كانت نظرة العالم للدول الإفريقية على أنها أشباه دول تواجه الجوع والفقر المدقع والصراعات والحروب الأهلية، ولكن ما لا يراه الجميع هو الوجه الآخر لتلك الأمم؛ حيث بلدانهم المليئة بالخيرات والثروات الطبيعية والبشرية والتي لا تقدر بثمن، والمعظم قد يرى أن مشاكل تلك البلدان هي مشاكل سياسية أو إدارية، وأنه لا أمل في تقدم تلك البلدان في ظل تبعية معظم أنظمتها لدول الاستعمار الأوروبي القديم.

حتى جاءت جنوب إفريقيا لتضرب بذلك عرض الحائط، وتبهر العالم بتقدم ونمو اقتصادي لا مثيل له، وتفتح المجال للعديد من الدول الإفريقية الناشئة للانطلاق في سباق التقدم الاقتصادي.

ولم يدم الوقت طويلاً حتى انطلقت العديد من الدول الصغيرة كالأسهم الخارقة في التنمية الاقتصادية، ومن تلك الدول نذكر: أنجولا والتي بلغ حجم إنتاجها المحلي العام الماضي ما يقارب من 103 مليار دولار بمعدل نمو 3%، وبلغ الناتج الإجمالي المحلي للفرد الواحد ما يقرب من 7000 دولار سنويًّا.

لا يمكننا نسيان نيجيريا، أكبر اقتصاد في إفريقيا لعام 2014 بناتج محلي قدره 568 مليار دولار، وتعد نيجيريا المنافس الشرس لجنوب إفريقيا، في ظل الفضائح السياسية والاعتماد على صادرات السلع الأساسية التي أثرت بالسلب على جنوب إفريقيا.

ولكن بانقضاء العام 2016 انخفض الناتج المحلي لنيجيريا إلى 480 مليار دولار، وجاء هذا الانخفاض لعدة أسباب، منها هجمات بوكو حرام في شمال البلاد، وهجمات المسلحين على أكبر المناطق المنتجة للبترول، مما أثر بالسلب على الإنتاج في البلاد، وأيضًا مع تراجع أسعار البترول، أدى ذلك إلى نقص في الدولار، والذي بدوره تسبب في حدوث عجز بالموازنة مع انكماش الاقتصاد للمرة الأولى منذ ربع قرن، بنسبة 1.5% العام الماضي.

من تلك الدول أيضًا نجد دول الشمال الإفريقي كالمغرب والجزائر ومصر، حيث تم تصنيفهم من أقوي الاقتصاديات في القارة الإفريقية مؤخرًا، مقارنة بباقي الدول الإفريقية ذات الناتج المحلي الضئيل.

في موازاة ما قيل أعلاه من أمثلة حية للواقع الاقتصادي لدول كانت تعاني ويلات الفقر والجوع، وضمن استراتيجيات تنموية محكمة، يمكننا التمعن جيدًا بجوهر التنمية الاقتصادية، وقدرة الدول في ظل وجود إدارة حكيمة على التقدم والرقي.

عالمنا الحالي يجري بسرعة، ولا يترك فسحة من الزمن للتفكير؛ فالعالم مشغول على مستوى الدول، والجماعات، والأفراد على التنمية الاقتصادية والمجتمعية، وخلق مناخ اجتماعي ملائم لمواكبة التقدم الاقتصادي في أبهى صوره. ونجد تأثير ذلك فيما نراه الآن من تقدم وازدهار دولة إفريقية بعينها، اتخذت من التنمية الاقتصادية هدفـًا وطموحًا وها هي الآن تسعى لتحقيقه.

لا شك أن زمام الأمور في إفريقيا على وشك الخروج عن نطاق سيطرة حكومات الدول الاستعمارية بصورة أكثر جدية، لأن زمن العمل كالمعتاد قد ولى، نعم، هناك غموض فيما يحمله المستقبل القريب بالسلب أو بالإيجاب، وما كان يعتبر غير وارد ضمن الأجندة الاقتصادية أصبح الآن موضوع بحث، وكل الخيارات أصبحت مطروحة على الطاولة، ليس لأن الاقتصاديين ولدوا من جديد، بل بسبب الظروف المتسارعة للتنمية الاقتصادية التي بدأت تفرض نفسها.

قد يتساءل بعضهم عن السبب الحقيقي للنمو السريع لتلك الدول، قد تكون الإجابة الاقتصادية معبرة، ولكن الحقيقة أن النمو الاقتصادي لا يأتي من الأرقام والإحصائيات، ولكن السر في ذلك هو التغيير الإيجابي في ثقافة المجتمعات، والقدرة على تحويل المجتمع من مجتمع استهلاكي إلى مجتمع منتج لهو أولى الخطوات نحو تنمية شاملة وسريعة، وما هي إلا مسألة وقت قصير حتى نرى نمورًا إفريقية كتلك التي في آسيا، ولكن بشكل مغاير، فإفريقيا هي منبع الثروات والخيرات ولن تحتاج إلى مصادر خارجية للنهوض في المجالات الصناعية وغيرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد