يمثل الشعب المصري حالة نادرة من الصبر على الأزمات الطاحنة التي تمر به، فهو شعب مسالم بطبعه، لا يحب النزاعات والحروب، يعيش في حالة من السلم الاجتماعي، تمثل نموذجًا فريدًا من نوعه، حيث إن القوى الخارجية وأذنابها في الداخل حاولت – ولا زالت – لتفتيته وبث الفرقة والنزاع فيه، إلا أنها باءت بالفشل، فكانت طبيعة الشعب المسالمة المهادنة حائط سد منيع ضد تمزيق الوطن، وتفتيت الشعب.

وهذه السمة لا بد من وضعها دائمًا في الحسبان، ويجب على كل من يقيم الشعب المصري، ومواقفه السياسية الأخذ بها في عين الاعتبار، فالشعب المصري قد يقبل الظلم بيد أنه لن يقبل بحرب أهله، يصبر على نار الظلم، ولكنه لا يصبر على جمر تمزيق الوطن.

وخير شاهد على ذلك ما نراه ورأيناه من موقف الشعب المصري من النظام السياسي في مصر قبل الثورة وبعد الثورة، فقد قام بثورة على نظام أذاقه الأمرين، من فقر وجهل وقمع أمني وكبت للحريات، وبالرغم من ذلك جاءت ثورته ثورة بيضاء، ثورة سلمية، حافظت على ممتلكات الوطن، ومقدراته، بدلًا من أن تجرفه بثورة حانقة حارقة؛ مما أبهر العالم.

وعندما قام العسكر بالانقلاب على أول رئيس منتخب خرج في مظاهرات واعتصامات سلمية، ولم ينجر لمحاولات الانقلابين التي كانت تهدف إلى إشعال صراع داخلي، أو حرب أهلية، وآثر الشعب المصري أن يكون عبد الله المقتول على أن يكون عبد الله القاتل.

مَكرُمة يجب علينا أن نحمد الشعب المصري عليها لا نذمه عليها، شعب حافظ على تراب الوطن، من انقلابيين تنازلوا عنه، وفرطوا فيه.

مَكرُمة ينبغي أن يُشاد بها لشعب حقن دماء أبنائه، ورضي أن يُقتَّل من حفنة عسكر غدرت بالوطن وخانت عهدها مع الله والشعب، على أن يدخل الوطن في دوامة العنف، فرضي هذا الشعب العظيم أن يستقبل بصدره العاري رصاصات الغدر، كي لا يُراق المزيد من الدماء، أو يتساقط العديد من الشهداء، شعبٌ عَلِم أن ضريبة الحرية غالية، ولكن عاقبة الشقاق والتشرذم وخيمة.

شعب كريم لم تخدعه أصوات الإعلام الفاسد، أو أغاني المفسدين، التي نَبَحت لتنهش لحمه وتمزق لحمته، وعَوَت في لؤم: احنا شعب وانتو شعب، لينا رب ولكم رب.

وبالرغم من كل هذه المحامد للشعب المصري إلا سياط جلد الذات تتساقط على ظهره ممن هم أحوج إليه منه إليهم، فنجد الثوار ومؤيدي الشرعية يظهرون الشماتة في الشعب الضعيف الذي يرسف في ظلم جائر وقمع أمني غاشم، ويعاني من غلاء في المعيشة وضيق في الأرزاق حتى بلغت القلوب الحناجر، فتخرج أصوات تصرخ شامتة هذا جزاء ما اقترفت أيديكم، هذا جزاء صمتكم، هذا جزاء نقدكم، هذا جزاء مساندتكم، هذا جزاء سلبيتكم، ولا يفوتهم أن يستشهدوا بقوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (30 الشوري)

ولا يخطر على بال إلا قول الشاعر:

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً … عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ

مفارقة مؤلمة أن تخرج هذه الشماتة، أو قل هذه الانتقادات ممن هم ضحوا بأنفسهم وأموالهم، من أجله، وأرادوا له الحرية والكرامة.

وما يزيد الجُرح ألمًا أن دعوى باطلة، وتبريرات فاسدة، لا تصمد أمام أدنى حقيقة، وأظن أن الجميع لا يستطيع أن يُكذّب لغة الأرقام.

ولكن قبل أن نتحدث بالأرقام لا بد أن نقرَّ بأن صوت الانقلابين وإعلامهم أعلى صوتًا وأكثر ضجيجا، لذا فإنه قد يصمُّ الآذان عن الحقائق، ويجعل صوت الحق والحقيقة أخفت صوتا.

فقد انخدع كثير من مؤيدي الشرعية، ومناهضي الانقلاب، فسقطوا في براثن الإعلام الانقلابي، وصدقوا أن الشعب المصري تخلى عن الشرعية والرئيس المنتخب، وأن الشعب المصري شعب سلبي لن ينصر مظلوما ولن يقف ضد ظالما.

فرسخ عندهم فكرة سلبية الشعب، حتى اعتقدوا فيها أكثر من الانقلابيين، كما رسخ فيهم أن الشعب منقسم إلى مؤيدين للانقلاب ومعارضين له، وأن نسبة المؤيدين للانقلاب أكثر من المعارضين، وليس ذلك إلا لأن إعلام الانقلاب أعلى صوتًا، هذه حقيقة يجب أن نقر ونعترف بها، ولكن هذا ليس يعني بالضرورة أن من أعلى صوتًا يجب أن يكون أكثر عددًا.

وربما في الأرقام خير دليل فقد ظل العسكر وإعلامه وأحزابه وأذنابه، يحاربون الثورة منذ أول يوم، ويشيطنون الثوار والأحزاب الإسلامية، إلا أن الشعب المصري (الإيجابي) كان دائما يختار طريق الثوار والأحزاب الإسلامية، ابتداء من أول انتخابات جرت للاستفتاء على التعديلات الدستورية في 2011، انتهاء بآخر انتخابات التي كانت على التصويت على دستور الثورة في ديسمبر 2012 ومرورا بالانتخابات البرلمانية والرئاسية.

والمظاهرات التي خرجت في ميادين مصر بعد الانقلاب بالملايين أليست دليلًا ساطعًا، وبرهانًا قاطعًا على أن الشعب ضد الانقلاب والظلم، وأنه مع الشرعية والعدالة؟!

أليست مقاطعة الشعب المصري لانتخابات الرئاسة بعد الانقلاب، وانعدام مشاركته في الانتخابات البرلمانية لبرلمان الانقلاب دلالة قطعية بأن الشعب في مجملة وأن الشريحة الأكبر منه ضد الانقلاب وممارساته، إلا إنه اختار أن يمارس الاحتجاج السلبي، وأن يشارك الثوار في سلميتهم.

والعجيب أن مؤيدي الشرعية يفخرون بسلمية الثورة ومواجهة الانقلاب، وحُق لهم أن يفخروا، وفي ذات الوقت يعيبون على الشعب سلميته ويتهمونه بالسلبية، أي قسمة هذه إنها قسمة ضيزى.

ارحموا الشعب يرحمكم الله، فلا تكونوا أنتم والانقلاب عليه.

ماذا تريدون منه وقد وقف في كل الاستحقاقات الانتخابية؟

ماذا تريدون منه وقد خرج معكم في مظاهرات عارمة، كشفت العورة عن الانقلاب؟

ماذا تريدون منه وقد قاطع كل الممارسات السياسية، من انتخابات وأحزاب بهلونية؟

أتلمون عليه أن ردد كلام الإعلام الفاسد؟ ولا تلمون على أنفسكم أن صدقتم هذا الإعلام فقسمت الشعب إلى شعبين؟ واقتنعتم أنه هو من أسقط الرئيس والشرعية؟

استقيموا يرحمكم الله، وكونوا للشعب ولا تكونوا عليه

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد