سبق أن تحدثنا عن التطرف ضد أهل الذمة في مقال أحكام الديار (دار الإسلام/ دار الكفر)، والتي تُعتبر الجذر الرئيسي للتطرف ضدهم. ونعرض في هذا المقال لبعض مما رواه المؤرخون عن حوادث الفتن التي جرت عبر تاريخ المسلمين تجاه أهل الذمة الذين كانوا يعيشون في دولة الإسلام، ومنها ستتكون لدينا صورة عن نوعية الاضطهادات التي كانت جارية على غير المسلمين، والتي كانت في بعض الحالات من قبيل رد الفعل تجاه ما يقترفه أهل الذمة. واللافت أن أغلب الفتن كانت بين المسلمين والمسيحيين وليس اليهود.

أ-الحنابلة مع أهل الذمة

كانت أول الفتن التي قام بها حنابلة ضد أهل الذمة في خلافة القادر بالله، الذي أظهر التحنبل، وهو صاحب العقيدة القادرية المشهورة.

في ربيع الآخر من سنة 392هـ، يذكر ابن كثير في ‏«البداية والنهاية» (ج15، ص496)‏ أنه «ثارت العوام على النصارى ببغداد، فنهبوا كنيستهم وأحرقوها، فسقطت على خلق فماتوا، وفيهم جماعة من المسلمين؛ رجال ونساء وصبيان».

وتكرر الأمر في شوال سنة 403هـ. يذكر ابن كثير في ‏«البداية والنهاية» (ج15، ص544) حدوث فتنة شديدة بين المسلمين والنصارى ببغداد على خلفية خروج النوائح والصُلُب معها جهرة لوفاة زوجة بعض رؤساء النصارى، وإنكار بعض الهاشميين ذلك، فشجّ بعض غلمان الرئيس النصراني رأس الهاشمي، فثار المسلمون بهم، فانهزموا ولجؤوا إلى كنيسة لهم، فدخلت العامة إليها فنهبوا ما فيها، وحدثت الكثير من الحوادث، وزادت الفتنة وانتشرت حتى عُطّلت الجمعة في بعض الأيام.

كما ذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج15، ص669) أمر استدعاء الخليفة القائم بأمر الله –وهو حنبلي- القضاة والفقهاء، وإحضار جاثليق النصارى ورأس جالوت اليهود، وإلزامهم بالغيار –ملابس وشارات تميزهم علامةً لأهل الذمة-. وكان ذلك سنة تسع وعشرين وأربعمائة.

وفي سنة 437هـ ذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج15، ص697) أنه «وقع ببغداد بين الروافض والسنة، ثم اتفق الفريقان على نهب دور اليهود وإحراق الكنيسة العتيقة التي لهم، واتفق في هذه السنة موت رجل من أكابر النصارى بواسط، فجلس أهله لعزائه على باب مسجد هناك، وأخرجوا جنازته جهرة، ومعها طائفة من الأتراك يحرسونها، فحملت عليهم العامة، فأخذوا الميت منهم، واستخرجوه من أكفانه فأحرقوه، ورموه في دجلة، ومضوا إلى الدير فنهبوه، وعجز الأتراك عن دفعهم».

وفي سنة 448هـ يذكر ابن كثير ‏في ‏»البداية والنهاية» (ج15، ص738)‏ ‏«وفيها أُلزم أهل ‏الذمة بلبس الغيار ببغداد عن أمر السلطان طغرلبك»أهـ. وهو نفس العام الذي اتخذت فيه إجراءات ‏للتضييق على الشيعة بعد وصول السلاجقة إلى بغداد.‏ بينما يروي ابن الجوزي في «المنتظم» (ج16، ص30) أنه «في رمضان سنة 450هـ تجدد للعوام المتدينين المتسمين بأصحاب عبد الصمد –وهم حنابلة- إلزام أهل الذمة بلبس الغيار، وحضر الديوان رجل هاشمي خاطب رئيس الرؤساء ابن المُسْلِمة في ذلك، وكلّمه بكلام فيه غلظة فأغاظه، فكتب إلى الخليفة بذلك»، ويورد ابن الجوزي أن الخليفة قد وافق في البدء، ولكن لما رآه من انقطاع الكتّاب النصارى واليهود عن أعمالهم في الدواوين لم يجد ابن المسلمة مساغًا لما يريد، فصار أهل الذمة ينسلّون ويخرجون إلى أشغالهم.

ويذكر ابن الجوزي في «المنتظم» (ج16، ص292) ‏«وفي رابع عشر صفر سنة 484هـ، خرج توقيع الخليفة بإلزام أهل الذمة بلبس الغيار والزنار، والدرهم الرصاص المعلق في أعناقهم مكتوب عليه (ذمي)، وأن تلبس النساء مثل هذا الدرهم في حلوقهن عند دخول الحمام ليُعرفن، وأن تلبس الخفاف فردًا أسود وفردًا أحمر، وجلجلًا في أرجلهن، وشدّد الوزير أبو شجاع في هذا فأجابه المقتدي إلى ما أشار به، وأسلم حينئذ أبو سعد ابن الموصلايا كاتب الإنشاء، وابن أخته أبو نصر هبة الله بحضرة الخليفة»أهـ.

ويبدو لي أن الغرض من وراء تلك الإجراءات هي التضييق على أهل الذمة ليُسلموا، وقد سبق الحاكم بأمر الله الفاطمي لمثلها، وكانت النتيجة أن اضطرهم للإسلام ثم ارتدّوا حين أعفاهم. وكل هذه الأساليب هي من باب الإكراه في الدين، وهو مُحرّم شرعًا بلا خلاف، والنص القرآني فيه محكم صريح لا يقبل التأويل.

وذكر المؤرخون –وننقل عن ابن كثير ‏في ‏«البداية والنهاية» (ج16، ص188)-‏ أنه في رجب سنة 498هـ أُزيل الغيار عن أهل الذمة الذي كانوا أُلزموه في سنة 484هـ، ولا يُعرف سبب ذلك»أهـ. بينما يذكر ابن الجوزي في «المنتظم» (ج17، ص264) أنه في رجب سنة 525هـ أُعيد الغيار على أهل الذمة.

أما أعظم الفتن بين الحنابلة وأهل الذمة، فحدثت سنة 573هـ. ذكر ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج16، ص524-525) «جرت فتنة عظيمة بين اليهود والعامة ببغداد، وكانت بسبب أن مؤذنًا عند كنيسة اليهود نال منه بعض اليهود بكلام فشتمه المسلم، فاقتتلا، فجاء المؤذن يشتكي منه إلى الديوان، وتفاقم الحال، وكثرت العوام، وأكثروا الضجيج، ولمّا كان يوم الجمعة منعت العامة إقامة الخطبة في بعض الجوامع، وخرجوا من فورهم، فنهبوا سوق العطارين الذي فيه اليهود، وذهبوا إلى كنيسة اليهود فنهبوها، ولم يتمكن الشُرط من ردّهِم، وتم صلب بعض الشُطّار كانوا في الحبوس. فظن كثير من الناس أن هذا كان بسبب هذه الكائنة. فسكنت الفتنة»أهـ. بينما روى ابن الجوزي في «المنتظم» (ج18، ص242) القصة بشكل أكثر تفصيلًا، وحكى أن الفتنة وقعت ابتداءً بالمدائن لأن اليهود هناك اشتكوا من كثرة التأذين بأحد المساجد في العيد، وتناوشوا مع المسلمين، ولمّا قدم المسلمون بغداد يستنفرون ويستغيثون أمر صاحب المخزن بحبس بعضهم ثم أطلقهم، فخرجوا يوم الجمعة إلى جامع الخليفة فاستغاثوا، فضربهم الجند، ثم غضبت لهم العوام ببغداد ونهبوا دكاكين وكنيسة اليهود وقطعوا التوراة، وتقدم الخليفة المستضيء –وكان يميل للحنابلة- بنقض كنيسة اليهود بالمدائن وأمر أن تُجعل مسجدًا، ثم أمر بنصب أخشاب ليُصلب عليها بعض العيّارين، فعلّق العوام عليها في الليل جرذانًا ميتة.

ويحكي ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج17، ص740) من حوادث سنة 700هـ، وبعد أن انزاح التتار عن دمشق، وأُعيد ترتيب الأوضاع بها، أُحضِر أهل الذمة، قال: «قُرئت شروط الذمة عليهم، وأُلزموا بها، واتفقت الكلمة على عزلهم عن الجهات، وأُخِذوا بالصغار، ونُودي بذلك في البلد، وأُلزِم النصارى بالعمائم الزُرق، واليهود بالصُفر، والسامرة بالحُمر، فحصل بذلك خير كثير، وتميزوا عن المسلمين»أهـ. وكان للحنابلة الدور الأكبر في ذلك، رغم أن المماليك الحكام أشاعرة، ورغم أن ابن تيمية كان سبب فك أسرى النصارى واليهود بعد ذهابه إلى معسكر جازان لاستخلاص جميع الأسرى وتأخير غزو التتار دمشق.

فكانت هذه هي نوعية الاضطهادات التي تعرض لها أهل الذمة في بعض العهود، وفي بعض البلدان خاصة، وبالرغم من إنكاري على هذه الطريقة المهينة في المعاملة، ورأيي بضرورة أن نُقِرّ بوجود تطرف من المسلمين، خاصة الحنابلة والشافعية، ضد أهل الذمة، جاء من أحكام الفقهاء وفهومهم، ويتنافى تمامًا مع سيرة الرسول وسُنته، ولكن ينبغي أن نُدرك الظروف التاريخية المحيطة، وأن هذا التطرف كان يُقابله تطرف مضاد من المسيحيين، فالأرمن فعلوا الأفاعيل ببلاد الشام لقرون، فلا ننسى مجازرهم وسبيهم لأهل حلب سنة 351هـ، وغير حلب، كما تحالفوا مع جيوش جازان، وكان لهم إسهام فيما حدث من مجازر للمسلمين في الشام سنة 699هـ على يد التتار، ومالأ بعض أهل الذمة في دمشق التتار على المسلمين، كما لاقى المسلمون الويلات بسبب الحملات الصليبية، خاصة في الشام، أما مسلمو الأندلس فقلّ من بقي منهم.

وكلمة الفخر التي يحفظها التاريخ لأقباط مصر أنهم لم يخونوا يومًا، ولم يتحالفوا أبدًا مع عدو ضد مسلميّ بلدهم، بالرغم من ذلك نالهم كثير من التطرف عبر التاريخ، من الحكّام والعوام، وفي زمن السُنة والشيعة، الذي سنكون كذبة لو ادعينا أن هناك تطرفًا منهم مقابلًا له.

ب- الشيعة مع أهل الذمة

يمكن القول أن من حكام المسلمين من الشيعة من كانوا متطرفين دينيًا تجاه اليهود والنصارى مقارنة بالسُنة، ولم يعرف التاريخ بطوله شبيهًا للحاكم بأمر الله الفاطمي. ومن أمثلة ذلك ما ذكره المقريزي في «الخطط» (ج2، ص286) أن الحاكم بأمر الله، سنة 395هـ «أمر النصارى واليهود بشد الزنار ولبس الغيار». وأورد المقريزي الخبر مرة ثانية (ص341) «وفي سنة خمس وتسعين وثلثمائة، قُرئ سجل في الجوامع بمصر والقاهرة والجزيرة بأن تلبس النصارى واليهود الغيار والزنار، وغيارهم السواد غيار العاصين العباسيين، وأن يشدّوا الزنار».

وفي سنة 398هـ استولى الحاكم على أموال أوقاف الكنائس. قال المقريزي في «الخطط» (ص286): «قبض جميع ما هو مُحبس على الكنائس، وجُعِل في الديوان، وأحرق عدة صُلبان على باب الجامع بمصر، وكتب إلى سائر الأعمال بذلك». وأضاف المقريزي (ص287) «وهُدِمت كنائس كانت بطريق المقس، وهُدِمت كنيسة كانت بحارة الروم من القاهرة، ونُهِب ما فيها، وقُتِل كثير من الخُدّام ومن الكتاب ومن الصقالبة، بعدما قُطِعت أيدي بعضهم من الكتاب بالسطور على الخشبة من وسط الذراع… واشتد الأمر على النصارى واليهود في إلزامهم لبس الغيار». وروى ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج15، ص521) وابن الأثير في «الكامل» (ج8، ص50) في حوادث سنة 398هـ أمر الحاكم بأمر الله بهدم وتخريب كنيسة القيامة، وكل البِيَع في مملكته، وألزم اليهود والنصارى بزي خاص وتعليمات مشددة، حتى حمل كثيرين على الإسلام صوريًا، ثم أمر بعمارة البِيَع وأعطى الناس الحرية للعودة إلى دينهم، فعاد كثير منهم!

ولكن ذكر المقريزي في «الخطط» أيضًا (ج2، ص287) أن الحاكم في سنة 403هـ «أمر النصارى بلبس السواد، وتعليق صُلبان الخشب في أعناقهم، وأن يكون الصليب ذراعًا في مثله، وزِنته خمسة أرطال، وأن يكون مكشوفًا بحيث يراه الناس، ومُنِعوا من ركوب الخيل، وأن يكون ركوبهم البغال والحمير بسروج الخشب والسيور السود بغير حلية، وأن يشدّوا الزنانير، ولا يستخدموا مسلمًا ولا يشتروا عبدًا ولا أمة، وتُتُبعت آثارهم في ذلك، فأسلم منهم عدّة». وفي سنة 404هـ، يذكر المقريزي (ص288) «ألزم اليهود أن يكون في أعناقهم جرس إذا دخلوا الحمام، وأن يكون في أعناق النصارى صُلبان… وأمر اليهود والنصارى بالخروج من مصر إلى بلاد الروم وغيرها».

وظلت أحوال نصارى مصر والشام في أسوأ حال طوال عهد الحاكم بأمر الله، ولم تتحسن إلا في عهد ابنه الظاهر، والوصية عليه عمته ست الملك، وتحديدًا سنة 418هـ، عندما عُقِد صُلح بين البيزنطيين والفاطميين تم على أساسه إعادة بناء ما تهدم من كنائس، ومنها كنيسة القيامة في القدس، وفي المقابل أعاد البيزنطيون بناء جامع القسطنطينية، الذي كانوا قد هدموه بعد هدم الحاكم كنيسة القيامة.

ولكن تم نقض المعاهدة، وعادت الحروب بين الفاطميين والروم، وكان من نتائجها الاعتداء على كنيسة القيامة. يذكر المقريزي في «الخطط» (ج1، ص335) أنه بسبب ارتفاع السعر في مصر سنة 446هـ -بداية سنوات الشدة العظمى-، طلب المستنصر بالله الفاطمي إلى إمبراطور الروم يطلب إمداده بالغلال، فوافق، وجهّز 400 ألف أردب لحملها إلى مصر، لكنه مات، وتولت امرأة -الإمبراطورة تيودورا-، والتي كتبت إلى المستنصر تسأله أن يكون عونًا لها، ويمدها بعساكر مصر إذا ثار عليها أحد، فرفض، فمنعت حمل الغلال إلى مصر، ودخلوا حربًا، ثم أنه بعد هزيمة الفاطميين من الروم سنة 447هـ، «بعث المستنصر بالله الفاطمي أبا عبد الله القضاعي –القاضي- برسالة إلى القسطنطينية، فوافى إليها رسول طغرلبك السلجوقي من العراق، بكتابة يأمر متملك الروم بأن يُمكِّن الرسول من الصلاة في جامع القسطنطينية، فأذن له في ذلك، فدخل إليه وصلّى فيه صلاة الجمعة، وخطب للخليفة القائم بأمر الله العباسي، فبعث القاضي القضاعي إلى المستنصر يخبره بذلك، فأرسل إلى كنيسة قيامة بيت المقدس، وقبض على جميع ما فيها، وكان شيئًا كثيرًا من أموال النصارى»أهـ. ومعلوم معنى إقامة الخطبة في تلك العصور، وكانت الخطبة قد أُقيمت للظاهر بالله والمستنصر بالله الفاطميين في جامع القسطنطينية قبل القائم العباسي بعقود.

ولكن كما نرى في الحكام السُنة المتسامحين مع أهل الذمة كالناصر العباسي، فإن الأمر بالمثل مع الحكام الشيعة، وأشهرهم في ذلك العزيز بن المعز، ثاني الخلفاء الفاطميين بمصر، وهو أبو الحاكم بأمر الله، والذي تسامح مع النصارى حتى تزوج منهم، واحتفل بأعيادهم ومواسمهم، كما تسامح مع اليهود، لدرجة تولية أحدهم على ولاية الشام. وأقباط مصر يدّعون أن أباه المعزّ لدين الله الخليفة الفاطمي الأول بمصر قد تنصر!، والحقيقة أنه كان هو الآخر متسامحًا، وولّى الوزارة يعقوب بن كلس، والذي كان يهوديًا أعلن إسلامه.

وللعزيز قصص ونوادر تُروى في التسامح مع أهل الذمة. من ذلك يروي ابن الأثير في «الكامل» (ج7، ص477) «قيل: إنه ولّى عيسى بن نسطورس النصراني كتابته، واستناب بالشام يهوديًا اسمه منشا، فاعتز بهما النصارى واليهود وآذوا المسلمين، فعمد أهل مصر وكتبوا قصة، وجعلوها في يد صورة عملوها من قراطيس فيها (بالذي أعزّ اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذلّ المسلمين بك، إلا كشفت ظلامتي)، وأقعدوا تلك الصورة على طريق العزيز، والرقعة بيدها، فلمّا رآها أمر بأخذها. فلمّا قرأ ما فيها، ورأى الصورة من قراطيس علم ما أُريد بذلك، فقبض عليهما، وأخذ من عيسى ثلاثمائة ألف دينار، ومن اليهودي شيئًا كثيرًا»أهـ. والقصة رواها ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج15، ص469). وكثيرًا ما هجا الشعراء العزيز بالله وعفا عنهم، وكان من أسباب هجائهم له تسامحه مع النصارى.

ج- الأشاعرة مع أهل الذمة

من المعروف عن علماء المذهب الشافعي تشددهم وتعصبهم ضد أهل الذمة، وقد وقعت على نص طويل ذكره ابن الفوطي في «الحوادث الجامعة» عن فقيه الشافعية أبو عبد الله محمد بن يحيى بن فضلان، أنه بعث برسالة للخليفة الناصر لدين الله يصف فيها أحوال أهل الذمة ببغداد، والنعمة التي يعيشون فيها في عهده، ويدعوه لزيادة الجزية عليهم، ويصف في المقابل كيف كانوا يُهانون في عصور من شدّد عليهم من الخلفاء كالمتوكل والمقتدي بأمر الله، زاعمًا أن هذا حكم الشرع فيهم. وهو نص في غاية الأهمية.

ذكر ابن الفوطي عن ابن فضلان، قال (ص66: 68): «حُكي عنه: أنه كتب للخليفة الناصر لدين الله لمّا كان يتولى ديوان الجوالي رقعة طويلة يقول فيها: مذهب الشافعي رضي الله عنه يقضي أن المأخوذ من أهل الذمة -أعني اليهود والنصارى- في كل سنة أجرة عن سكناهم في دار السلام، والارتفاق بمرافقها لا يتقدّر في الشرع بمقدار معين في طرف الزيادة، ويتقدر في طرف النقصان بدينار، فلا يؤخذ من أحد منهم على الإطلاق أقل من دينار، ويجوز أن يؤخذ ما يزيد على الدينار إلى المائة، حسب امتداد اليد عليهم مهما أمكن، فإن رأى أن يتضاعف على كل شخص منهم ما يُؤخذ منه، فللآراء الشريفة علوّها في ذلك، وهذا لا يبين عليهم لا في أحوالهم ولا في ذات أيديهم، لأن الغالب على الجميع التخفيف في القدر المأخوذ منهم، وهم ضروب وأقسام، منهم من هو في خدمات الديوان وله المعيشة السّنية، غير بركة يده الممتدة إلى أموال السلطان والرعية من الرشا والبراطيل، ولعل الواحد منهم ينفق في يومه القدر المأخوذ منه في السنة، هذا مع ما لهم من الحرية الزائدة والجاه القاطع والترقي على رقاب خواص المسلمين، وقد شاهد العبد وغيره من الفقهاء الحاضرين في المخزن لتناول البر المتقبل: أن ابن الحاجب قيصر، أقام ابن محرز الفقيه من طرف موضع كان به، وأقعد مكانه ابن زطينا كاتب المخزن لمكان خدمته، وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: أُمرنا أن لا نساويهم في المجلس، ولا نُشيع جنائزهم، ولا نعود مرضاهم ولا نبدؤهم بسلام. وقد كان ابن مهدي استفتى العبد وغيره، في تولية ابن ساوا النظر بواسط، فقال له العبد: لا يجوز ذلك، وذكر له قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع أبي موسى الأشعري، وذلك أنه عرض عليه حسبة عمل من الأعمال فأعجبته، فقال من كاتب هذه؟ وكان عمر جالسًا في المسجد، فقال له أبو موسى: رجل بباب المسجد، فقال عمر: ما باله لا يدخل المسجد أجُنب هو؟ قال: لا إنما هو نصراني، فغضب عمر وقال: أتقربونهم وقد أبعدهم الله؟ وتأتمنونهم وقد خوَّنهم الله؟، وترفعونهم وقد وضعهم الله؟، لا يعمل لي هذا عملًا في بلد من بلاد الإسلام. ثم ليس لهم في بلد من الحرمة والجاه والمكانة ما لهم في مدينة السلام، فلو تضاعف المأخوذ منهم مهما تضاعف، كان لهم الربح الكثير. ومنهم الأطباء أصحاب المكاسب الجزيلة، بترددهم إلى منازل الأعيان، وأرباب الأحوال، ودخولهم على المتوجهين في الدولة، والناس يتحمَّلون فيما يعطون الطبيب زائدًا على القدر المستحق، وهو أمر من قبل المروءات، فلا ينفكَّون عن الخلع السّنية والدنانير الكثيرة والطُرف في المواسم والفصول، مع ما يحطّون في المعالجات ويُفسدون الأمزجة والأبدان، ويخرج الصبي منهم ولم يقرأ غير عشر مسائل حنين، وخمس قوائم من تذكرة الكحالين، وقد تقمص ولبس العمامة الكبيرة، وجلس في مقاعد الأسواق والشوارع على دكة حتى يُعرف، وبين يديه المكحلة والملحدان، يؤذي هذا في بدنه، ويُجرب على ذا في عينه، فيفتك من أول النهار إلى آخره، ويمضي آخر النهار إلى منزله ومكحلته مملوءة قراضة، فإذا عُرف بقعوده على الدكة وصار له الزبون، قام يدور ويدخل الدور. ومنهم أرباب المعايش من العطارين والمخلطين والكسارين أصحاب المكاسب الظاهرة والارتفاقات الكثيرة بأموال التجار المسلمين، وأخذهم من الحجر بالمدة وما يعفون في ميزان الذهب، وميزان الأرطال، وما يغشون في الحوائج ويدغلون. ومنهم أصحاب الحرف والصناعات، من الصاغة وغيرهم، وما يتقلَّبون فيه من الذهب والفضة، ويسرقون الذهب ويجعلون عوضه المس –النحاس- ويعدلونه، ويسرقون الفضة ويجعلون عوض ذلك في المواضع المستورة بحسب احتمالها، تارة قارًا وغير ذلك. ومنهم الجهابذة وما يسرقون في القبض والتقبيض. ومنهم الصيارف واحتجاجهم ببضاعة دار الضرب، مع ما لهم من التبسط في المسلمات والمسلمين، وبذل جزيل المال في تحصيل أغراضهم في الفساد ورفاهية العيش والتلذذ في المآكل والمشارب.

ثم ما زالوا على اختلاف الزمان يؤخذون بالصَغَار ولبس الغيار الذي أوجبه الشرع عليهم، وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء الأمصار، أن يحملوا أهل الذمة على جزّ نواصيهم، وأن يختموا أعناقهم بخواتم من رصاص أو حديد، وأن يركبوا على الأكف عرضًا، وأن يشدّوا الزنانير علي أوساطهم ليتميزوا بذلك عن المسلمين، وعلى ذلك جرى الأمر في زمن الخلفاء الراشدين، وآخر من شدّد عليهم المقتدي بأمر الله، وأجراهم على العادة التي كانت في زمن المتوكل، فعلَّق في أعناقهم الجلاجل، ونصب الصور والخشب على أبوابهم لتتميز بيوتهم عن بيوت المسلمين، وأن لا يساوي بنيانهم بنيان المسلمين، وألزم اليهود لبس الغيار والعمائم الصُفر، وأما النساء فالأُزر العسلية، وأن تخالف المرأة منهم بين لونيّ خفيها، واحد أسود، والآخر أبيض، وأن يجعلوا في أعناقهن أطواقًا من حديد إذا دخلن الحمامات، وأما النصارى فلبس الثياب الدُكن والفاختية، وشد الزنانير على أوساطهم، وتعليق الصلبان على صدورهم، وإذا أرادوا الركوب لا يُمكّنون من الخيل، بل البغال والحمير، بالبراذع دون السروج، عرضًا من جانب واحد، فهؤلاء قد حُطَّ عنهم هذا كله، فلا يُقابل ذلك بتضعيف ما يُؤخذ منهم، وهؤلاء في أكثر البلاد يُلزمون الغيار ولايتمكنون من الدخول إلا في أرذل الصنائع وأرذل الحرف، أما في بخارى وسمرقند فمُنقُّوا الكُنف والمجاري ورفع المزابل ومساقط الفضلات هم أهل الذمة، وأقرب البلاد إلينا حلب، وهم بها عليهم الغيار، ومن حكم الشرع أنه إذا أُخذت الجزية منهم يدفعها المعطي منهم وهو قائم والآخذ قاعد، يضعها في كفه ليتناولها المسلم من وسط كفه، تكون يد المسلم العليا ويد الذمي هي السفلى، ثم يمد بلحيته ويضرب في لهازمه ويقول له: أدّ حق الله ياعدو الله ياكافر. واليوم منهم من لا يحضر عند العامل بل ينفذها على يد صاحبه. الصابئة قوم من عبدة الكواكب يسكنون في البلاد الواسطية لا ذمة لهم، وكان في قديم الزمان لهم ذمة، فاستفتى القاهر بالله أبا سعيد الاصطخري، من أصحاب الشافعي في حقهم، فأفتاه بإراقة دمائهم وأن لا تُقبل منهم الجزية، فلمّا سمعوا بذلوا له خمسين ألف دينار فأمسك عنهم، وهم اليوم لا جزية عليهم ولا يُؤخذ منهم شيء، وهم في حكم المسلمين والأمر أعلى»أهـ.

لكن الجميل أن الخليفة الناصر، لم يلتفت لهذا الخطاب. قال ابن الفوطي (ص68): «فلمّا وقف الخليفة على رقعته لم يُعد عنها جوابًا». ويبدو أن عدل الخليفة الناصر بين رعيته لم يعجب المتشددين من السُنة، أشاعرة وحنابلة، فقد رُوي أيضًا في «طبقات الحنابلة» إنكار إسحاق العلثي الحنبلي عليه فيما رآه منكرًا.

لكن ما أشار به ابن فضلون من أخذ مزيد من الأموال من أهل الذمة، تم تنفيذه في عصور أخرى. يذكر ابن إياس في «بدائع الزهور» (ج3، ص248) عن حوادث ربيع الأول سنة 893هـ، في مصر، شكل آخر من أشكال التطرف بدأ بأهل الذمة، وإن كان قد طال المسلمين بعد ذلك. قال: «وفيه أحضر السلطان بطرك النصارى، ورئيس اليهود، وقرّر على طائفة اليهود والنصارى مالًا له صورة، بسبب خروج التجريدة إلى ابن عثمان، وهذا أول فتح باب المصادرات للناس»أهـ.

كما يهمني أن ألفت إلى أن الاضطهاد لأهل الذمة في بعض مدن المسلمين، كانت له خلفيات كثيرة، فحلب مثلًا، والتي مثَّل بها ابن فضلون، حدث لسكانها من المسلمين من المآسي على يد الروم ما يصعب إحصاؤه، بدءًا من اجتياح ملك الأرمن لحلب سنة 351هـ في عهد الحمدانيين، وصولًا إلى ما حدث لأهلها من مآسي أيام الحملات الصليبية طوال القرن السادس الهجري. وفي مصر ألفت إلى أن أكبر نسبة من مُلاك الأراضي الزراعية وصائغيّ الذهب كانت ولا زالت من المسيحيين. لم يمتهنوا يومًا في حرف وضيعة بسبب دينهم، مثلما يحكي ابن فضلون عن وقوع ذلك في بعض البلاد.

وعلى مدار القرون الأولى من التاريخ الإسلامي، كان ما جاء من وصف للاضطهاد الممكن في رسالة ابن فضلون هذه هو أقصى درجات المعاملة المتطرفة لأهل الذمة، ونادرًا ما تعدّاه، ولم يكن ذلك الاضطهاد يؤدي إلى فتنة، لأنه في ذلك العصر كانت الطبقية سائدة، وكانت الأقليات في كافة االمجتمعات تُعامل معاملة أدنى من معاملة الأكثرية، وكانوا يتقبلون ذلك.

لكن المسيحيين وإن كانوا يصبرون على المعاملة المتطرفة، فإن ما يثير أشد الفتن من جانبهم هو هدم أو تخريب الكنائس، وقد مرّ بنا في فتن الشيعة، ما فعله الحاكم بأمر الله الفاطمي بالكنائس. وكذا مرّ بنا في فتن الحنابلة، أمر الخليفة المستضيء الحنبلي بتخريب معبد اليهود في المدائن سنة 573هـ. أما السلطان المملوكي الأشعري العقيدة الناصر محمد بن قلاوون، فحدث في عهده، وتحديدًا سنة 721هـ هدمًا لبعض الكنائس، وقتلًا لبعض المسيحيين، وردّ المسيحيون بإشعال الحرائق في القاهرة وبعض أنحاء مصر. وكانت فتنة عظيمة.

القصة رواها المقريزي في «الخطط» (ج2، ص512: 517)، وهي قصة يطول شرحها، وقد بدأت بحفر حول كنيسة تسمى كنيسة الزُهري، حولها عدة كنائس، وكان ذلك الحفر بأمر السلطان. وكان القصد من ذلك، وفقًا للمقريزي أن تسقط من غير قصد لخرابها، ولكن تدخل بعض غوغاء العوام وقت انشغال المسلمين بصلاة الجمعة، بغير مرسوم السلطان، وهدموها، ثم قتلوا من كان فيها من النصارى، ونهبوها، ثم تتالى هدم العامة للكنائس ونهبها وسبي البنات. يقول المقريزي: «فعندما خرج الناس من الجوامع شاهدوا هولًا كبيرًا من كثرة الغبار ودخان الحريق، ومرج الناس وشدة حركاتهم، ومعهم ما نهبوه، فما شبّه الناس الحال لهوله إلا بيوم القيامة»، وعندما علم السلطان بالأمر انزعج وغضب من تجرؤ العامة، وحاول تداركه، ولكن العوام كانوا قد سارعوا في تخريب كنائس أخرى، وتعاظم الخطب، وأمر السلطان الأمراء بقتل من قدروا عليه من العامة، وفرّت النهّابة، فلم يظفر الأمراء منهم إلا بمن عجز عن الحركة بما غلبه من السُكر بالخمر الذي نهبه من الكنائس، ولكن السلطان لمّا رأى الأعداد المهولة من العوام التي تجمعت عند الكنائس خاف سوء العاقبة، فأمسك عن القتل، وأمر بإرجاف العامة بغير إهراق دم، وترك لهم الفرصة ليفرّوا. ثم توالى هدم الكنائس في المدن الأخرى كالإسكندرية ودمنهور وغيرها.

ثم انتقم المسيحيون. يقول المقريزي (ص514) «فلم يمض شهر من يوم هدم الكنائس حتى وقع الحريق بالقاهرة ومصر في عدة مواضع، وحصل فيه من الشناعة أضعاف ما كان من هدم الكنائس… ولم يخل يوم من وقوع الحريق في موضع، فتنبه الناس لِما نزل بهم، وظنوا أنه من أفعال النصارى؛ وذلك أن النار كانت تُرى في منابر الجوامع وحيطان المساجد والمدارس، وتتبعوا الأحوال حتى وجدوا هذا الحريق من نفط قد لُف عليه خِرق مبلولة بزيت وقطران»أهـ. وتم القبض على بعض النصارى بالفعل ممن نُسِب إليهم الحريق، واعترفوا أمام البطرك (ص515) «فبكى البطرك عندما سمع كلامهم، وقال: هؤلاء سفهاء النصارى قصدوا مقابلة سفهاء المسلمين على تخريبهم الكنائس، وانصرف مبجّلًا مكرّمًا». ولم ينته الحال عند هذا الحد، بل استشرت الفتنة واستمرت فترة.

وأنا أقول: سلطان لا يؤمِّن رعيته الذين لهم ذمة الله وذمة رسوله، ويترك الغوغاء يفتكون بهم، وحتى أنه لم يعاقبهم، لا ينتظر من الناس إلّا أن تلجأ لاستيفاء حقها بأيديها، فالملوم الأول هو، مهما أحدثوا من دمار، وإن كانت مسألة عدم علمه بكل هذا الدمار الحادث الذي من الصعب أن يجرؤ عليه العوام دون مساندة هي من الأمور الجديرة بأن تثير الريبة.

لكن يلزمنا أيضًا أن نفهم خلفيات تلك الفتنة. مرّ بنا في فتن الحنابلة مع أهل الذمة إلزام أهل الذمة بالغيار سنة 700هـ، بعد انتهاء مأساة اجتياح التتار للشام، وذكرنا أن الأرمن المسيحيين قد ساهموا في المذابح التي ارتكبها التتار ضد المسلمين في الشام سنة 699هـ، وكما حدث من تضييق على أهل الذمة في الشام بعد جلاء التتار، فقد حدث بمصر حركة ضد أهل الذمة، وأُغلِقت الكنائس سنة 700هـ. يذكر محمد عبد الله عنان في «مصر الإسلامية» (ص179) «كان لذلك صداه في الممالك النصرانية، وفي مقدمتها الدول الشرقية وأراجون». وأراجون هي إحدى ممالك إسبانيا المسيحية، وكانت بإسبانيا في ذلك الحين ممالك، أشهرها: أراجون وقشتالة وهما مسيحيتان، وغرناطة، وهي آخر ممالك المسلمين بالأندلس. ويحكي عنان أمر السفارات التي جرت لأجل إعادة فتح الكنائس. وكان السلطان هو السلطان الناصر محمد بن قلاوون، والذي امتد وقت ملكه لحوالي نصف قرن (693-741هـ)، وكانت هناك سفارات عديدة بينه وبين الممالك المسيحية وخاصة أراجون. وكانت معاملة النصارى في مصر والشام والمسلمين في أراجون، موضع اتصالات ومراسلات دبلوماسية، وأخذ وعطاء كما يُقال بالعامية، خاصة والمناطق المسيحية المقدسة كلها تقع تحت حكم المسلمين.

ويُستفاد من عنان (ص181-182) أنه في أواخر سنة 1322م /722هـ -أي بعد تلك الفتنة التي جرى فيها حرق الكنائس بعام، وهي فترة مناسبة لوصول خبر ما حدث سنة 721هـ إلى أسبانيا، ثم وصول رُسل أراجون-، أرسل ملك أراجون إلى الملك الناصر سفارة جديدة، «بطلب إطلاق فوج جديد من الأسرى، وبرجاء الاطمئنان على حسن معاملة النصارى. وقد أبدى السلطان في رسالته إلى ملكهم أنه أطلق ما استطاع إطلاقه من الأسرى –بمعنى أنه رفض إطلاق المزيد-، وأكد له حسن معاملة النصارى، ورعايتهم وحمايتهم. ولكن السلطان يبدي للملك ما بلغه من أن معاملة المسلمين في أراجون قد تغيرت عمّا كانت عليه، وأنهم كانوا يحظون بشيء من الرعاية، ويؤدون شعائرهم أحرارًا في مساجدهم دون معارضة، ولكنهم قد حُرِموا أخيرًا من هذه الحقوق، ومُنِعوا من الأذان والصلاة في مساجدهم، ويتوجه السلطان بالرجاء إلى ملك أراجون أن يُسبغ رعايته على المسلمين، وأن يُجريهم على سابق عوايدهم، فلا يتعرض لهم أحد في مساجدهم، وأن يكف الضر عنهم»أهـ.

وأقول: من الواضح أن سوء أحوال مسلميّ أسبانيا كان قد بلغ سلطان مصر، وربما بلغ العوام، فتسبب فيما جرى على أقباط مصر من خراب، ولطالما لاقى مسيحيو الشرق ومسلمو الغرب التنكيل عند سوء العلاقات، واُستخدموا كأداة للانتقام. شاهدنا أمثلة على ذلك أيام الإمبراطورية الرومانية، وزمن الحروب الصليبية، وزمن حروب المسلمين والمسيحيين بالأندلس.

يذكر ابن إياس في «بدائع الزهور» (ج3، ص244-245) أنه وصلت سفارة من الأندلس إلى مصر في ذي القعدة سنة 892هـ، يطلب فيها صاحب الأندلس من سلطان مصر إرسال ما يعينه على قتال الفرنج؛ كونهم أوشكوا على أخذ غرناطة من أيدي المسلمين –وإن كانت المدينة المحاصرة المقصودة غالبًا هي مالقة، ولكن مملكة غرناطة كلها كان يحوطها الخطر-. «فلمّا سمع السلطان ذلك اقتضى رأيه بأن يبعث إلى القُسوس الذين بالقيامة التي بالقدس –كنيسة القيامة-، بأن يُرسلوا كتابًا على يد قسيس من أعيانهم إلى ملك الفرنج صاحب نابل، بأن يُكاتب صاحب قشتيلية، بأن يحل عن أهل الأندلس ويرحل عنهم، وإلا يُشوش السلطان على أهل القيامة، ويقبض على أعيانهم، ويمنع جميع طوائف الفرنج من دخول القيامة ويهدمها، فأرسلوا قاصدهم، وعلى يده كتاب إلى صاحب نابل، كما أشار السلطان، ولم يُفِد من ذلك شي، وملكوا الفرنج مدينة غرناطة فيما بعد»أهـ.

تهديد آخر، يحكيه لنا محمد عبد الله عنان في «مصر الإسلامية» (ص207-208) اُستخدم فيه مسيحيو الشرق باعتبراهم أداة، بعث به سلطان مصر الملك الأشرف قايتباي، بأن أوفد راهبين من دير ببيت المقدس، برسالتين إلى البابا، وإلى ملك نابولي، وبكتابين أيضًا إلى فرناندو وإيزابيلا ملكي قشتالة وأراجون. «في هذه الكتب يُعاتب سلطان مصر ملوك النصارى، على ما ينزل بأبناء دينه المسلمين في مملكة غرناطة، وعلى توالي الاعتداء عليهم، وغزو أراضيهم وسفك دمائهم، ونهب أملاكهم؛ في حين أن رعاياه النصارى في مصر وفي بيت المقدس، وهم ملايين، يتمتعون بجميع الحريات والحمايات، آمنين على أنفسهم وعقائدهم وأملاكهم. ولهذا فهو يطلب إلى ملكيّ قشتالة وأراجون، الكف عن هذا الاعتداء، والرحيل عن أراضي المسلمين، وعدم التعرض إليهم، وردّ ما أُخِذ من أراضيهم؛ ويطلب إلى البابا وملك نابولي أن يتدخلا لدى ملكيّ قشتالة وأراجون، لردّهما عمّا يدبرانه من المشاريع لإيذاء المسلمين والبطش بهم؛ هذا وإلا فإن سلطان مصر يضطر إزاء هذا العدوان، أن يتّبع نحو رعاياه النصارى سياسة التنكيل والقصاص، ويبطش بكبار الأحبار في بيت المقدس، ويمنع دخول النصارى كافة إلى الأراضي المقدسة، بل ويهدم قبر المسيح ذاته، وكل الأديرة والمعابد والآثار النصرانية المقدسة»أهـ.

لكن هذا الوعيد لم يتم، وفي المقابل، يحكي ابن إياس في «بدائع الزهور» بعض ما حدث للمسلمين في الأندلس بعد أن سقطت غرناطة، وكانت غرناطة قد سقطت سنة 897هـ، وأورد ابن إياس الخبر (ص292). يقول ابن إياس: (ج3، ص448): «وفي صفر سنة 906هـ، جاءت الأخبار من جهة المغرب بأن الفرنج قد استولوا على غرناطة، التي هي دار ملك الأندلس، ووضعوا في المسلمين السيف، وقالوا: من دخل في ديننا تركناه، ومن لم يدخل في ديننا قتلناه، فدخل في دينهم جماعة كثيرة من المغاربة خوفًا على أنفسهم من القتل، ثم ثاروا عليهم المسلمون ثانيًا، وانتصفوا عليهم بعض شيء، واستمر الحرب بينهما ثائرًا، والأمر لله»أهـ.

ونحن نعلم أن ما أورده ابن إياس على أنه قد حلّ بالمسلمين قد حدث بالفعل، بل وحدث أكثر منه من الفظائع عبر قرون كانت عارًا على المسيحية، ونعلم أنه قد جرت مذابح من الإسبان ضد المسلمين واليهود بعد سقوط الأندلس، بل وكان اليهود ينزحون مع المسلمين الفارين من الأندلس إلى بلاد المغرب. لكن الرواية المسيحية التي رواها السفير مارتيري في كتابه عن سفارته إلى مصر في صفر سنة 906هـ تختلف من حيث تفاصيلها، وربما كانت تلك االسفارة سبب ما ذكره ابن إياس من حوادث عن المسلمين في الأندلس، في صفر سنة 906هـ، رغم أن غرناطة كانت قد سقطت قبلها بتسع سنين.

يعلِّق عنان (ص210-211) قائلًا: «إن ابن إياس لم يُورد تلك الرواية عبثًا، وإن كانت تتعلق في الحقيقة بواقعة أو مناسبة أخرى. ذلك أن فرناندو الخامس لم ينس وعيد السُلطان بالتنكيل بالنصارى، ولم يقنع بالجواب الذي وجهه إليه على يد القسيسين؛ فلمّا انتهت حرب غرناطة، وتم إخضاع جميع المدن والأراضي الإسلامية، رأى فرناندو أن يسعى إلى إقناع سلطان مصر بما يلقاه مسلمو الأندلس من الرعاية والرفق، وأن يُطمئنه على مصيرهم، فأوفد إلى بلاط القاهرة سفارة جديدة. وكان سفيره إلى السلطان بيترو مارتيري، وهو من أعلام الكتّاب والمؤرخين في ذلك العصر، فأدّى مارتيري سفارته بكياسة وبراعة، وقدّم إلى السلطان شهادات من حكّام الجزائر تُفيد أن كل المسلمين الذين آثروا الهجرة قد نُقِلوا سالمين إلى الجزائر، وأُحسِنت معاملتهم، واستطاع بذلاقته أن يُقنع السلطان بأن يُعفي الحاج النصارى من طائفة من المغارم والفروض»أهـ.

أما عن العثمانيين، فيحكي إدوارد جيبون في كتابه «اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية»، عمّا ارتكبه الأتراك من فظائع في القسطنطينية لإسقاط الرومان، والتي كانت مصبوغة بصبغة دينية. ولكن بعد إقامتهم لدولتهم هدأت الأحوال، وأُخِذت العهود. وإن كان الأتراك معروفين بشراستهم واستكثارهم من سفك الدماء، وقد فعلوا بالجند المصري المسلم في معركة مرج دابق التي احتلوا مصر على إثرها ما يقصم الظهور، ثم مذابحهم في حق العوام من أهل القاهرة يوم دخلوها، بما يُذكِّر بما فعله التتار في بغداد.

ولم يحدثنا التاريخ عن أي مذابح في حق أهل الذمة سوى ما حدث في الشام في القرن التاسع عشر تحت سيادة الدولة العثمانية، وكان العثمانيون أحناف، على العقيدة الماتريدية، التي لا تكاد تختلف عن عقيدة الأشاعرة، وكانت العلاقات في ظل حكم العثمانيين بين مختلف الديانات والطوائف جيدة بشكل عام، ولكن تدخلات الغرب وإذكاء الفتن بين المسيحيين الموارنة والدروز والمسلمين أدى إلى مذابح، وقُتِل الكثير من المسيحيين، خاصة في فتنة 1858: 1860م.

ثم حدثت مذابح من العثمانيين تجاه الأرمن، أواخر عهد الدولة العثمانية، والتي كانت جزءًا من الصراع الإسلامي المسيحي في العصر الحديث، حيث كانت مقابلة لقتل وتهجير ملايين المسلمين، من البلقان والقوقاز وجنوب روسيا، طوال قرن كامل. كما كان للإنجليز والروس دورًا في إثارة الخلافات بين العثمانيين والأرمن؛ فكان هذا جزءًا من مشروعهم لـ «هدم الدولة العثمانية»؛ لإعادة ترتيب المنطقة وتقسيمها. وكذا حدثت فتن بالبلقان.

كما حدثت حروب ومذابح بين الأتراك واليونانيين، آخرها وأهمها: الحرب التركية اليونانية (الحرب في آسيا الصغرى) 1919: 1922م. وكانت المذابح وطرد السكان متبادل، فبينما قام اليونانيون بمذابح وحشية مسجّلة ضد سكان أزمير 1919، بادلهم الأتراك المذابح، حتى وُقِّعت معاهدة لوزان 1923م، وتبادلت تركيا واليونان السكان، فانتقل الأرثوذكس اليونان المسيحيون إلى اليونان، وانتقل المسلمون إلى تركيا، فكانت من أشهر حملات التطهير العرقي في العصر الحديث.

ولا أريد أن أُكثر من ذكر تلك الحروب التي دخلها العثمانيون في إطار حديثي عن التطرف، لأنه وفقًا للمؤرخين يمكننا تلمح الأسباب السياسية قائمة وراءها وليس أسبابًا دينية اكتشفها الأتراك فجأة، خاصة وأن جزءًا كبيرًا من الملحمة قام به علمانيو النظام التركي الوليد وقتها، والذي لم يكن يختلف عن أي نظام عنصري، كالنازي والفاشي والصهيوني، لا يريد أن يرى في أرضه سوى من يماثلونه عرقيًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أحمد بن علي تقي الدين المقريزي. (1987). المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار «المعروف بالخطط المقريزية». ط2. القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية.
إسماعيل بن عمر بن كثير أبو الفداء القرشي الدمشقي. تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي. (1997). البداية والنهاية. القاهرة: دار هجر.‏
عبدالرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج ابن الجوزي.‏ تحقيق: محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. (1995). ‏المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية.
عبد الرزاق بن أحمد ابن الفوطي كمال الدين أبو الفضل الشيباني. تحقيق: مهدي النجم. (2003). الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة. بيروت: دار الكتب العلمية.
علي بن محمد بن محمد الشيباني أبو الحسن ا‏بن الأثير الجزري. تحقيق: عبد الله القاضي ومحمد يوسف الدقاق. (1987). الكامل في التاريخ. ‏بيروت: دار الكتب العلمية.‏
محمد بن أحمد بن إياس الحنفي. تحقيق: محمد مصطفى. (1984). بدائع الزهور في وقائع الدهور. مكة المكرمة: مكتبة دار الباز.
محمد عبد الله عنان. (1998). مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية. ط3. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب- مهرجان القراءة للجميع.
عرض التعليقات
تحميل المزيد