من كتاب المنظومة الاشتراكية العالمية - لبيرغوف

تظل مقولة كارل ماركس المؤسسة لنقلة نوعية في تاريخ الفكر: «الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم، حان الوقت لتغييره»؛ إذ إنَّ الماركسية – وإن لم يطلق ماركس نفسه هذا الاسم على فلسفته- تعنى بالواقع من حيث هو واقع، وتعامله بظروفه الموضوعية – الحقيقية كما هي- لإيجاد منفذ لتحريك التاريخ، والخروج من مرحلة سابقة إلى مرحلة تالية، تطورًا في مسيرة الزمن، حتى يصل الواقع إلى مرحلة تاريخية – لها وقتها- منتظرة، حيث الشيوعية التي يؤسسها حاضنها الطبقي، طبقة العمال، أو البروليتاريا.

لكن جدلًا ما نشب على الجدلية المادية ومدى انطباقها آلية وسبيلًا لحل مشكلات الواقع، فمع أن الاشتراكية المقررة في كتب الأولين مثل أنجلز، لم تكن المنهج الرسمي النهائي، الذي يجب تطبيقه في كل مكان وزمان، فإنَّ بعضهم قرر فلسفات ثابتة جامدة من حيث المنهج، وقد سموا كل طريقة باسم جديد مشتق من أصلين أو ثلاثة؛ فتجد الاشتراكية الإقطاعية، وهي تلك التي ضاق صائغوها بالبرجوازية، لكنهم في التوقيت نفسه في حنين إلى الإقطاعية؛ رغم أن هذا يعد رجوعًا بالزمن إلى الخلف، وقلبًا للتاريخ على ظهره، إذ إن الإقطاعية مرحلة سابقة على البرجوازية والرأسمالية، ولا يمكن أن تأتي بعدهم، بحسب النظرة الاشتراكية المحافظة والمتحفظة بخط سير تاريخي ثابت مُمرحل، تأتي فيه المراحل واحدة تلو الأخرى، وتسلم فيه طبقة غابرة مقاليد السلطة والسطوة إلى يد طبقة ناشئة.
وهناك من صاغ الاشتراكية البرجوازية الصغيرة، وهي تخالف البرجوازية الصغيرة – أصحاب الملكيات الصغيرة الحجم من مجمل وسائل الإنتاج- ضد البرجوازية الضخمة وحيتان السوق.
وأيضًا الاشتراكية الديمقراطية، والتي كانت ترى التغيير عبر الاندماج في المجتمع الرأسمالي، وكأنها تنمو في أحشاء الرأسمالية تدريجيًّا.

المنظومة الاشتراكية العالمية- بيروغوف

قرر بيروغوف في كتابه «المنظومة الاشتراكية العالمية» أنَّ كل ذلك ما كان ولم يكن من الاشتراكية في شيء، وإن كان منها ما يشترك معها في جانب، فهو يختلف عنها في جوانب. ذلك أن الاشتراكية كانت تعني لديه طريقة واحدة خالية من تلك «التحابيش» والزيادات، أو ما يمكن أن يُوصف بأنه إنتاج لاشتراكية بنكهات مختلفة، تناسب كل الأذواق، وتوافق كل الخلفيات، حتى أولئك الطبقيين أعداء المساواة، يمكن لهم أن يجدوا في نكهةٍ ما مأربًا أو سببًا يتبنون له فلسفة اشتراكية ما.
كانت رؤيته للاشتراكية تنطلق من حيث تقريره للواقع، إذ أكد ضرورة الانطلاق من الواقع المعاش والعالم الحالي، حيث المادية الجدلية تظهر من جديد مفهومًا وآلية تعامل.

الاشتراكية.. طوبى أم علم؟

وهذا ما قرره فريدريك أنجلز بصراحة في كتابه «الاشتراكية بين الطوباوية والعلمية»، عندما أسس للاشتراكية العلمية، إذ نفى اعتباطية التحول من حالة إلى حالة، حيث الاشتراكية اليوتوبية التي لم يكن لها أرجل على أرض الواقع، إلى اشتراكية لها معالم واضحة وخط سير ومنهج يمكن اتباعه، وهو هنا يؤكد التحول لا التطور، فالتحول إنما هو تغير في البنية الأساسية، أما التطور فيكون في ارتقاء، وبالتالي فهو ارتقاء مبني على ما سبقه؛ يتضمن ما سبقه.
أكد أنجلز على أن الاشتراكية تتوقف على الوعي الطبقي للطبقة المقصودة هنا بالتأكيد، وهي البروليتاريا – العمالية- بالواقع، واستنباط آليات تغييره المتميزة عن غيره من الأوقات والأمكنة الأخرى، فلكل واقع وزمان وعيه وآلياته الخاصة، أو كما يقولون: «لكل زمانٍ أذان».

الوعي الذاتي للواقع وسيرورة التغيير

هذا بالتالي يشكل لدينا فكرة عن أن آلية التغيير لدى الاشتراكية، هي الوعي الذاتي بحقيقة الحقائق، دون التلاهي في التنظيرات الفكرية المنبتة عن عالم العمل، ودون دوران في حلقات التاريخ المفرغة، والتي لا تنتهي إلا بإعادتها، إذ يقول ماركس: «الجاهل بالتاريخ محكومٌ عليه بتكراره»، فليس هذا من قبيل التلاهي به، بل حيث يريدُ معرفة التاريخ واستنباط أحكام قوانينه المادية، كقانون التحول النوعي إلى كيفي، إذ تتحول الأمور مع التراكم والزيادة الكمية إلى نوع جديد، عندما تصل إلى حد تضطرُ فيه المادة للتحول؛ فالماء على النار ما تزال تتزايد عليه درجة التسخين حتى يصل إلى درجة 100 سليزيوس، فيتحول إلى بخار، وهكذا القهر الاقتصادي واقتسام اللقمة بظلم، وازدياد سوء المعيشة لدى طبقات المجتمع لحساب الزيادة والوفرة لدى طبقة أخرى منفردة في الهرم الاجتماعي للمجتمعات، قد يحدث هذا تحولًا نوعيًّا يُدعى الثورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد