تستطيع مؤسساتنا العربية مسايرة عجلة التقدم الحضاري والتمايز المؤسسي، من خلال تبني مفاهيم المنظمة المتعلمة، إذ إن تطوير الميزة التنافسية من خلال استراتيجيات فعالة للعاملين، أصبح بؤرة تركيز مهمة في المؤسسات التنموية، لذا أصبح هناك حاجة ملحة للتعلم المستمر، والاستفادة من الخبرات الذاتية وخبرات الآخرين، وتكوين مخازن المعرفة، واستخدام مداخل إدارة المعرفة لتحقيق معالجة استراتيجية لكافة العثرات التي تواجه مؤسساتنا.

المنظمة المتعلمة هي منظمة القرن الحادي والعشرين، الذي يتسم بسرعة التغيرات، وكثرة التحديات، والعديد من الأزمات والكوارث في شتى المجالات، إن المنظمة المتعلمة هي التي تعلم وتشجع التعليم بين أعضائها، وتروج تبادل المعلومات بين العاملين، ومن ثم تخلق قوة عمل أكثر معرفة، مما يؤدي إلى خلق منظمة مرنة للغاية، إذ يقبل العاملون على الأفكار الجديدة، ويتكيفون معها، ويتبادلونها من خلال رؤية مشتركة.

ويذكر أن هناك العديد من العوامل والدوافع في مؤسساتنا العربية التي تؤدي إلى تبني مفهوم المنظمة المتعلمة، إذ إن هناك حاجة فاعلة وضرورية أكثر من أي وقت سابق إلى أن تمتلك المؤسسات العربية معرفة ومرونة وقدرة أكبر على التعلم؛ لكي تتصدى بشكل أفضل لمتغيرات البيئة وطموحات الجمهور، وأن المؤسسات التي تتعلم أسرع سوف تكون أقدر على التكيف وتحقيق مزايا استراتيجية في التنافس المحلي والعالمي.

وتتمثل أبعاد المنظمة المتعلمة في خلق فرص للتعلم الدائم، وتشجيع طرح الأسئلة والحوار، وتشجيع المشاركة والتعلم من خلال فرق العمل، وتمكين العاملين نحو رؤية جماعية، وبناء أنظمه لاكتساب التعلم واقتسامه، والتحام المنظمة مع البيئة، وتوفير نظم القيادة الاستراتيجية للتعلم، وتمتلك المنظمة المتعلمة كلًّا من البيئة والقيادة التي تسهل التعلم المستمر بين الموظفين، فيصبح مكان العمل في هذا الصدد نوعًا ما كالمدرسة: الموظفون يتعقبون التعلم، المديرون يدعمون تعلمهم، والمنظمة تدعم المديرين لدعم تعلم الموظفين، فالمنظمة المتعلمة مكان للتعلم المستمر، إذ يصبح التعلم حالة وعادة منعكسة.

كما تتطلع المنظمة المتعلمة عبر بعد العمل الجمعي أن تخلق حركة في المعرفة والخبرة في أنحاء المنظمة، وذلك عن طريق نقاش الفريق الذي يأخذ شكل الحوار المفتوح المعتمد على احترام التنوع في الآراء، فينظر إلى الأفكار على أنها فرصة للاستكشاف، والأخطاء فرصة للتعلم، ويشجع الفريق على التفكير في كيفية عمله، ليس فقط إنجاز الأعمال، وإنما التحسينات المطلوبة التي يمكن تقديمها.

وتتطلب عمليات التحول الاستراتيجي لثقافة المنظمة قادة لديهم استراتيجية البناء والتكامل الفكري، يساندون عملية التحول ودفع عجلة التنمية في المؤسسات العربية، من خلال مجموعة من الأدوات، التي من أهمها تمكين العاملين ومساندتهم، وإتاحة الفرص الكاملة لهم لإظهار قدراتهم وإمكاناتهم في المشاركة في عمليات اتخاذ القرارات، وحل المشكلات.

إن تجديد المؤسسات العربية وتطوير استراتيجيتها أمر ضروري؛ بسبب التغييرات الهائلة والمتسارعة في مختلف ميادين العلم وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الوقت الحالي، فالتعلم مدخل مهم جدًّا لعملية الإبداع مما يوفر المناخ المناسب لعملية التطوير في المجالات المختلفة، والنهوض في المؤسسة لكي تستطيع الاستمرار ومواجهة الأزمات، والاستجابة لمتطلبات  عصرنا الحالي وتحدياته.

إن مؤسساتنا العربية عبر ثقافة المنظمة المتعلمة تتسم بالتعلم الاستراتيجي، الذي يجعل الاستراتيجية مرنة بقدر غير مسبوق، يؤدي إلى جعلها ذات ميزة تنافسية تقوم على المعرفة، سواء في اكتساب المعرفة من خارج المؤسسة، أم توليدها من داخل المؤسسة.

ووفقًا لذلك يجب على قادة المؤسسات العربية تفعيل تطبيق أفضل لمفهوم المنظمة المتعلمة بعناصرها المختلفة، ورفع مستوى الإبداع لدى العاملين فيها، والعمل على استحداث وحدة مساندة في كل مؤسسة تسمى «إدارة التعلم» تشرف على تطبيق مفهوم المنظمة المتعلمة في المؤسسة، وفق خطة استراتيجية ومنهج علمي سليم لتطوير العاملين وتمكينهم، والتدريب على الإبداع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد