مما يعرفه كل مبتدئ في العلم الشرعي أن الشريعة منشطرة إلى أصولٍ وفُصول، محكمات ومتشابهات، قال الله تعالى: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه، آيات محكمات هنَّ أم الكتاب وأخر متشابهات».

فأما الأصول فلا يجوز فيها الخلاف، وأما الفصول فإن الخلاف جائزٌ فيها عقلًا واقعٌ شرعًا، وقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم وهم خير من فهم الشريعة تأصيلًا وتنزيلًا، ونشأت بينهم مدارس متعددة ومختلفة في الفهم والفقه والقضاء والإفتاء، فهذه مدرسة مكة برئاسة ابن عباس، وعلى يديه تخرج مجاهد، وجبر، وطاووس، وعطاء.

وهذه مدرسة المدينة وفقيهتها أم المومنين عائشة وعبد الله بن عمر وزيد، وعلى أيديهم تخرج سعيد بن المسيب وابن شهاب وعروة.

وهذه مدرسة الكوفة يرأسها علي وابن مسعود، وعليهما تتلمذَ علقمة والأسود ومسروق والشعبي.

وهذه البصرة وإمامها أبو موسى الأشعري، اتَّبَعَهُ أنس بن مالك والحسن البصري وابن سيرين.

والمدارس هذه كلُّها ليست على رأي واحدٍ، بل داخل المدرسة الواحدة تتعدَّد الأفهام وتختلف الأحكام، رغم أن الوحي واحد، وكلُّهم من رسول الله مُلتمس.

فطبيعة الفهم الإنساني تقتضي أن يختلف الاثنان في فهم الدليل الواحد، كل حسب خلفيته التصورية الخاصة وطبائعه وملكاته ومؤهلاته العقلية وقابليته الفكرية، وبيئته وتربيته ومجتمعه، وحسب ما يعرض له من الأدلة والقرائن، وما يملكه بين يديه من مسموعات ومعقولات، وقد نشأ الخلاف وهو مشهور قديمًا بين الصحابة في حياته صلى الله عليه وسلم، كعندما أمَرَهم: لا يصلِّيَنَّ أحدكم العصر إلا في بني قريضة.

فأخذ الفريق الأول بحرفيَّة النص وقالوا: لن نصلِّي إلا في بني قريظة ولو عَسْعَس الليل قبل أن نصل.

وذهب الفريق الثاني إلى مقصد النَّص فقالوا: إنما أراد منا رسول الله الإسراع، لا تأخير صلاة العصر عن وقتها الذي أدرَكَنا.

فلم ينكر الرَّحمةُ المهداةُ صلى الله عليه وسلم لا على هؤلاء ولا على أولئك، فهؤلاء سلَفُ أهل الظاهر وأولئك سلف المعاني والقياس كما وصفهم ابن قيِّم مدرسة الجوزية.

والذي يجب التنبيه عليه هنا أن الخلاف وقعَ في وجود النَّص لا في غيابه، فالنصُّ نفسه لا يرفع الخلاف كما يظن البعض.

وتبعًا لهذا الاختلاف بين الصحابة نشأ الخلاف بين التَّابعين، ثم تبلور عنه لاحقًا تعدد المذاهب الفقهية بتعدد أفهام الأئمة ومشاربهم، فنشأ مذهب أهل الرأي بالكوفة بقيادة أبي حنيفة النعمان أمير الفقهاء، وبقيت الحجاز دار أثرٍ (ونظرٍ) وإمامهم في ذلك مالك بن أنس الأصبحي عالم المدينة، ثم أنشأ الشافعي لنفسه مذهبًا بمصرَ ثم انتشر في العراق، خالف فيه مالكًا وهو تلميذه.. وكانت مذاهبُ أخرى عديدة انقرض منها ما انقرض، وبقي ما بقي ردحًا من الزمن.

والشَّاهد عندنا أن هذه المذاهب كلّها قادَ عجلتها أيمة أعلامٌ، كل واحدٍ منهم له أصوله النقلية والعقلية التي يتوكَّأ عليها في استنباط الأحكام وفهمها وتنزيلها.

رحمة الاختلاف

قد يقول القائل: ولماذا اختلفت الأمة وتفرقت شِيعًا؟ لماذا لم تجتمع وتتوحد على كلمة واحدة؟

فيجاب هذا بما قاله ابن قدامة المقدسي: إن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، فاختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة.

فلو حُمِل المكلَّفون على الفهم الواحد والقول الجامد لكلَّفهم الشارع بأن يطاعَ فيما لا يستطاع، ولضاقت عليهم أرض التكاليف بما رحبت، ولكن الشارع حكيم ترك المتشابهات والظنيات روضًا مُربِعًا تسيح فيه العقول المنضبطة بالشرع وتتَّسع فيه دائرة التشريع، تريح فيه نفوس المكلَّفين ويخف ظهرهم عن حمل ما يثقل كواهلهم بما يوقع في الحرج والمشقة غير المقدورة.

ولهذا وُجد تعدد المذاهب كلٌّ حسب البيئة التي يلائمها، والعرف الذي يجاريه، والطبائع التي تقتضيه، والفقه الذي يمتح منه وينزل فيه، فلما دخل مذهب أبي حنيفة والأوزاعي المغرب والأندلس قديمًا، لم يقم له قرارٌ حتى جاء مذهب مالك الذي تكيف مع أعراف المغاربة وواءم استعدادهم الطبعي والمعرفي والجغرافي، وما كان ليصلح لبيئة نجدٍ غير مذهب أهل الحديث من الحنابلة الذي يلائم تشدد طبائعهم وقساوة بيئتهم، وما كان الأتراك ليجدوا لهم بدّا عن مذهب النعمان، نابغة الاستحسان والقياسات وفقه المخارج والافتراضيات… وهكذا.

ولا حرج بأن يصار من مذهب لآخر أحيانًا ترخُّصًا عندما يكون في التمسك بجزئيات أحد المذاهب ضيق شرعي، وهذه قاعدة مؤسسة عندنا في المذهب المالكي يصطلح عليها ب: الأخذ بدليل المخالف. وهناك قاعدة أخرى يسمُّونها: مراعاة الخلاف. تراعى فيها أقوال المذاهب الأخرى آناء تأصيل الأحكام المذهبية الخاصة حتى لا يشيع البون بين الناس.

وخلاصة القول إن الأصل في الأمة هو الاختلاف لا الاتفاق، فيما لا يسع فيه إلا الاختلاف، وقد ألف في ذلك ابن السيد البطليوسي كتابه: الإنصاف، في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الخلاف.

وألف ابن تيمية: رفعَ الملام عن الأيمة الأعلام، بين فيه ضرورة الخلاف بين فقهاء المسلمين، وفصل من أسباب ذلك الشيء الكثير، ومما قال في مقدمته رحمه الله: وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًا يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في شيء من سنته، دقيق ولا جليل.

فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيا على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن إذا وجد لواحد منهم قول، قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له من عذر في تركه.

وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:

أحدها: عدم اعتقاده أن النبي قاله.

والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.

والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.

وهذه الأسباب الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة.

فوقعت الأزمة…

وقعت الأمة في الضيق الكئيب والحرج الشديد عندما تقحمت ساحة الشريعة طائفة من الناس، نصَّبت نفسها على عرش أعلام الموقعين عن ربِّ العالمين، وادعت وصايتها على الناس واحتكارها لفهم الدين، وهؤلاء عند التنظير والشفوي تجدهم يدعون لرحمة الاختلاف والتيسير، ولكنهم عند التطبيق والتفعيل سيوف مسلولة على إخوانهم المسلمين، لا فهم إلا ما يفهمونه، ولا سنة إلا ما يقررونه، أغرقوا الأمة في الجزئيات وأهلكوا البلاد والعباد، دمَّروا الأمة قديما ومازالوا، مكَّنوا للمستعمر وتلاعبت بهم المخابرات واستعملهم ظلماء السلاطين، تمَّ التسويق لهم إعلاميًا بشكل كبير، تمَّ طبع كتبهم وفتاواهم وتسويقها على نطاق واسع، وجرى التمكين لهم في نفوس العوام والشباب بشكل رهيب جدًا، حتى صار الخروج عن أقوالهم وأشكالهم وأفعالهم مروقًا قبيحًا وضلالًا براحًا صريحًا، نعم، لقد صار للخروج عن كلامهم وقع نفسي أكثر منه شرعي.

وطريق هؤلاء يقود في الغالب إلى الانتكاس والإلحاد في أعلى الحالات، وإلى إنكار السنة والضرب في الثوابت في أدناها، وقد رأينا من كان يصرخ بالأمس على لسان هؤلاء، أصبح يقود اليوم عجلة الإلحاد والطعن في الدين، والأمثلة على هذا مشهورة.

أو يقود إلى الداعشية، وأغلب هؤلاء شباب مسكين مضحوك عليهم.

فأحوال هؤلاء ومآلاتهم لا تسير إلى خير، ضيقٌ في الدين وخسارٌ في الدنيا.

لا يعرفون شيئًا اسمه اختلاف، لسان حالهم يقول: ما أريكم إلا ما أرى.

لا يفهمون شيئًا اسمه تعدد الأفهام والمذاهب أو المشارب، ولا نقصد أنهم بذلك ينكرون بقية المذاهب، وإنما ينكرون منها ما لا يوافق مذهبهم.

يطول في هؤلاء الكلام، ولا نختمه إلا بما رواه ابن حزم في الإحكام عن قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه.

فقلت: فكيف بمن ينكره ويميته، وإن كان يزعم حال ظاهره أنه يثبته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد