من محاسن ديننا الحنيف أن الله سبحانه وتعالى أعدَّ لعباده مواسم كريمة، وأتاح فرصًا مُبارَكة، في أزمنة محدَّدة، وأيام معدودة، ضاعَف لهم فيها الحسنات أضعافًا كثيرة؛ ليُسارِعوا فيها إلى الخيرات، ويتَّجِروا فيها بصنوف القُرَب والطاعات، فيعوِّض مقصِّرٌ فيها ما فاته، ويُدرِك مؤمِّل ما تمنَّاه. ومن هذه الأيام المباركة: أيام عشر ذي الحجة والتي نحن على أبوابها، أحب الأيام إلى الله، أيام تتناثر فيه الخيرات و جني الثمار وقطف أجمل الأزهار، والارتقاء إلى أعلى الدرجات.. جعلها الله أفضل أيام الدنيا وأفضل أيام الأزمان، العمل فيها أفضل الأعمال، والحسنة فيها بسبعمائة ضعف إلى أضعاف مضاعفة كما يشاء الله سبحانه.

يقسم الله تعالى بها في مطلع سورة الفجر مما يدلُّ على عظمها: (والفجر وليال عشر)، والمقصود بليال عشر: عشر أيام ذي الحجة.

بل إن تفضيلَ العملِ فيها على الجهاد في سبيل الله – وهو ذِروة الإسلام ومناره – أعظم دليل على فضل هذه الأيام على الدهر كلِّه دون جدال أو استثناء؛ اللهم إلا ضربًا واحدًا من ضروب الجهاد لإعلاء كلمة الله – عزَّ وجل – هو أن يخرج المجاهد مخاطرًا بنفسه وماله، يبتغي الشهادة، ويرجو الحسنى وزيادة، ثم لا يرجع بنفسه ولا ماله، هذا النوع وحده من أنواع الجهاد، وهو أعلاها شأنًا وأجلها مكانًا، هو الذي يعدل العمل في عشر ذي الحجة أو يَزيد عليه، على أن العمل في هذه الأيام جهاد للنَّفْس والهوى.

عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام)؛ يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيلِ الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء). رواه البخاري

ومن آثار رحمة الله بعباده أن جعل هذه المواسم المباركة مميزة، جبرا لضعف عباده وكسلهم وهوانهم، وعونا لعجزهم، مما جُبلت عليه الأنفس.

إذًا فهي فرصة لتجديد علاقاتنا مع الله سبحانه وتعالى، فلنستغلها أحسن استغلال.

ما يستحب فعله في عشر ذي الحجة

التوبة الصادقة: فعلى المسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة بالتوبة الصادقة والعزم الأكيد على الرجوع إلى الله، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون). النور:31. وينبغي على المسلم أن يحرص حرصًا شديدًا على عمارة هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة، ومن عزم على شيء أعانه الله وهيأ له الأسباب التي تعينه على إكمال العمل.

_ الذِّكْر: يقول تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ ﴾. الحج: 28، وخاصة التكبير والتحميد والتهليل، روى الإمام أحمد عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (ما من أيامٍ أعظم عند الله ولا أحبُّ إليه من العمل فيهنَّ من هذه الأيام العَشْر، فأكثروا فيهنَّ من التَّهليل والتَّكبير والتَّحميد).

وليعلم المسلم أن الذكر أحب الكلام إلى الله تعالى، فهو سبب الفلاح في الدارين، مكفر للسيئات، ومطرد للشياطين، به يُذكر العبد عند الله تعالى ويصلي الله عليه والملائكة، يضاعف الله له الأجر ويثقل في ميزانه.

عن أبى الدَّرْداء رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعمَالِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى).

_ صلاة النوافل: الإكثار من نوافل الصلوات بعد المكتوبة، النوافل التي حافظ عليها النبي – صلى الله عليه وسلم – مع الفرائض، ويقال لها الرواتب، وهي اثنتا عشر ركعة: ركعتان قبل الفجر، أربع ركعات قبل الظهر(بتسليمتين) واثنتان بعده، ركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء. تعد النوافل من الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله تعالى، وهي سبب من أسباب محبة الله تعالى، وقد دل على ذلك قول الرسول صل الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) رواه البخاري.

_ الصيام: وهو يدخل في جنس الأعمال الصالحة، بل هو من أفضلها، وقد أضافه الله إلى نفسه لعظم شأنه وعلو قدره، فقال سبحانه في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به). متفق عليه. وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم صيام يوم عرفة من بين أيام عشر ذي الحجة بمزيد عناية، وبين فضل صيامه فقال: (صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده). رواه مسلم.
وعليه فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على العمل الصالح فيها. وقد ذهب إلى استحباب صيام العشر الإمام النووي وقال: صيامها مستحب استحبابًا شديدًا.

_ الإكثار من الصدقة: وما أحوج الناس في العشر للنفقة والاستعداد للحج والعيد وطلب الأضحية، وقد حث الله عليها فقال: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون). البقرة:254، وقال صلى الله عليه وسلم (ما نقصت صدقة من مال). رواه مسلم.

_ الحجّ والعُمرة: وهما مِن أفضل ما يُعمل في الأيّام العشر؛ بل مِن خصائص هذه الأيّام مشروعية الحجّ فيها، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أنّ رسولَ الله – صلّى الله عليه و سلّم – قال: (العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ، لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةُ).قال النّووي – رحمه الله: (والحجّ المبرور ليس له جزاءٌ إلاّ الجنّة) الأصحّ الأشهر أنّ (المبرور) هو الّذي لا يُخالطُه إثم، مأخوذ من البرّ وهو الطّاعة، وقيل: هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيرًا ممّا كان، ولا يعاود المعاصي، وقيل: هو الّذي لا رياء فيه، وقيل: الّذي لا يعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما. ومعنى: (ليس له جزاء إلا الجنة) أنّه لا يُقْتَصَر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بدّ أن يدخل الجنّة.

وهناك أعمال أخرى يستحب الإكثار منها في هذه الأيام، نذكر منها:

تلاوة القرآن وتعلمه، الاستغفار والصلاة على النبي صل الله عليه وسلم، بر الوالدين وصلة الأرحام، إفشاء السلام وإطعام الطعام، الإصلاح بين الناس، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حفظ اللسان والفرج، الإحسان إلى الجيران وإكرام الضيف، الإنفاق في سبيل الله، إماطة الأذى عن الطريق، النفقة على الزوجة والأولاد، كفالة الأيتام وزيارة المرضى، قضاء حواج الإخوان، كف الأذى عن المسلمين، الرفق بالرعية، الدعاء للإخوان بظهر الغيب، أداء الأمانات والوفاء بالعهد، غض البصر عن محارم الله، إسباغ الوضوء، الدعاء، الحرص على الصلوات وصلاة العيد في المسجد، والمحافظة على صلاة الجماعة، الذكر عقب الصلوات المكتوبة، الحرص على الكسب الحلال، سلامة الصدر والقلب وترك الشحناء، والتعاون مع المسملين في ما فيه خير… إلخ من الأعمال الصالحة والتي من الواجب أن نحافظ في كل الأزمان، وخاصة الآن في أحب أيام الله.

أو كما قيل: من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد.

أيام الله: فرصة لبدء صفحة جديدة مع الله.

وصل اللهم على سيدنا محمد عليه أفصل الصلوات وأتم التسليم وآله وصحبه أجمعين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد