خد بالأسباب و سلّم الأمر لمولاك و تقدم

للأسف و بكل صراحة أصبح الحب في مجتمعاتنا يختصر في كبسة زر أو لمسة يد لهاتفك المحمول كي يقع نظرك على تلك الصورة الشاعرية التي التقطتها زوجة أمير من الأمراء أو رئيس من الرؤساء،و هي تمسك بيده و تبتسم له في لقطة حميمية موحية بخلفيات الثراء و الرخاء،فتتنهد الواحدة منا في حسرة و تمني بأن تكون هي بطلة الصورة أو تكون هي أميرة الحدث.

  لقد صارت بعض فتيات عصرنا تسن معيارا توافق على أساسه في إختيار شريك حياتها، فمنهن من تختاره حسب مهنته،كي تضاف تلك المهنة إلى سيرة حياتها الذاتية باعتبارها مسألة مفاخرة بالشريك (زوجة الطبيب أو زوجة المهندس)، وبعضهن حسب ما يملك في رصيده البنكي وشقة مستقلة وسيارة.

وكم سيدفع مهرا لها؟ وبعضهن حسب هذه اﻷسباب مجتمعة.

إنه مرض يجتاح العصر، ووباء يفتك بالمعنى الحقيقي للحب و الزواج، إن كان مقصده مفخرة بين الناس،فالاختيار الأنجح لشريك الحياة يكون بناءً على معايير متصلة بالنهج اﻹسلامي القويم،

أما بالنسبة لاختيار شريك الحياة بناءً على غناه وفقره، فتلك أرزاق وزّعها الله، لن تؤثّر على كم تبتسمين في اليوم؟

ولا كم مشكلة تعترضك في حياتك معه؟، فحين يجرح شعورك لن تطيب أمواله خاطرك، لا أقول لك عيشي معه في خيمة وذاك الكلام المثالي غير الواقعي، لكن يكفي أن تكون معه أسباب الحياة البسيطة كي يسعدك.

فالحب عبارة عن سلوكيات و أفعال و أقوال حسنة تكسب بها قلب الشريك،

و الحب ليس مركزا اجتماعيا مرموقا و لا هو ذلك الميل القلبي للشريك فقط، هو حسن أخلاق نحوه و صبر عليه و على أهوال الحياة و تقلباتها،ففي بعض الأحيان الشخص الذي نكن له كل الحب يبادلنا إياه و يملك ما نصبوا إليه من مستوى معيشي مريح،لكن هذا ليس كافيا لبناء بيت…توجد مؤهلات أخرى لابد من الإعتماد عليها نتساءل فيها عن شخصيته :

-أكانت سوية نفسيا و عقليا أم لا؟

-هل يستطيع تربية أطفاله على منهج دعائمه قوية ؟

-هل عنده قدرة على تحمل المسؤولية أم لا؟

كل هذه الأسئلة لابد من إجابة صادقة عليها،و لابد أيضا من طرح الرجل لنفس محتوى الأسئلة على نفسه محاولا الوصول إلى أجوبة ترضيه و تقنعه:

-هل تستطيع أن تربي أولاده تربية حسنة؟

-هل تريد أن تحقق طموحا هادفا في حياتها أم ترغب في الزواج و فقط؟

-هل هي أصيلة ستقف معه في السراء و الضراء أم أنها ستختلق المشاكل لمجرد المرور بعائق صغير؟

ينبغي أن نختار رفيق الحياة بحكمة و نبحث عن أسباب التقارب و قواسمه،لأن ذلك الاختيار السليم لن يضطرّنا لِسَن ضمانات على حياتنا القادمة، فلا قيمة لزواج مبني على مهر غالي أو ضمان مالي و هو يفتقد لدعامة أخلاقية؟

إن الإختيار الأنجع لشريك الحياة يكون بناء على معايير متصلة بالنهج اﻹسلامي القويم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير” . رواه الترمذي

مخطئ ذلك الذي يظن أن الحياة الزوجية أحاديث هادئة و عيون ذابلة و أبصار خاشعة ووجوه ناظرة و قلوب مرفرفة و هدايا فاخرة تبدأ من باب الشقة إلى غرفة النوم،و الآيفون الذهبي و السيارة الجديدة و أدوات التجميل …تلك صورة نقلت الهدية من القيمة المعنوية للقيمة المدفوعة،و من بصلة الحبيب لريالات “أبو نواف” و ضحكة “جورج كلوني” و سلامات “ويليام”…

الشاب الذي يمشي بدل المواصلات لكي يوفر المال للشقة و الذهب و قد لا يكون في جيبه ثمن تذكرة لدخول حفلة أو فيلم لهؤلاء المشاهير الذين تتحسر الحبيبة لرؤية طريقة معيشتهم،سيحس بالعجز دون أن يبوح لها و يشعر بفراغ عينيها مهما كانت في الأصل أصيلة،كما يشعر بانعدام تقدير لسعيه اتجاهها و أنّ الموضوع بالنسبة لها موضوع مظاهر و مادة لا عش زوجية …

ذلك الحب المعروض على الشاشة الفضية و على مواقع التواصل الإجتماعي هو حب خيالي غير واقعي،الحب الحقيقي أن تساعدها و تساعدك،و تصبر عليها و تصبر عليك و تتنازل لها و تتنازل لك،تقاومان المرض الطارئ و الفقر العارض و الابن المنحرف.

هكذا هو الزواج سكينة من بعد ضيق و مودة قلبها غصة و فرحة قبلها ترحة و رخاء من بعد شدة،ومهما سخرنا من الثوابت سيظل الثابت الذي لا يتغير هو الرضا بالقليل،هو ابتسامة المرأة وهي منبهرة بشريكها الرجل،و ستبقى أجمل جملة تهدم كل شكوكه بالتقصير و تبني قصرا من التقدير هي “أنت تاج رأسي… يا رجل”

و فعلا هو نعم الرجل مادام يملك صفات ثمينة ترتكز على اِلتزامه بدينه و بواجباته نحو عائلته…هذا هو الزواج الحقيقي أما زواج الآهات و الطرف الكسير و الورود الحمراء،فهو زواج المسلسلات…

لدى حاولوا الإرتكاز على هذه النقاط التي قد تُفيد لحياة زوجية سعيدة:

* لا تعتمد في اختيار شريك حياتك على النظرة الأولى والارتياح الأول فقط. هذا لن يُفيدك إلا في العلاقات العابرة لا في علاقة تريد استمرارها سنين عديدة.

* لا تعتمد في اختيار شريك حياتك على معدَّل تسارع خفقات قلبك وقلبه، وتأجّج المشاعر بينكما.. هذا قد يحدث لأي شاب وفتاة بينهما تجاذب بسيط وإعجابٌ ما.

* لا تعتمد في اختيار شريك حياتك على رأي غيرك به اعتماداً كاملاً، خذ رأي المقرَّبين منك من باب الاستشارة لكن بعد أن تكون انتهيت من قرارك أنت.

* لا تأبه بالمجتمع وعاداته والعُرف فيه، لأننا ضمن مجتمع أغلب عاداته بالية جاهليَّة لا تخضع لأصول منطقية ودينية. اقرأ سيرة رسول الله وستعلم كم الأمر هيِّن !

* لديك خيارين؛ إما أن تختار سعادتك مقابل كلام الناس، أو تُرضي الناس مقابل سعادتك! لأنك لو تزوَّجت من يرضاهُ الناس لك ولا ترضاهُ أنت لنفسك فستُعاني المُرّ عندما يُغلق عليكما الباب ويذهب الجميع.

* افحص شريكك جيّداً قبل أن تُقرِّر الارتباط به، ولا تجعل فترة التعارف والخطوبة هي عبارة عن هدايا وعلاقة حُب ورومانسية فقط! هذه الفترة لتعيش معه مواقف عديدة وتفهمه كُليَّاً قبل أن تُهدر عواطفك على الفراغ ! يجب أن يحدث بينكما تجارب في مواضيع عدّة.

* لا تجعل نفسك تنساق للعُرف؛ كأن تسمع قصص من فلان وفلان وتطبّقها على نفسك. تذكَّر أنك كيان مُختلف تماماً، افهم نفسك وعلى أساس احتياجاتك تقدَّم.

* في اختيار شريكك هناك تضحية ستُقدَّم منك في موضوع معيَّن بلا شكّ. تمهَّل واعرف ما الذي تُريد التضحية به؟ الحالة الماديَّة؟ الشكل الخارجي؟ لديه تجربة سابقة؟ الظرف الصحيّ؟ رفض الأهل؟ شهاداته التعليمية؟ البُعد الجغرافي؟ لديه أطفال من تجربة قديمة؟ أنت من تقرّر أيّهم أسهل عليك وأهون اعتماداً على معرفتك بنفسك واحتياجاتها.

* يجب أن يكون بينك وبين شريكك -إن كنت تريده شريكاً صحيحاً- عدّة نقاط مشتركة في مواضيع مختلفة (اهتمامات ثقافية، رغبة لتعلُّم شيء ما، اهتمامات دينية، دراسة معينة، أسئلة فلسفية، تأمّل الجمال … الخ) حتى يكون بينكما دائماً حديث لا ينتهي.

* احرص على أن يكون بينك وبينه قدرة على الكلام والنقاش ! لأنه مَن لا تستطيع التكلُّم معه مُطوَّلاً في كل شيء بدون حرَجٍ أو خوف لن يصلح شريكاً لك.

* لا يوجد شريك لن تختلف معه، لكن يوجد شريك تتقارب معه في نقاط عديدة وعندما تختلف معه يكون اختلافاً لطيفاً لا شرساً !

* لا تقترب ممَّن لديه عقدة نفسية يُحاول بها السيطرة عليك أو التحكُّم بك أو جعلك نسخةً عنه.

* وأخيراً خُذ بالأسباب ولا تنسَ الاستخارة والاستشارة بعد معرفة نفسك جيَّداً والتأكّد من رغباتك والتأكّد من شريكك في مواقف عدَّة.. وسلِّم الأمر لمولاك وتقدَّم !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات