نحن هنا بصدد عرض جزء مهم من كتاب تناول موضوعًا عصريًا ومهمًا وهو «التنمية المستدامة في الإسلام»، حيث إننا بصدد توضيح أهم النقاط في داخل هذا الكتاب، وبالأخص الجزء الذي يقع تحت عنوان «الإسلام والتنمية المستدامة»، حيث يعد هذا الجزء من أهم أجزاء الكتاب لما فيه من ردود مقنعة على أصحاب الآراء التي جعلت من الإسلام سببًا في جمود وتنمية الشرق.

صدر هذا الكتاب في بيروت بلبنان، كتاب تحت عنوان التنمية المستدامة في المجتمع الإسلامي للدكتور نهاد إبراهيم باشا، الصادر عن دار النهار ودار النفائس للنشر، والكتاب يحاول الإجابة عن كثير من الأسئلة التي يطرحها الكثير من المسلمين، عن إلقاء اللوم عن تدهور أوضاعهم على الغرب، والاستعمار، والصهيونية، بينما يرى كثير من المستشرقين وبعض من جاراهم من المسلمين أن السبب الرئيس في تخلف المسلمين، يعود إلى الدين الإسلامي وشموله مختلف نواحي الحياة.

جاء الكتاب في أربعة فصول: الفصل الأول: «الإسلام والتنمية المستدامة»، الفصل الثاني: «المعرفة والعلم والتنمية المستدامة» وفي موضوعاته العلم والتكنولوجيا القديمة، العلم والتكنولوجيا الحديثة، البحث الأساسي، والبحث التطبيقي، والتربية والتعليم في البلدان الإسلامية، الفصل الثالث: «الآثار السلبية للتنمية الاقتصادية»، تضخم الحجم، زيادة السكان، الإجهاض، التعقيم، البيئة، تلويث الحياة، الهجرة من الريف، الفصل الرابع: «التنمية المستدامة والعادة والإسلام» وفي ختام المحاولات الإصلاحية والإسلام ومشاكل العالم المعاصر.

يتناول المؤلف عدة مواضيع مهمة، ويتناولها بلغة متينة وسلسة وبأفكار مرتبة، حيث يتناول في هذا الجزء الأول من الكتاب،  معالم التنمية المستدامة، وأسباب النمو الاقتصادي ونظرية ماكس ثيبر، وتفوق المجتمعات البروتستنتية، والمجتمع التقليدي والتكنولوجي، والقراءة والكتابة، التوفير والاستثمار والنظرة إلى المرأة، ومعالم النظام الاقتصادي من الإسلام وأركان العبادة الإسلامية والنمو الاقتصادي، حيث تم عرض هذا الفصل كالآتي:

بدأ الكاتب بتحديد أزمنة الأزمة فب العالم الإسلامي، حيث ذكر أن بدايتها بدأت من سقوط الأندلس عام 1492م، وزادت حدة الأزمة عند إعلان قيام دولة إسرائيل وهزيمة العرب عام 1967م على يد إسرائيل، وأيضًا الحروب التي طالت المسلمين من حروب أهلية كما حدث في لبنان وانتهى بأزمة نظرة الغرب للإسلام وخصوصًا بعد حادثة 11 سبتمبر 2001م.

ثم يطرح هذا السؤال: ما هو حال العالم الإسلامي اليوم؟ أغلب الظن أنه في انحدار مستمر نتيجة تخلف في الوضع الاقتصادي في معظم البلدان الإسلامية، حيث لا يتجاوز دخل الفرد 1000 دولار في السنة، بينما يتجاوز 35 ألف دولار في عدد من البلدان الصناعية.

حيث شملت المقدمة أيضًا على عدة تساؤلات، والكتاب يحاول الإجابة عن كثير من الأسئلة التي يطرحها الكثير من المسلمين، عن إلقاء تبعة تدهور أوضاعهم على الغرب، والاستعمار، والصهيونية، بينما يرى كثير من المستشرقين وبعض من جاراهم من المسلمين أن السبب الرئيس في تخلف المسلمين، يعود إلى الدين الإسلامي وشموله مختلف نواحي الحياة، وتدخل الدول الأجنبية في شؤونهم، وأيضًا تعرضهم للاستعمار … إلخ.

وأيضًا يعرض المؤلف وجهة نظر علماء المجتمع، حيث يقول إن منهم من يقول إن الإسلام عطل نصف طاقات المجتمع وذلك بقوانينه ضد المرأة، وأيضًا نظرة الإسلام إلى العلوم غير الشرعية، مما كان سببًا في تأخر الأمة في العلوم الدنيوية، وآخرون يرون التشدد في الدين سببًا من الأسباب.

يأتي الكتاب ردًا على هؤلاء الذين يحاولون الاستدلال على تخلف الدين الإسلامي بما أصاب أهله من تأخر وانحطاط. ويبين طبيعة التنمية المستدامة في المجتمع الإسلامي والمنهج الدافع لهذه التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مع إعلان التمسك بالقيم الإسلامية الأصيلة الثابتة في عالم يواجه تحديات محدودة، تهدد كيانه ومستقبله، مع انتشار النمط الاستهلاكي لسلوك الإنسان، ودافعه للعدوان والتسلط والاستئثار بخيرات البيئة والكون باعتبارها وحدة متكاملة للجميع.

لقد أرسى الإسلام قيمًا معينة وأينما وجدت هذه القيم وجد الإسلام فقد أوصل الإسلام العرب إلى أوج نموهم عندما أخذوا بهذه القيم. كما أن الغرب أخذ بها في فترة ازدهاره فكانت سببًا في تطوره ونموه. وعندما أهمل المسلمون هذه القيم، في مرحلة تاريخهم، كان إهمالهم لها سببًا في تأخرهم، ثم يبدأ في عرض الفصل الأول الذي تناول عدة نقاط ومواضيع مهمة تتلخص في عدة نقاط وعدة مواضيع وتساؤلات وعرض لأهم النظريات كالاتي:

1- معالم التنمية المستدامة

تحت هذا العنوان يقسم العالم إلى قسمين، بلدان متطورة وبلدان نامية، حيث يجد أن الكثير من الدول الإسلامية تقع تحت فئة البلدان النامية أو قيد التطور، ولم تلحق بركاب التطور والتقدم كالدول الصناعية الأخرى، رغم أن هناك دولًا لديها المال والثروة كالبترول، إلا أنها لا تلحق بهذه الدول، فمن هنا يجد أن المال مقياس للثروة أكثر ما هو مقياس للنمو، ويظل يسأل في هذا الجزء، لماذا لم تنتقل معالم النهضة والثورة الصناعية إلى البلدان الإسلامية رغم أنها متاحة، لماذا انتقلت من المملكة المتحدة إلى أمريكا وغيرها ولم تنقل بهذه السرعة إلى الدول الإسلامية.

ويعرض هنا نظرية « إيفرت هيجن» الذي يجعل التطورات التكنولوجيا تتألف من مرحلتين مرحلة اكتشاف المعرفة، والمرحلة الثانية تطبيق المعرفة من أجل زيادة الإنتاج.

2- أسباب النمو الاقتصادي

يري البعض أن الطقس سبب من أسباب النمو الاقتصادي وتبنى هذه النظرية كل من الأمريكي « هنتكتون» عالم الجغرافيا، والفرنسي « مونتسكيو» في كتابه «روح القوانين» ويرجع في أصلها إلى العالم العربي أبن خلدون. وأيضًا ربط بعض العلماء النمو الاقتصادي بأسباب أخري مثل التفوق العرقي والذكاء أو الموارد الطبيعية، حيث دار خلاف بين العلماء على أهمية الموارد الطبيعية والفرد، في حين يري المؤلف أن الفرد هو الأهم في هذه المعادلة، ورجح رأيه بمثال عن اكتشاف البترول والاستفادة منه، حيث أن البترول موجود في أمريكا والسعودية، ولكن تم اكتشافه في أمريكا عام 1858م بفضل مهارة الإنسان، في حين تم اكتشافه في السعودية 1934م، وهنا مهارة الفرد وقدرته هي الفيصل، في حين ركز بعض العلماء على رأس المال، ويري البعض أن بعض الدول الإسلامية تمتلك رأس المال ولكن ليست متقدمة، وأرجعوا ذلك لأنها تفتقد رأس المال الاجتماعي: وهي كيفية توظيف الأموال في فعاليات المجتمع كالطرق والمستشفيات ومحطات إنتاج الطاقة.

3- نظرية ماكس فيبر

يتساءل المؤلف مع هنري بيرين عما إذا كانت الذهنية التي يسميها ماكس فيبر مثلاً بروتستنتية، ليست سوى أفكار تتمثل فيها ذهنية رجال العمال الجدد الذين أفرزتهم الثورة الصناعية الحديثة، والذين حلوا مكان الرجال التقليديين، أو بتعبير آخر أن ما يسمى بالذهنية البروتستنتية إنما هو تكييف الذهنية القديمة التي تخطى مفاهيمها الزمن مع الضرورات الاقتصادية الجديدة، وهذه الأفكار الجديدة بالذات هي التي مهدت الطريق للنمو الاقتصاد. بمعنى آخر هو القبول بأن هناك تفاعلاً ذا اتجاهين بين الإصلاحات الدينية من جهة والتغيرات الاقتصادية من جهة أخرى، بحيث لا يبدو طبيعيًا أن نعتقد أن الإصلاحات الدينية هي وحدها أوجدت الروح الرأسمالية، كما أنه ليس صحيحًا أن نعتبر أن هذه الإصلاحات الدينية جاءت نتيجة للتغيرات الاقتصادية.

4- أسباب تفوق المجتمعات البروتسنتية

هذا يعني أن الديانة البروتستنتية رسمت لها تعاميم ومفاهيم ساعدت على النمو الاقتصادي. وكما لاحظ ماكس فيبر أن الإحصاءات المهنية في بلدان أوروبا الغربية تشير بتكرار عجيب؛ مفاده أن رجال الأعمال، وأصحاب رؤوس الأموال، وحاملي المهارات العلمية العالمية، والمديرين والفنيين والإداريين في المؤسسات العصرية ينتمون بغالبية ساحقة إلى الطائفة البروتستنتية، وكان اليكسي دو توكفيل في كتابه الشهير «الديمقراطية في أمريكا» من الذين لاحظوا ذلك كما أن الكاتب الفرنسي آلان بيرنيت في كتابه «الداء الفرنسي» استعرض مطولاً كيف تخلفت في مطلع القرن التاسع عشر بلدان كاثوليكية كالبرتغال وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا، بينما انطلقت في الميدان الاقتصادي البلدان البروتستنتية كهولندا وألمانيا وانجلترا والولايات المتحدة الأمريكية.

5- المجتمع التقليدي

بينما يقدم المجتمع التقليدي على تمسك أفراده بالجمود ورفض التغيير، يتميز المجتمع التكنولوجي بسعي أفراده إلى الاستحداث والتجديد. فالفرد في المجتمع التكنولوجي يعمل باستمرار على تنظيم ما حوله حسب علاقات ترتكز على مفاهيم فكرية أو قيمية جديدة تخدم أهدافه بشكل أفضل من العلاقات السابقة. ذلك أنه ينظر إلى العالم الخارجي نظرة عقلانية، وإيمان بأن الأشياء التي تحيط به، تخضع لقوانين ثابتة يمكن إذا ما استنبطها وطبقها، التحكم بها وتسخيرها لحاجاته ورغباته، والسبيل إلى ذلك تقدم المعرفة وتطبيقها في ميدان الإنتاج، حيث يتميز المجتمع التقليدي بضآلة الإنتاج، ويقتصر على إنتاج ما يستهلكه الفرد استهلاك مباشر أو الدفاع عن نفسه، مما يجعله في مشاكل دومًا وهي كيفية تموين أفراده.

في حين أن الفرد في المجتمع التكنولوجي يتميز بعدة صفات وهي: تطوير العلم الأساسي، تطوير العلم لغايات اقتصادية، قبول التجديد والاستحداث، السعي لتحسين الوضع المادي، الإقبال على الاستهلاك، إنجاب الأولاد، في حين جمع «دافيد ماكليلند» هذه الصفات في صفة واحدة وهي صفة الحافز والنجاح.

إذن الفرق هو في الإنجاز أو حافز النجاح كما يصفه «دافيد ماكليلند» بحيث يستخلص إمكان تنمية مجتمع ما اقتصاديًا على طريقة حاجة الانجاز لدى أفراده، ما يساعد على النمو الاقتصادي وهي صفات الفرد العصري الصناعي الحديث إذا ما قورن بالرجل التقليدي، النموذج السائد في المجتمعات النامية.

بالمقابل يرى المؤلف أن الإسلام أحدث حركة اقتصادية ضخمة إذ انتقل بالمجتمع الإسلامي الواقع في الرق والرعي إلى الزراعة والتجارة والصناعة على مستوى دولي وكان له تشريعاته الاقتصادية والاجتماعية. فلا نظام فيه للطبقات كالذي عرفته أوروبا، وإنما هو مجتمع مفتوح يستطيع كل فرد فيه بوسيلة أو أخرى، أن يرتفع إلى القمة أو إلى الحضيض.

6- صفات الرجل العصري

من تلك الصفات: الإيمان والعقل، والتعلم، تحسين الوضع المادي، الميل إلى التوفير والاستثمار، الثقة بالغير، الاستعداد للتعاون والتعاضد، النظرة الحديثة إلى المرأة، التحرر من سلطة الأبوة، عامل الوقت.

ونرى ونؤيد الكاتب  أن هذه الصفات ليست غريبة عن معالم النظام الاقتصادي من الإسلام من توصيف علماء الاجتماع المعاصرين: فالإسلام ليس مجرد عقيدة، تهذيب للروح وتربية على الفضائل، بل هو إلى جانب ذلك نظام اقتصادي عادل ونظام اجتماعي متوازن وتشريع مدني وتشريع جنائي، وهو إلى ذلك عبادة ومعاملة.

وفي النهاية نجد أن هناك مفهومين يريد الكاتب توضيحهم وتوضيح الفرق بينهم، وذلك من خلال العرض السابق، وتوضيح الفرق بين التنمية المستدامة باعتبارها مفهومًا متداولًا بين الناس وبين التنمية المستدامة في الإسلام.

التنمية المستدامة: هي عملية تطوير الأرض والمدن والمجتمعات وكذلك الأعمال التجارية بشرط أن تلبي احتياجات الحاضر بدون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتها، ويواجه العالم خطورة التدهور البيئي الذي يجب التغلب عليه مع عدم التخلي عن حاجات التنمية الاقتصادية وكذلك المساواة والعدل الاجتماعي.(نهى الخطيب، اقتصاديات البيئة والتنمية، مركز دراسات واستشارات الإدارة، 2000).

مفهوم التنمية المستدامة في الإسلام كما يعرفه المؤلف يعني: تحقيق رسالة الإسلام وغاياته، وأن يربط المسلم بحقيقة وجوده على الأرض، وعمرانها، واستغلال الموارد التي منحها الله له، وتربية ذاته على القيم العليا، وأيضًا واجبه الإنساني نحو الشعوب الأخرى، ونحو التعامل مع البيئة تعاملًا رشيدًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد