تشهد ولايات تونس منذ فترة موجة من الاحتجاجات والاضطرابات المتتالية للمطالبة بالتنمية والتشغيل.

كل ما يحدث اليوم في تونس يوحي بشتاء ساخن بالأحداث، لعلها تكون شرارة انتفاضة ثانية نتيجة تراكمات سنوات فشلت فيها الحكومات المتعاقبة في تحقيق تنمية حقيقية وتحسين الوضع المتردي والتطلعات التي انتفض من أجلها الشعب التونسي في ديسمبر (كانون الأول) 2010.

أما النظام فيحاول بطريقة أو أخرى احتواء هذا التمرد الشعبي الذي أخذ يتصاعد يومًا بعد يومًا وفي مدينة تلو الأخرى بتقديم حلول ومشاريع لكل مدينة وولاية غاضبة، وكأن لحكومة المشيشي عصا سحرية لتحقيق كل أماني المحتجين، لكن على ما يبدو فإن السحر سينقلب على الساحر خلال الفترة القادمة.

مع اقتراب فصل الشتاء من كل سنة تخرج المظاهرات في مدن تونس وتنتشر أخبار الاشتباكات وقطع الطرق خاصة في الولايات الداخلية التي تعاني من نسبة فقر مرتفعة اضافة إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل فيها، هذه المدن التي تعاني من مشاكل متعددة في بنيتها التحتية وصعوبة العيش فيها انتفضت في ديسمبر 2010 مطالبة بحقها في التنمية لكن سكانها إلى اليوم يعتبرون أن الدولة تواصل تجاهل مطالبهم ومشاغلهم.

لكن الأمر هذه السنة يبدو مختلفًا بعض الشيء، فالأمور ليست على ما يرام في تونس خاصة في هذه الفترة التي تشهد مشاحنات سياسية داخل قبة البرلمان وخارجها. عدد كبير من الاعتصامات عطل سير الحياة الطبيعية وأوقف الإنتاج في مرافق عمومية حسّاسة جعلنا نشاهد صورًا لم نعرفها من قبل لطوابير بالآلاف لمواطنين ينتظرون دورهم للحصول على قارورة غاز للاستعمال المنزلي، هذا المشهد ليس الوحيد الذي يوحي بأن الأوضاع في تونس تزداد تعقيدًا، فالاعتصامات شملت ولايات عديدة مثل ڨابس وڤفصة، هذه التحركات الإحتجاجية تأتي بعد ما عرفته تطاوين من توتر طيلة الفترة الماضية بعد اعتصام الكامور وغلق «الفانة» الذي أدى إلى تعطيل أنشطة الشركات البترولية في صحراء تطاوين، الحكومة التونسية إلتجأت في مناسبات سابقة إلى استعمال القوة مع المحتجين لتشهد تطاوين اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن، لكن هذا التدخل لم يحل الإشكال وتواصل الاعتصام؛ مما جعل الحكومة ترضخ لمطالب المحتجين. هذا الانتصار الذي حققته تطاوين مثل تحديًا لباقي الولايات التي حاولت هي أيضًا أخذ جزء من الكعكة التي وضعتها حكومة المشيشي فوق الطاولة لتتوسع رقعة الاحتجاجات وتشهد ولاية الڨصرين هي أيضًا اعتصامًا وغلقًا لفانة الدولاب النفطية ومقايضة الحكومة بالمشاريع والتشغيل أو أن القصرين ستكون كامورًا جديدًا.

الأمر لم يختلف في قفصة، هذه الولاية التي انتفضت زمن حكم بن علي وشهدت ما عرف بأحداث الحوض المنجمي. سقط نظام بن علي وتعاقبت الحكومات والوضع في قفصة لم يتغير، هذه الولاية التي تضم واحدة من أهم موارد الدولة التونسية، وهو الفوسفات الذي كانت تعول عليه تونس بكونها واحدة من أكبر المنتجين لهذه الثروة الطبيعية في العالم، والذي يعتبر محركًا أساسيًا لعجلة الاقتصاد، لكن تونس اليوم استوردت وللمرة الأولى في تاريخها مادة الفوسفات بعد تعطل شبه كلي لأنشطة شركة فوسفات قفصة بسبب الإضرابات، هذه الأزمة ليست بالجديدة في تونس فمنذ سنوات تشكو هذه الشركة من أزمة مالية بسبب توقف الإنتاج، لكن الحكومة تقف مكتوفة الأيادي أمام هذا النزيف الذي ينخر الاقتصاد التونسي، ويزيد الأوضاع تعقيدًا يومًا بعد يوم.

ولاية باجة في الشمال الغربي أيضًا عرفت ولأول مرة منذ استقلال تونس في 1956 إضرابًا عامًا أدى إلى شلل في كامل الولاية للمطالبة بالتنمية في الولاية كان قد دعى إليه الاتحاد العام التونسي للشغل، هذا الإضراب ستليه موجة تحركات جديدة وتصعيد إن لم تستجب الحكومة لمطالب الجهة، فباجة أيضًا تريد الاستحواذ على نصيب من الكعكة.

ولايات أخرى شهدت احتجاجات متفرقة لتجد الحكومة نفسها أمام موقف لا تحسد عليه بعد إضرابات واحتجاجات في قطاعات مختلفة كالقضاء والإعلام لتحقيق عدة مطالب مهنية ومادية وتحركات احتجاجية للفنانين وغيرهم، خاصة بعد القرارات التي فرضتها الحكومة للحد من انتشار فيروس كورونا، ووضع حد للارتفاع المسجل في عدد الإصابات والوفيات اليومية وتواصل التحركات ضد تشريعات وممارسات اعتبرتها عدة جمعيات ومنظمات حقوقية مساسًا واضحًا بمكسب حرية التعبير وسيادة الشعب التونسي التي أقرها الدستور بعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011.

حكومة المشيشي اليوم تقدم الحلول والمشاريع لكل المحتجين لتهدئة الأوضاع، وكأن لها عصا سحرية، لكن الوضع الحالي يوحي بمزيد من التعقيد والاحتجاجات التي قد تعصف بالحكومة، خاصة في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعرفها البلاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد