد فعل بينما أشترت لنا صديقتي زجاجتي مياه معدنية من الكافيتريا المقابلة لسلم السينما.

المشهد الثاني:
بعد إعلان عن الدورة السابعة لبانوراما الأفلام الأوروبية، تبدأ تيترات الفيلم، التيتر صامت، دون موسيقى أو جمل حوارية، شاشة قاتمة السواد وأسماء مكتوبة بفونت تقليدى باللون الأبيض، يظهر على الشاشة اسم الفيلم وترجمته للعربية والإنجليزية.

المشهد الثالث:
اعذروني إن أخطأت بتفاصيل المشاهد فأنا أكتب من الذاكرة، وأنا لست صاحب ذاكرة قوية، فقد عكفت خلال شهور مضت على تناول بعض الحبات المنشطة للذاكرة، كما أواظب على الكاكاو والشاي الأخضر عملاً بدراسة تدعي أنهما يقويان إياها.

 

تذهب (ساندرا) المتهالكة ضعيفة البنيان مع صديقتها المتوردة (جوليت) إلى مديرها بالعمل، يقفان على باب سيارته في حوار سريع خاطف، يطلبان منه إعادة النظر في طرد (ساندرا) من العمل، يبلغهما أن تصويتًا قد تم على الأمر، مضيفًا أنه ليس قراره، فلقد تم تخيير الموظفين الستة عشر بين أن تستمر (ساندرا) بالعمل أو أن يحصلوا على علاوة جديدة، ولقد اختار الموظفون العلاوة بأغلبية أربعة عشر صوتًا مقابل صوت (جوليت) وصوت (روبرت). تقنعه (جوليت) بأن يعيد التصويت مرة أخرى وأن مسئولاً ما قد تلاعب وهدد الموظفين. يوافق المدير على مضض. تقف (ساندرا) صامتة تمامًا دون أن تنطق بحرف واحد طوال المشهد.

المشهد الرابع:
تجلس (ساندرا) بجوار زوجها في السيارة، تبتلع قرصًا أخذته من شريط أدويتها، يسألها الزوج عن عدد الأقراص التي تناولتها من الزانكس بذلك اليوم، ويدعوها لتقليل الكمية، تهب فيه صارخة بأنها ستأخذ منه كما يحلو لها، تقول أنها تحتاجه. أذكر أنه منذ سنوات قليلة مضت كنت أنا أيضًا أتناول أقراص الزانكس بليالي امتحانات البكالوريوس.

المشهد الخامس:
تنادي (ساندرا) على (تيمور) الذي يدرب الأطفال على كرة القدم بأحد النوادي، يأتيها غارقًا في عرقه، ينظر إليها بتعاطف ممزوج بشعور بالذنب، يخر باكيًا ويرتمي بحضنها معلنًا عن ندمه على تصويته للعلاوة بالمرة الماضية، يعرب عن استعداده لإصلاح الأمر بالتصويت الجديد، يعدها بأن يصوت لها وبأن يتصل بصديقه أيضًا ليقنعه. بين الستة عشر موظفًا يوجد ثلاثة بأسماء عربية، قادر وتيمور وهشام، وقد أبدى اثنان منهم تراجعًا عن موقفهما السابق وتأييدهما لبقاء (ساندرا) على حساب العلاوة.

 

كان ذلك اللقاء ضمن خطتها، أو بالأحرى خطة زوجها، بأن تمر على الستة عشر موظفًا خلال اليومين وليلة المتبقيين حتى التصويت لتقنعهم ببقائها بالعمل.

المشهد السادس:
تنقل (ساندرا) إلى المستشفى بعد أن نال منها الاكتئاب أثناء رحلتها بين زملائها، شعورها بالخزى والتسول وانعدام القيمة تكتل ضدها. يدخل الطبيب ليطمئن على (ساندرا)، فتميل صديقتي على أذني وتقول بصوت هامس: “شايف الدكاترة عندهم عاملين إزاي؟!”

المشهد السابع:
في الليلة الأخيرة، وبعد أن مرت واتصلت (ساندرا) بأربعة عشر من الموظفين، تركب السيارة بجوار زوجها وخلفهما زميلتها (آن) التي هربت من المنزل بعدما تشاجرت مع زوجها لرغبتها في تأييد (ساندرا)، بينما ظل هو رافضًا لموقفها متمسكًا بالعلاوة، يقترح الزوج أن يسمعوا بعض موسيقى الروك، فيسأل (آن) إن كانت تحب موسيقى الروك، تجيب بنعم, يرفع الصوت ويغنون، ثلاثتهم، بل إنهم يصرخون بكل عزمهم.

 

تلك هي المرة الثانية التي يتخلل الفيلم الخالي من الموسيقى التصويرية نغمات موسيقية، وذلك بعد أغنية أولى سمعها الزوجان صباحًا.

المشهد الثامن:
بالمنزل، أبحث على صفحات موقع IMDB عن اسم الأغنية الأولى التي أعجبتنى، فوجدتها باسم “La Nuit N’en Finit”. ابتسمت عندما وجدت خبرًا على نفس الموقع بأن الأخوين داردان، صانعي الفيلم، كانا يفكران بفيلم (12 رجلاً غاضبًا 12 angry men ) عند صناعتهم لذلك الفيلم، وهو نفس الفيلم الذي كان قد مر بذهني أثناء المشاهدة رغم الفرق الكبير بتكوين الفيلمين وطريقة صنعهما. كما كان من دواعي استغرابي أن ذلك الفيلم الذي ترشح لجائزة السعفة الذهبية بمهرجان كان وفاز بأفضل فيلم بعدد من المهرجانات الأخرى، لم تفز أو ترشح بطلته المتألقة ماريون كوتيلار لأي جائزة قط.

نصيحة: لا تشاهد الفيلم بمفردك، فحتمًا ستحتاج إلى صديق لتتهامسا قليلاً بلحظات الصمت الطويلة نسبيًّا وغير المعتادة لمشاهدي السينما الهوليودية أو حتى المصرية.

رابط الأغنية:

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما, فيلم
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد