تعد الحركة الكشفية والإرشادية من المؤسسات التربوية والاجتماعية التي ساهمت في تربية وتنشئة جيل من القيادات وفي مختلف المجالات ، وبالرجوع إلى تاريخ الحركة الكشفية والإرشادية لنجد أنها انطلقت من رؤية واضحة ومحددة تنسجم مع الأحداث المحورية التاريخية التي شهدها العالم وعلى مختلف مراحلها ، ولم يكن لدى الحركة الكشفية والإرشادية  إلا الاستمرارية في ذلك الفكر الذي تعبر عنها بأنها ” حركة تطوعية تربوية ” وتعكس في جوهرها القيم الخلاقة للتربية في مختلف المناشط لتلبي احتياجات المجتمع وبما ينسجم مع سياسة تنمية القيادات في تلك البلدان .

 

ولما كانت الأمة العربية والإسلامية تشهد العديد من الاضطرابات السياسية والنزاعات الإقليمية  كان للحركة دور بارز في الاتساق مع الجهود الرامية إلى بلورة رؤية جديدة يسطع نجمها في سماء العالم العربي والإسلامي ..

 

لقد كانت الحركة وما تزال قادرة على أن تثبت جدارها وأحقيتها في أن تكون في طليعة المؤسسات التربوية والاجتماعية  التي اضطلعت بإدوار متعددة في مسارات التوجهات القومية والإسلامية والليبرالية ، ولكنها على الرغم من ذلك احتفظت بالقيم التربوية والاجتماعية  التي تعبر عن خصوصية المجتمع وتراكمية إرثها الحضاري والتاريخي ، والتي يمكن أن تعزز من الإمكانات ، وتبحث في مجالات الإخفاق التي  قد لا تجعل من تلك الحركة حركة اجتماعية أو سياسية اعتيادية ، بل يمكن لها أن تنساق في مجالات ” التأثير والتنظيم والوحدة ” الذي تحدد طبيعة التوجهات منذ تأسيسها عالمياً وعربياً ووطنياً .

 

فعلى الصعيد العالمي ، نجد أن الحركة الكشفية والإرشادية كانت وماتزال تحافظ على الدور المطلوب منها في وضع السياسات العامة والمنهجيات الإستراتيجية التي تبلور فكرة التأسيس  للانخراط في صفوف الفتية والشباب في مختلف دول العالم .

 

ومهما تكن الغايات والأهداف التي ترسم ملامح الخطوط العريضة لتوجهات الحركة الكشفية والإرشادية على المستوى العالمي غير أنها ما تلبث إلا أن تجسد ” الخصوصيات المجتمعية ، والبيئات الجغرافية ، والسياقات التاريخية ” التي تلقي بظلالها على المستويين العربي والوطني حيث يمكن لها أن تؤكد مجددا بأنها مازالت قادرة على استيعاب الكثير من الرؤى والأفكار المستمدة من البيئات المحلية وأثرها على  السياسات الداخلية والخارجية للبلدان المنضوية فيها ، وفي إطار الرؤية العامة للحركة الكشفية والإرشادية ، في مجالات تراعي الفروق الفردية وخصائص النمو لمراحلها المختلفة .

 

و تسمو  بتلك الرؤية وتنحو بها في مسار التجديد والاصاله والمحافظة على الموروثات الثقافية بأبعادها المادية وغير المادية ، والتي يعبر عنها من خلال العديد من الأفكار والتوجهات اللازمة لتبيان أن المؤسسات التربوية والاجتماعية يمكن أن تتكامل في الدور الوظيفي والعمل الإنساني (التطوعي)  بما يرسخ القناعات التي تنسج وحدة الفكر في ظل التعددية الثقافية .

 

 

إما على الصعيد العربي ، فإن المنظمة الكشفية العربية ومنذ الوهلة الأولى لتأسيسها واعتمادها  ضمن الهيئات الدولية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع المنظمات الدولية المختلفة واضطلاعها بالدور التربوي والتوعوي والاجتماعي في مواجهة التحديات التي تواجه الشباب العربي فإنها بذلك تجسد الإمكانات المادية والبشرية اللازمة لتشكيل الرؤية العالمية للحركة الكشفية والإرشادية من خلال الإقليم العربي ، لتساهم في إعداد قيادات لديها القدرة على التعامل مع المستجدات بحسب المراحل التاريخية والمتغيرات الدولية والإقليمية التي تمر بها الشعوب العربية .

 

بحيث لا تكون  المنظمة الكشفية العربية بمنأى عنما يدور  في المجتمعات العربية من هموم اجتماعية ومشكلات صحية وبيئية واقتصادية التي قد تكون ضمن القواسم المشتركة لتكوين هوية وطننا العربي الكبير .

 

فإن المنظمة ومن خلالها قياداتها والعاملين فيها  قد تساهم من خلال برامجها وأنشطتها الرسمية وغير الرسمية في الإسهام بتشكيل الوعي لدى النشء والشباب إزاء القضايا المجتمعية والتحديات التي تواجهها في ظل العولمة وحركات الإصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي  بحسب سياسة الدول العربية.

 

وذلك انطلاقا من مبادئها وقيمها التي لديها القدرة على الموائمة بين المتطلبات المجتمعية الماثلة بتربية النشء والشباب ، والانفتاح على الآخر وإعلاء قيم الحوار والحفاظ على الموارد والقيم ، و” تنمية العمل التطوعي في صفوف القادة وقادة القادة ”  التي ساهمت في بلورتها المؤسسات التربوية والاجتماعية الاخرى من خلال “مدخل البناء الاجتماعي ” ، ليتكامل نسقها  المعرفي مع إبعاد الواقع الاجتماعي بشقية السياسي والاقتصادي ، وتوفير الفرص الملائمة للقيادات في التعامل مع البرامج الهادفة  إلى التعامل الخلاق مع السياسات العامة للمنظمة في أحداث تغيير اجتماعي وتنموي في تلك المجتمعات ، وإيجاد قنوات للشراكة مع الهيئات الدولية المانحة .

 

لذلك ظلت المنظمة الكشفية العربية وعلى الرغم من إمكاناتها المتاحة من المنظمات التي ساهمت في الاستفادة من الخبرات العربية في مجالات متعددة مستمده من التجارب العربية والإسلامية ، والمكتسبات الحضارية التي من شأنها إيضاح الرؤى المناسبة لإيجاد  آليات إستراتيجية لتدريب وتأهيل وبناء القدرات لمنتسبي الحركة الكشفية والإرشادية .

 

أما على المستوى الوطني ..فقد كانت للحركة الكشفية والإرشادية باعتبارها ” حركة تربوية  غير سياسية ” ضمن المؤسسات التربوية والاجتماعية التي  تتعامل مع المتغيرات والمستجدات التي يمكن أن تطرأ على الساحة السياسية والعامة ، ولذلك يتفاوت الاهتمام  بالحركة الكشفية والإرشادية من بلد إلى آخر بحسب السياسات العامة لتلك الدول ، ومدى إيمانها بالدور المطلوب منها في المراحل المناسبة ، ومن حيث الدعم الحكومي لمثل تلك الجمعيات الوطنية.

 

وعلى الرغم من الإمكانات البشرية والمادية اللذين يُشكلان العامل الأساس  في تنفيذ برامج وخطط تلك الجمعيات وبالشراكة مع الجهات ذات العلاقة ، غير أن أبرز ما يمكن الإشارة إليه بأن هناك بعض التوجهات الرسمية (الحكومية) الرامية إلى تعزيز دور الجمعيات الوطنية وتسخير الإمكانات المادية اللازمة ، ولكن بعض الظروف والمستجدات السياسية والاجتماعية والاقتصادية قد تحد من تقديم الدعم اللازم لتنفيذ أنشطتها وبرامجها حتى يتسنى التعامل مع الإمكانات المتاحة ، وتوفير المناخ السياسي الملائم لإستمراريتها في مواجهة التحديات لاسيما تحديات القرن الـ21 من حيث ” نظريات التحديث  ، وعولمة الفقر ، التغير المناخي ، وديمقراطية التربية ، ” في ظل التوجهات الدولية والإقليمية وانعكاساتها على الشئون المحلية والوطنية في سياقات تتلاءم مع التوجهات العامة للسياسات والإجراءات القائمة في تلك البلدان .

 

لنرى شعار الحركة الكشفية والإرشادية في مجال خدمة وتنمية المجتمع ، (سأبذل جهدي لأكن مستعدا بأفق واسع في خدمة وتنمية المجتمع)  ليشكل إضافة إلى وظائف / أهداف الجامعة (التدريس والبحث العلمي وخدمة وتنمية المجتمع) فضلا عن المنهج الخفي للتربية  لتتضافر الجهود الحكومية مع منظمات المجتمع المدني .

 

ذلك كي نجد هذا الشعار ، مسارا وليس شعارا فحسب ،  لكي يشتمل على أطوار التفكير المختلفة وأهمها طورا التفكير النقدي والتفكير الخلاق أو الإبداعي  ليكون للحركة الكشفية والارشادية دورا في صياغة نموذجها “لمجتمع المعرفة ” بالشراكة مع المؤسسات التربوية الأخرى كالمدرسة والأسرة ووسائل الأعلام .. إلخ  وبما يحقق الغايات المرجوة ، ويحافظ من خلالها على هويته الثقافية في أطار العلاقة التكاملية بين التربية والمجتمع .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد