إن متصفح الشبكة العنكبية ومواقع التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص، سيكون قد أرهبه ركام أحداث الواقع المغربي المعيش، الذي يشهد فسادًا عارمًا وخطيرًا في مختلف المجالات (التعليم، الصحة، السياسة، الدين…)؛ هذا ما يدفعنا بطبيعة الحال إلى طرح كم من الأسئلة: هل نحن مسلمون حقًا أم ندعي ذلك؟ إذا كان الدين لا يرتقي بالإنسان نحو الحسن، فما الجدوى من اعتناقه؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار الدين هو سبب تخلف العرب؟ وما سبب الأزمة السياسية في المغرب؟ وكيف السبيل إلى تجاوزها؟ هل يمكن إصلاح التعليم؟ وما دور الدولة المغربية في كل هذا وذاك؟

>سنحاول الإجابة عن بعضها والبعض الآخر المتعلق بالاعتقاد فهو يبقى مسألة شخصية ولا يمكن لأي كان فرض معتقده عن الآخر، على هذا الأساس انبنت الحداثة والديمقراطية. كما يقول بوذا: اعبد حجرًا لو شئت، لكن لا ترمني به.

قبل أن أتلو ورقتي اخترت للقارئ الكريم نصين قصيرين جدًا، يقول باسكال: يجب أن نولد مذنبون، أو أن يكون الإله غير عادل. أما النص الثاني فهو للمفكر الفرنسي لويس ألتوسير، يقول هذا الأخير: إن الدولة تبسط سلطتها عبر جهازين؛ الأول قمعي، يتجسد في المؤسسات التي تحمل السلاح كالشرطة، الجيش، الدرك… والهدف من هذا الجهاز هو السيطرة على أجساد الناس، والثاني أيديولوجي، ويعني به المدارس، الجامعات، المساجد، وسائل الإعلام… والهدف منه هو السيطرة على عقول الناس وتفكيرهم. تعليقًا على هذه الأقوال، كيف يمكن التوفيق فعلاً بين وجود الشر على الأرض وطيبة الإله اللانهائية؟

كان منذ فترة الشباب المغربي هو ذلك الجزء الحيوي من المجتمع، ورمز الفتوة والقوة الضاربة للمقاومة الوطنية، ضد المحتل الأجنبي إلى أن اختفت كليا هذه الطاقة. ماذا يحدث الآن؟ أصبح يائس، غاضب، حاقد، وبل أكثر من هذا فقد صار غريب في بلده وبين أهله، لا يرى إلا السواد يحيط به من كل جانب، لا أمل في التغيير ولا جدوى حتى من الحلم، شباب أصبح شغله الشاغل هو البحث عن الطريقة التي ستوصله إلى الضفة الأخرى. ما الذي حدث في بلادنا حتى وصلنا إلى هذا الوضع المأساوي؟

إن الشباب المغربي لم تعد تستهويه السياسة بعدما حولها سماسرة الانتخابات إلى تجارة، وحتى الدين لم يسلم من هؤلاء ثم توظيفه أيديولوجيا في عدة فضاءات، هذا ما نلاحظه في كل خطبة الجمعة، الأئمة مجبرة بترديد مواضيع محددة، وبخلالها يثم حصر مجال التفكير والابداع.. الإعلام كذلك يلعب دور في التأثير على المتلقي؛ فقناة الصرف الصحي دوزيم كشفت ولا زالت تكشف عن وجهها البشع بضحكها على الذقون وضربها لقيم الهوية، ومؤكدة أنها متفانية في الاستهزاء بالعقول ونهج سياسة الاستحمار.

الخلاصة أننا بحاجة إلى العلمنة، أي تحرير الدين من قبضة الدولة. فبالرغم كل هذه المشاكل، هناك هامش من الحرية ينبغي استغلاله، ومجال للحراك السياسي والاجتماعي ينبغي الانخراط فيه حتى نقطع الطريق على الانتهازيين.
لم يعرف المغرب في تاريخه المعاصر حراكًا شعبيًا بمثل الزخم الذي عرفه حراك الريف، تحولت الاحتجاجات إلى ظاهرة، وحالة سوسيولوجية، تستحق التوقف عندها لدراستها وتحليلها. ولا يخفى أن النواة الصلبة التي قام عليها هذا الحراك على طول مسار احتجاجهم، هي وضع مسافة فاصلة بينهم وبين الأحزاب. هي حركة احتجاجية منظمة ومؤطرة، وفي الوقت نفسه، مستلقة وسلمية، ترفع مطالب اجتماعية.

بعد اعتقال زعيم الحراك الشعبي ناصر الزفرافي والعديد من المتظاهرين، اعتقل الصحافي حميد المهدوي بالحسيمة، حيث كان يتواجد بها لتغطية المسيرة التي دعا إليها نشطاء الحراك. وكما لا تفوتني الفرصة أطالب الدولة المغربية بالتراجع عن الحكم الصادر في حق الزميل حميد المهدوي دون قيد أو شرط. وأن تضمن له المحاكمة العادلة في الحق الأدنى، وفي حالة استمرار محاكمته أن يكون ذلك بقانون الصحافة لا بالقانون الجنائي. كما أناشد المهدوي وكافة المعتقلين السياسيين بأن يوقفوا إضرابهم المفتوح عن الطعام، رأفة بأنفسكم ورحمة بذويكم وإسعادًا للمغاربة. لأن الحياة حق مقدس. دمتم محبين للحياة ومتشبتين بها، ومدافعين عن مغرب آخر ممكن.

إصلاح التعليم بين الممكن والمستحيل؟

لم تستقر محاولات الإصلاح المتكررة للنظام التعليمي المغربي عن تحقيق النتائج المنتظرة؛ وهذا الوضع أصبح يثير مخاوف كل المعنيين بميدان التعليم، لأن مشاريع الإصلاح تستنزف الجهد والموارد المالية دون أن يتحقق المراد. لقد دخلنا القرن الواحد والعشرين، ولازالت سفينة التعليم ببلادنا تتلاطمها أمواج الأمية والجهل. إن المدرسة المغربية يلزمها إصلاح في العمق، وليس صباغة الجدران والحرص على ارتداء الوزرة وما إلى ذلك من شكليات. إن الإصلاح الحقيقي يقتضي جهود كل مكونات المجتمع، إصلاح الأوضاع الاجتماعية والإقتصادية لمجتمعنا للارتقاء به على جميع الأصعدة، مِنَح للتلاميذ، امتيازات للشغيلة التعليمية، مجانية التعليم ورد الاعتبار للمدرسة العمومية، التقليل من الاكتظاظ، المراقبة الصحية بشكل مستمر، توفير خدمات التنقل…إلخ.

ضمنيًا، إن المغرب ليس جنة الله على الأرض، ولكن لا ينبغي أن نجعل منه ذلك الجحيم الذي يفر منه الجميع. صحيح أن الأضاع المزرية تمس كل الجوانب الحياتية، لكن يجب بالضرورة أن لا نستسلم، علينا أن نجعل من كل باب مسدود باب أمل. فمهما تغربنا وهاجرنا، سنظل مغاربة رغمًا عنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات