فقهاء ومثقفو السلطان وجرائم الثقافة

يعد موضوع التنمية من أهم الموضوعات التي تشغل الناس أفرادًا وجماعات شعوبًا وحكومات، والسبب في ذلك أن الناس كلهم يسعون جاهدين للتنمية، كل على شاكلته، ولا يغفل عنها إلا من لا رجاء له في الدنيا والآخرة، حيث إن الهدف الأساس للتنمية هو تحسين حياة البشر والازدياد من ذلك على حسب قدرات الناس وعزيمة كل فرد، وعلى قدر أهل العزم تكون التنمية.

ولهذا تمثل التربية أهم وسائل التنمية وهي في الوقت ذاته نتيجة من نتائج التنمية، وبهذا تعتبر سببًا ونتيجة لعملية التنمية في الوقت نفسه، حيث إن مفهوم التنمية في أنسب صوره ومعانيه هو إشباع الحاجات الأساسية للفرد والمجتمع، وهي عملية مجتمعية واعية وموجهة نحو إيجاد تحولات في البنية الاقتصادية والاجتماعية، كما تسعى لتحقيق المتطلبات الأساسية للفرد لضمان حقه في المشاركة وتعميق متطلبات أمنه واستقراره. ومن ثم، فلا غرابة أن تكون التنمية في حقيقتها عملية حضارية لكونها تشمل مختلف أوجه النشاط في المجتمع بما يحقق رفاهية الإنسان وكرامته، وهي بناء للإنسان وتحرير له وتطوير لكفاءته وإطلاق لقدراته، كما أنها اكتشاف لموارد المجتمع وتنميتها وحسن تسخيرها واستثمارها، بحيث تعود بالنفع للمجتمعات الإنسانية دون المساس بأمنها وبمواردها الدائمة.

ونظرًا لأهمية التنمية، فإنها تشغل حيزًا كبيرًا من كتابات المهتمين بأمر التطوير والرقي والازدهار والنهضة في المجتمعات التي تواجه العديد من التحديات، بعضها داخل المنشأ والبعض الآخر خارج المنشأ، خاصة في ظل اتساع دائرة التكنولوجيا وانعكاساتها.

ومع مرور الوقت بسرعة، تظهر بسرعة أكبر منه تغيرات علمية، وتكنولوجية، وسياسية، واقتصادية، واجتماعية، وثقافية عديدة تحتاج إلى قدرات معينة لدى أفراد المجتمعات للاستفادة منها وللإسهام فيها ولا يخفى أن نظام التعليم هو أكثر الأنظمة تأثرًا بالتغيرات والتطورات الحادثة في المجتمع، وبالمعطيات التي توفرها التحديات العلمية والتكنولوجية خاصة. وهذا كله يستلزم ضرورة إعادة النظر في محتوى وبنية نظام التعليم باعتباره العمود الفقري لإحداث التنمية – التقليدية أو المستدامة – في المجتمع.

إذا كانت الثروة الحقيقية للمجتمع تكمن في أفراده، فقد فرضت التغيرات التكنولوجية والإصلاحات الاقتصادية تحولات في سوق العمل واحتياجات المجتمع بعد تنامي المعرفة العلمية التي رفعت احتمالية النمو الاقتصادي، ولعل هذا لم يجعل التعليم والتدريب هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة وضرورة للتنمية وعلاج وحل مشكلات المجتمع كالفقر والتلوث والكرامة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

ولعل شيوع التخلف وغياب الرؤية التنموية في عالم العرب سببه الأساس أننا اليوم لسنا في مستوى إسلامنا بالنسبة للذات، ولسنا بمستوى عصرنا بالنسبة (للآخر)، وأعتقد أن الأمرين متلازمان إلى حد بعيد، ومرتبطان بمجموعة من المسوغات، تتمثل في:

1- الإشكالية الحقيقية تكمن في أزمة النخبة، التي تنصب نفسها في مختلف المواقع ولم تنتج إلا التخلف والتراجع، ومع ذلك قصر نخبويتها والوصاية على الأمة في التسلط والاستفادة دون العمل والإنتاجية. ونصبوا أنفسهم أوصياء على المستوى السياسي والديني والاجتماعي.

2- جرائم الثقافة بحق الأمة من خلال التخلف والاستبداد السياسي، وفي فقهاء ومثقفي السلطان، الذين لا يخلصون النصح حتى للسلطان.

3- إشكالية التخلف والوهن، هي نوعية وليست كمية، وذلك أن من أكثر المؤشرات على السقوط الحضاري يتمثل في بروز إنسان استهلاك.

4- الوهن الحضاري والتخلف يصيب الذهنية وينعكس على الفهم والأداء، حيث الكثير من المؤسسات المنوط بها عملية النهوض عبئًا على النهوض.

5- عندما أحسنا التعليم والتعلم أحسنا القراءة الهادفة، كنا خير أمة أخرجت للناس في مجال البناء والعطاء، عندما عرفنا كيف نقرأ ولماذا نقرأ؟ وكنا نقرأ لنتعلم لا نتعلم لنقرأ، كما هو الحال اليوم.

6- المشكلة التنموية تكمن في مناهج التعليم، وطرائق التعليم، وسياسة التعليم، ومؤسسات التعليم، ونوعية التعليم، وأهداف التعليم، ومكانة المعلم. فملف التعليم وديمومة النظر فيه وتطوير وسائله وإعادة النظر في سياسته وأهدافه، من أهم متطلبات التنمية.

7- التعليم العالي بين النخبوية والجماهيرية، حيث إن الإشكالية ليست في عدد الجامعات، ولا في عدد الرسائل الجامعية ونوعيتها، ولا قلة الخريجين، ولا عدد المجلات المحكمة، ولا كليات التربية وأعداد المعلمين، كما أنها ليست في كمية الإنفاق عليها، وإن كان قليلًا مقارنة بجوانب البذخ فيما لا ينفع، وإنما الإشكالية في حقيقتها هي أزمة ذاتية مرتبطة بالمنهجية والنوعية، فلم يعد الحصول على الشهادات العلمية من أجل العلم وإنما من أجل غايات شخصية ( مال – مكانة…).

– فالتعليم عندما يتمحور حول التلقين والحفظ وشحذ الذاكرة بعيدًا عن التفكير، يخرج ببغاوات عقولهم في آذانهم.

– واقع التعليم يقوم على التكديس والحشو والتقليد والدوران في عقل السابق، بعيدًا عن تنمية روح الإبداع والكشف والملاحظة والتجربة والتبصر واكتشاف الخطأ.

– كيان التعليم عندنا كثير من أحواله يقوم على النقل والتكديس والاستيراد التبعية، بعيدًا عن القدرة على بناء الشخصية الاستقلالية.

– التعليم ما زال يتجاهل الكفاءة والتخصص وتقدير الخبرة، وما زال صاحب الحماس والشخصية المنبرية هو صاحب السبق، إضافة إلى محاولات طمس وتهميش الإبداعات الشابة.

– السياسات التعليمية والمناهج هي أقرب إلى الشعارات والرغبات، بعيدة عن التخطيط التي تستجيب لحاجات المجتمع والتخطيط النظمي فعلى سبيل المثال: (إنشاء مجمع اللغة العربية وما يتبعه من قصور، وحدة البحث العلمي وما يتبعها من ضعف التنسيق مع الجامعات، فرض العلوم الشرعية التي تعتبر أم العلوم وما تقوم عليه من الحفظ والتلقين بعيدًا عن التنمية الشخصية الإسلامية المبادرة والمستقلة والمجتهدة الداعية إلى الله بإخلاص ومهنية).

– في الوقت الذي يقوم فيه التعليم في الدول المتقدمة على التدريب والتنمية المهارات، لم يعد التدريب والتطبيق ما هو إلا للحصول على الشهادات وتحويل العلوم التجريبية إلى معارف نظرية.

كل ما سبق ما هو إلا تأصيل لمشكلة التأخير والتخلف الحضاري من زاوية واحدة ليست بعموميتها، حيث إننا نعيش في عالم تحد، سريع التغير وكثير التعقيد، وأصبح من الواضح أن المسائل الحاسمة لبقاء وسعادة الجنس البشري لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، ومن ثم عندما نتحدث عن التنمية يجب الاعتراف بالدور الحاسم الذي يمكن أن يقوم به التعليم في تلبية متطلبات التنمية، وأنه الأساس في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وبأنه قوة دافعة في عملية تغيير القيم والاتجاهات بما يدعم الجهود الرامية لإنجاز الاستدامة بفاعلية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد